كان آخر ما انشغل به الأردنيون خلال الفترة الماضية، صورةً لدوار منزاحٍ بإربد، ظهر كالعثرة وسط الطريق، وبات هذا الدوار محل تندرٍ لواقع سبقه طرد رئيس جامعة من مكتبه وتكسير مرافق مدرسة للإعتراض على نقل مديرها!

ولربما، يتساءل القارئ عن الرابط ما بين الدوار والمدرسة والجامعة، ولكنه تعبير عن نمطٍ من عقلية تفكر باعوجاج بين ظهرانينا، ترى أن تقويم السير يحتاج إلى تغيير المفاهيم.

إذ أن هذه طريقة تفكير تريد تغيير المفاهيم كافة، تريد أن تحيل الجامعة والمدرسة إلى مكتسبٍ وحقٍ مناطقي، وتريد فرض مفاهيمها ، وتفكر بمنطق «المحاصصة» بعيداً عن منطق المساواة.

نعم.. فما جرى ليست بسلوكيات فردية بل شرحت الفيديوهات أنها سلوكيات جماعية لأفرادٍ يرون أنهم أعلى سلطةً والأكثر حقاً بفرض قرارهم!

لماذا يا ترى شابت حواضن المعرفة هذه الإختلالات..وعادت لتنقاد، ويُعاد انتاجها من منطق إنتاج المعرفة والقيادة المتنورة للمجتمع، وتصبح منقادة إلى مجتمعاتها ومفاهيمها وتصوراتها، وباتت تتجاوز مفهوم المنفعة المعرفية الثقافية الفكرية إلى المنفعة الوظائفية المُنقادة إلى العُصبة !

كما أن ما جرى في الجامعة والمدرسة، من حالتي استقواء على القرار، هو أسلوبٌ تكرس في السنوات الأخيرة بمجتمعنا، وعبر عن ذاته أكثر من مرة.

وإن كان يذكر القارئ – مثالاً- الأحداث التي رافقت قانون البلديات عام 2011 التي حاول خلالها مواطنون الإعتراض على حدود بلدياتهم، ومن ثم تكسير كاميرات السرعة في بعض المحافظات، وتلتها أحداث أخرى عشناها من اعتراضات على اعتقال مجرمٍ أو خارجٍ عن القانون.

نحن أمام ظاهرة وفكرة، يمكن تلخيصها بأنها حالة استقواء متراكمة نتيجة أسلوب إدارة الاسترضاء على حساب القانون ولسنوات طويلة، انتجت عصبيات تظن أن لها الحق في تسيير شؤونها بعيداً عن دور المركز.

والاسترضاء هذا الذي تسلل أصحابه من عنوان التنمية وتواروا في مؤسساتنا تضخم أصحابه، ورأوا أن العدالة لا تتحقق إلا باسترضائهم!

وراكم أصحاب هذا التيار دوراً خاملاً رخواً إدارياً وأكاديمياً – خاصة في بعض جامعاتنا- أحال أدوارها إلى مؤسسات أقرب إلى النفعية المقتصر دورها على التعيين والتوظيف وفي حالاتٍ كثيرة الابتعاثات المبنية على المنطقة ونحوها من الأساليب التي عبثت بمفهوم الجامعة ابتداءً..!

وتشرح مديونية الجامعات وحالات الترهل والتراجع بالأداء المعرفي ذلك، وجاء موضوع الدوار الذي أِشغلنا أسلوب ومكان تصميمه ليعرب عن مخرجاتٍ نخشى على الوطن منها ومن أسلوب تفكيرها !

أمام هذا التراكم، ترى كيف يكون العلاج؟ وكيف من الممكن أن نعيد تعريف المدرسة والجامعة في ذهنية كثير من المجتمعات؟ وهل الحلول الآنية قادرة على حل مكامن القصور؟ خاصة وأن أكثر ما نخشاه أننا لا نملك ترف الخيارات..!

إنها هموم تتثاقل إن أهملت..

Samer.yunis@live.com