عندما قام الكنيست الاسرائيلي بإقرار مشروع الهوية الدينية لإسرائيل، احتج البعض، ومنهم المواطنون الاسرائيليون لان ذلك يشكل تهديدا على هويتهم الدينية، وعندما تحولت ايران من بلد علماني ايام الشاه الى بلد تحكم بالقبضة الحديدية من قبل رجال الدين الشيعة،حيث ارادوا تصدير الخمينية، دخلت ايران في حروب مع جيرانها العرب السنة ومع بقية العالم، وعندما اراد الاخوان تحويل الدول العربية الى دول يحكمها رجال دين، كبديل عن رجال السياسة، واجهوا معارضة من اغلب القوى الشعبية الوطنية التي تريد ان تتنفس الحرية، وتمارس الديموقراطية لتواكب الحداثة، فالدين لله، اما الوطن فهو للجميع. الصراع الفكري في كيفية ادارة شؤون الحكم والذي احيانا يترجم الى عنف، ليس مقتصرا على منطقتنا فحسب، بل كان وما زال موجوداً في كل العالم، ولكن الفرق اننا، وبالأخص الاحزاب السياسية العربية لدينا، تتردد في مواءمة الحداثة ولا تطور في ادواتها السياسية، أي انها تريد تغيير من هم بحولها الا انها تأبى ان تتغير، لأنها لا تستفيد من تجارب الاخرين، وتعتمد اعتمادا كليا على نقاط ضعف الادارة العامة في الدول العربية لكسب شعبيتها، بالرغم من ان بعضها يعتبر نفسه من احزاب المعارضة، الا ان برامجها تخلو من طرح الحلول والبدائل، مما يجعلنا نقبع في مكاننا والكل من حولنا يتقدم. فأهل الماركسية تخلوا عنها، والكنيسة قبلت بدورها الاساسي الروحاني بعيدا عن السياسة، والاحزاب القومية او المتطرفة في الغرب اضمحل تأثيرها في مقابل العولمة وحقوق الانسان. وفي هذا المحيط الفكري المتلاطم الافكار والمتغير نحو الحداثة،مازلنا نجد ان المسنين والمتقاعدين من قادة الاحزاب السياسية العربية، وخصوصا اليمين المتطرف منهم، مصرين على استخدام الشباب كوقود للعنف، لتحقيق مآربهم السياسية، كما كان اليساريون يفعلون ذلك في حقبة الشيوعية. وهذا ينطبق على قادة اسرائيل من اليمين المتطرف الذين لا يريدون السلام مع العرب، فيستخدمون المعتقدات الدينية عند الضرورة، لإطالة امد دوامة العنف لان ميزان القوى في صالحهم حاليا.

في ظل هذا الصراع الفكري في منطقتنا حول كيفية ادارة شؤون الحكم، وخصوصا الذي يولد العنف ويستنزف جهود وثمار التنمية، والتي لا تقل اثاره السلبية عن تلك الناجمة عن الصراع العربي الاسرائيلي، وفي ظل العجز في تقديم نظريات اجتماعية سياسية كبدائل اخرى عن العلمانية او الديموقراطية الغربية، او سلطة رجال الدين الذي ينادي بها البعض والتي يرفضها الكثيرون، يبزغ حكم الدولة المدنية كحل وسط، كما هو في الاردن،فلا تسلط او تغول لفئة على اخرى، فالقانون المدني هو الذي يسود فوق الجميع،والذي يحترم خصوصية التنوع الفكري والعقائدي والعرقي لمكونات الشعب الاردني, ولكن ضمن المبادئ العامة للمجتمع الاردني، التي ارسى قواعدها الاباء والاجداد من قيم التسامح والانفتاح على الاخر، وفي اطار الهوية الدينية المسلمة المعتدلة للدولة الاردنية،التي تعكس جوهر الاسلام الحقيقي، والتي تعطي الخصوصية الكاملة للفرد، ولكنها لا تمنحه الحق بالتعدي على تلك المبادئ العامة، والعكس صحيح ايضا، فلايوجد لدينا تغول مجتمعي على الفرد او المجموعة بسبب عرقها او اصولها او معتقدها الديني، او تمحور لفئات ضد اخرى، بل على العكس تجد الشركسي او الارمني او الدرزي او الشيشاني او السرياني او الكردي يعتز بتراثه، ولكن يبقى شعاره الاردن اولا، وكذلك اشقاؤنا من الاصول الفلسطينية، فبالرغم من ان عواطفهم جياشة ومشدودة لأهلهم واقربائهم في فلسطين، كما ذكر لي احد الزملاء بسبب معاناتهم، ولكن الاردن تبقى لها مكانة خاصة في وجدانهم، وعشقها لاينازعه عشق ويفاخرون العالم بحمل جنسيتها،واما الجيل الثاني والثالث منهم، يحملون هم القضية الفلسطينية كما يحملها كل العرب والاردنيون بشكل خاص،ولكنه اردني حتى النخاع، فيحرصون على دعم اقتصادها وامنها واستقرارها وولائهم للعرش الهاشمي بلاشروط ،كما لمست من الكثيرين منهم.ولهذا الامراض التي تعاني منها المجتمعات العربية وكذلك اسرائيل،ليست موجودة لدينا الا في قلة محدودة العدد صوتها عالٍ، ولكنها ما تزال منكمشة على ذاتها، وتجافي المجتمع الذي احتضنها، وما زلنا بانتظار عودتها للصف الاردني، كعودة الابن الضال للمشاركة في بناء الاردن القوي. فحكم الدولة المدنية بلاشك هو الانسب لنا، وهو الذي جنبنا معاناة اشقائنا العرب، لأنه يعكس صفات الانسان الاردني الطيب المنفتحة على الاخر،وهو امتداد عفوي لبيئتنا وطبيعتنا الاردنية، فالأردن يعلو فوق الجميع ولا يعلى عليه، وكلنا للأردن،والاردن لنا جميعا،وهذه المقولات تلخص مبادئ الوطنيين الأردنيين، التي صاغها الرواد الاوائل أمثال حابس المجالي ووصفي التل وغيرهم الكثير، وترجموها من خلال عملهم، وحرصهم على امن،واستقرار، واستقلال الاردن، في ظل حكم دولة مدنية ملكية هاشمية،وذلك كما يستدل من مذكرات الوالد حفظه الله»مذكرات ضابط اردني - خفايا واسرار للفترة الممتدة من عام 1948 حتى 2004.

waelsamain@gmail.com