في الثلاثين من تموز 1988 كنت يافعا أقف على بعد خمسة أمتار من الملك الحسين في لقاء عاجل مع كوكبة من رجالات الأردن لا يتجاوزون مئة زعيم، كان الحسين واقفا بوجّوم وكأنما يقف للخطابة على رأس ميت، حيث أحاط بظهره صفوة قيادات الدولة يتقدمهم الأميرالحسن، ولجانبه الرئيس زيد الرفاعي والأمير زيد بن شاكر واللواء طارق علاء الدين طوبال، حيث أعلن الحسين عن نيته «غداً» إعلان قرار فك الإرتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية بلا رجعة، بعد شرح تاريخي عن يأسه من إنجاح أي محاولة للحلّ، آخرها إجتماع لندن «الحسين ـ بيريس» 1987 الذي قتل الحلمّ.

لقد سرد الحسين قصته مع فلسطين والأشقاء والعرب، حتى لأني حسبتها تحاكي قصة سيدنا يوسف مع إخوته الذين قرروا رمّيه في قعر البئر، كان الوجّوم يلف وجوه الحضور، وختم الحسين كلامه بأننا ندعم إخوتنا الفلسطينيين بقيادة أبو عمار في إعلان دولتهم بالمنفى التي يريدون، ومن يعرف التاريخ جيدا، يفهم اليوم الحسرة البادية على وجوه أركان الدولة آنذاك، فكل الحلول المقترحة لحلّ قضية الضفة الغربية طرحها الأردن سرّا وعلنا ولكن لا أحد يريدنا، ومذاك اليوم أدركت أن الطلاق السياسي بات بائنا مع أرضنا وشعبنا غرب النهر.

اليوم بات الحديث ممجوجا عن حلٍّ مستحيل لتسوية سياسية مشوهة عنوانها الكونفدرالية، بعدما كشف «شاكيد موراغ» رئيس منظمة السلام الآن، و»موشيه زار» من ميرتس، ما قاله لهما محمود عباس من مقترح أميركي لإحياء نظرية الكونفدرالية مع الأردن، وهي ليست فكرة ترمب مباشرة، بل العرّاب «جاريد كوشنر» طرحها في عمان ورام الله، ولم يسمع ما يرضي غروره، بل إن عباس بألاعيب الخفة السياسية التي أسست لاتفاقية أوسلو اقترح كونفدرالية ثلاثية تضم إسرائيل وهو يعلم أنها مستحيلة أصلا.

قبل سنوات وفي اجتماع مع الملك عبدالله الثاني، نفى جلالته أي حديث عن أي حلول تشبه الكونفدرالية ما لم تقم الدولة الفلسطينية الناجزة وعاصمتها القدس، وأعاد الملك العام الماضي أمامنا أيضا هذا الرفض التام ولكن بصيغة أكثر حديّة، وطلب من الحضور جميعا عدم الإنصات لمثل هذه التسريبات، وأكد أننا داعمين للأِشقاء الفلسطينيين لا طامعين بهم، مشددا على أن ما يتفاقع بين الحين والآخر ليس سوى حلقة من استهداف الإستقرار في بلادنا وتشتتيت أي جهود لإعادة إسرائيل لطاولة الإحتكام للقانون الدولي والقرارات الأممية.

هنا ومع حلمي الشخصي بإعادة الضفة نتساءل: من يطرح تلك الأفكار في هذا الوقت الحرج؟ بالتأكيد ليس نحن وليسوا الأشقاء الفلسطينيين مع اختلافهم، فنحن لسنا سوى رجع الصدى المضاد، فأول طرح لحكم ذاتي فلسطيني مجتزأ كانت عام 1967 قدمه وزير الخارجية الإسرائيلي»إيجال آلون»، والذي رسم «حدود إسرائيل الشرقية»حتى نهر الأردن ومناطقه الغربية، وضم غزة بسكانها الأصليين مع إسرائيل، وحل مشكلة اللاجئين بتوطينهم في قرى تقيمها إسرائيل في الضفة أو سيناء بتعاون دولي.

لقد حاول الملك الحسين فعليا إقامة مشروع إعادة الضفة من خلال»المملكة العربية المتحدة» 15 آذار 1972 ولكن العرب أسقطوا التابعية الأردنية في مؤتمر الرباط 1974، وأعاد المحاولة الأخيرة لفكرة مشروع سياسي كونفدرالي في تشرين اول 1984 لتوحيد الجهد أمام المخطط الإسرائيلي ولكن فشلت الفكرة، حيث أعلن الحسين عن الطلاق السياسي مع الضفة وهو حزين مثلنا تماما، لهذا فأي كلام عن مشاريع تصفوية هي ضرب للأردن وللمشروع الفلسطيني وحماية مقدساتنا، وهو تأليب وتحريض بيننا وخدمة للكيان الإسرائيلي ولن يقبل به الأردنيين ولا الفلسطينيين قطعا.

Royal430@hotmail.com