مع بدء العام الدراسي الجديد علينا ان نتأمل مشهد المدرسة والطلبة والمعلم ونراجع هذه المسيرة الطويلة في هذه المحاور التي يجب ان تأخذ مكانتها في التخطيط والتنفيذ والعمل، خاصة حين تستوقفك مهنة التعليم بتجلياتها ومعطياتها كلها، وتدرك أن هذه المهنة يجب أن تبقى في الصدارة؛ مهنة لائقة وفاعلة وجادة، وهي لا تقارن بأية مهنة أخرى مهما كان شكلها ومضمونها ومردودها وأثرها، وهذه المهنة تدخل في تفاصيل حياتنا وترتبط مع جميع أفراد المجتمع مذ أنشئت أول مدرسة في التاريخ، ولا يجب أن تقارن بغيرها، ويجب أن يدفع بها المجتمع إلى الأمام ويدافع عنها ويقدم لها أرقى الأفكار وأحسنها، وعلى الجميع أن يتكاتفوا لإعادة الاعتبار إلى هذه المهنة العظيمة التي اقترنت بأول لقاء رباني بين السماء والأرض حين قال جبريل عليه السلام لسيد البشرية محمد عليه أفضل الصلاة والسلام قوله تعالى:«اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم» وهنا يبرز أول توجيه رباني حول خط التاريخ البشري؛ حقيقة التعليم؛ حقيقة القلم وقيمته في رسالة الإسلام؛ إذ كان القلم والعلم قاعدة الإيمان والمعرفة ومصدر هذا كله الله سبحانه وتعالى الذي علم الإنسان ما لم يعلم.

لقد مر زمن ليس قصيرا على تهميش هذه المهنة وعدم تقديرها خاصة في العقدين الأخيرين بعد أن كانت من أكثر المهن الاجتماعية تقديسا واحتراما، وقد لامس هذا معنويات المعلمين والمهنة برمتها، وغدت أحيانا مصدر تندر عند أصحاب المهن الأخرى؛ وكأنها مهنة من لا مهنة له، وهي صورة سلبية اسهم المجتمع في رسم ملامحها، وصارت في نظره روتينية ومثقلة بركام من الأفكار السلبية أدت إلى تراكم الصور السلبية وإحجام الشباب عنها، مع أنّ هذه المهنة هي أشرف المهن وأعظمها، ويجب أن تكون دائما وباستمرار حتى نستطيع تنشئة أجيال تمتاز بمعرفتها وعلمها وقدرتها على الإبداع والتنافس، ودون ذلك سنبقى أمام مجتمع ينظر بارتياب إلى هذه المهنة ويقف منها على مسافة بعيدة بعد أن انشغل بمصالحه ومنافعه، وقدم من لا يستحق على أهل هذه المهنة، فكيف تستقيم المعادلة إذا كان المعلم يبني في أولادنا حروفه ويرسم على اديمهم معنى الحياة، في حين ينحاز المجتمع إلى أصحاب تلك المهن. إن مبادرات وزارة التربية والتعليم وغيرها ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد؛ لأنها تعيد الضوء إلى نفق طالما انتظر من يعيد له خريطته على أرض الواقع سواء على صعيد المدرسة؛ حاضنة التربية والتعليم الأساسية، والطالب؛ محور العملية التعليمية وأساسها الذي يجب أن يهتم به الجميع؛ الأسرة والمدرسة والمجتمع، والمعلم الذي يجب أن يشعر أنه لا يعيش على الهامش، وأن مهمته ليست روتينية جامدة، وعلى المجتمع وكل المعنيين أن يشعروه أنه باني المستقبل وراعيه، وهذا يتطلب أن ينشط المعلم لإعادة الاعتبار لنفسه من خلال بناء شخصيته على قاعدة انه إنسان عليه واجبات جسيمة ويتطلب منه أن يكون عاشقا لمهنته وجادا في تخصصه وقادرا على تقديم أفضل ما لديه، لكي لا يبقى المجتمع يلقي تهمه على مخرجاته التعليمية، وهذا يزيد من مسؤولية المعلم ويضع على عاتقه أن ينهض من جديد لكي يواكب العصر ومتطلباته التعليمية والتربوية.

mohamadq2002@yahoo.com