وليد سليمان

قديماً كانت هناك «عادة اجتماعية» طيبة عند أهالي مدينة السلط , حيث كانوا يحرصون عليها جيداً .. وهي عملية تبادل الهدايا على مستوى واسع وذلك خلال موسم قطاف العنب .

وفي حديث مع ( أبواب – الرأي) أشار الدكتور محمد ابو حسان الباحث في مواضيع التراث الاردني والعربي وعلم الانسان , مستذكراً أجواء اجتماعية قديمة حول ( تبادل الهدايا في موسم الكروم ).

فقد كانت هناك أراض زراعية شاسعة قوامها أشجار « كروم العنب « والرمان والتين على امتداد وادي شعيب وطريق السلط .

كروم العنب

ويقول الباحث د. ابو حسان : في العقود الأولى من القرن الماضي كان العديد من موطني مدينة السلط يذهبون الى كروم العنب أيام الصيف , وهناك من يبقون في منازلهم في المدينة خلال تلك الفترة.

وكان كل صاحب كرم من كروم العنب يقوم بتعبئة عدد من السلال بالعنب يحملها معه من الكرم إلى مدينة السلط , وهناك يقوم بتوزيعها على جيرانه. وبالمقابل يقوم الجار الذي أخذ سلة العنب بشكر صاحب الكرم, كما يقوم بتفريغ السلة من العنب , ويضع بدلاً من ذلك و في نفس السلة بعض الحلويات , أو غيرها من المواد التي يحتاجها اصحاب الكروم , ويُعيد هذه السلة إلى صاحب الكرم الذي يصطحبها معه إلى عائلته في كرمه .. فتأكل عائلته من تلك الحلويات وغيرها .

ويستمر تبادل الهدايا على هذا المنوال طوال أيام موسم قطاف العنب ..

حتى قيل أن أهل السلط كانوا لا يضطرون إلى شراء العنب من المحلات التجارية.

وما كان يجري من تبادل الهدايا بالنسبة للعنب كان يحدث للزبيب والخبيصة وغيرها من مشتقات العنب, وهذه عادة شائعة وتقاليد راسخة ترتبط بمنظومة القيم الاجتماعية عند أهالي مدينة السلط.

و من المتعارف عليه قديماً ؛ أنه من المشين أن يُعيد الجار السلة فارغة إلى صاحب الكرم الذي قدمها له مملوءة بالعنب , لأن العادة تقضي بأن (الهدية بدها جَزيَّة) !! و في هذه الحالة فإن (الهدية تأتي على قدر مهديها) كما يقولون .

وبالنتيجة فإن عملية تبادل الهدايا كانت تعزز روح التماسك والتعاون بين أهالي المدينة.. حتى ترنمت الاهزوجة الاردنية الشعبية القديمة تردد هذه الكلمات:

لَوْقَف على جبال السلط

واشرف على الوادي

وأتمشى بكروم العنب

وانشق هوا بلادي

واقطف من قطوف العنب

واطعم أنا أولادي.

قوافل العِنَّابة

وحول تاريخ العنب السلطي وكرومه المميزة بخيراتها وطقوس موسمها الصيفي السنوي قال القاضي د. ابو حسان:

لقد كان موسم الكروم من المواسم الاقتصادية المهمة في مدينة السلط حيث يقوم أصحاب الكروم منذ بدء قطاف العنب, وفي مساء كل يوم, بتجميع كميات العنب الناضج في كرومهم ويعبئونها في صناديق خشبية كبيرة تسمى (سحاحير) وتغطى كل سحارة بأغصان الدوالي وأوراقها, ويجري تحميل كل سحارتين على ظهر حمار أو بغل, وقد توضع بين السحارتين جونة مملوءة بالعنب تسمى (الوسّاطية).

ويسمى الشخص الذي يقوم بسوق الدواب التي تحمل سحاحير العنب بـ (العَنَّاب), وتسير قافلة العنّابة من جميع كروم السلط في أوقات متقاربة ليلاً لتلتقي مع بعضها في مناطق (السرو) أو (الكمالية).

حيث تشكل هذه القافلة أسطولاً من الدواب ناقلة العنب .. ليبلغ طولها ميلاً واحداً أو أكثر, وتستمر القافلة تسير بانتظام من جهات السلط المختلفة حتى تصل إلى سوق الخضار في وسط مدينة عمان .

عند شجرة الحنيطي

ولقد تعارف (العنابة) على تحديد مواقع معينة للتجمع والاستراحة في رحلتهم اليومية بين السلط وعمان, ومن أهم هذه المواقع كانت (شجرة الحنيطي) التي تقع في آخر طلوع أم النعاج في منطقة الكمالية, وتنسب هذه الشجرة إلى أحد أولياء الله الصالحين من عشيرة الحنيطي, وكان الناس يزورونها للتبرك , ويمدونها بالزيوت والبخور, ويعلقون على أغصانها الخِلَع والتي تتكون من قطع صغيرة من الأقمشة ذوات الألوان المختلفة.

كما كان يزور هذه الشجرة المرضى طلباً للشفاء, وقد قطعت هذه الشجرة حوالي سنة 1950 ويوجد حول موقعها اليوم ضاحية سكنية كبيرة.

عين ماء صويلح

وبعد أن كانت تتجمع قوافل العنابة حول هذه الشجرة, فإنها كانت تسير قافلة منتظمة حتى تصل الموقع الآخر, وهو عين الماء في صويلح حيث يتزود العنابة بمائها العذب البارد الذي يكونون بأمس الحاجة إليه, لأن رحلات العنابة تكون في شهر آب وهو من أشد شهور الصيف حراً, وخلال هذا الشهر يتم قطف العنب.

وفي وصف هذا الشهر يقول المثل الشعبي (في آب اقطع القطف ولا تهاب) كما يقولون (آب اللهاب) بمعنى آب الملتهب نظراً لشدة الحر فيه. وتستمر قوافل العنابة بالسير إلى منطقة الجبيهة وتلاع العلي حتى تصل سوق الخضار في مدينة عمان.

إن مواقع التجمع والاستراحة على امتداد طريق عمان السلط كانت تسلكها هذه القوافل في رحلات الذهاب والإياب فهي محطات استراحة من ناحية وأمكنة تزويد بالماء والغذاء للعنابة ولشرب دوابهم الناقلة للعنب من الناحية الأخرى.

وهناك قوافل أخرى صغيرة تسير إلى مناطق غير مدينة عمان مثل مدينة السلط أو مأدبا أو الأغوار وحتى مناطق البادية... الخ.

وكان يُباع العنب في ذلك السوق لسد حاجات سكان عمان والعشائر وأهالي المناطق المجاورة لعمان, وبعد إتمام عملية بيع العنب وشراء ما يلزم من المواد الأخرى من عمان, يعود أصحاب القافلة إلى السلط , للتحضير لعملهم في اليوم التالي وهكذا تستمر هذه العملية حتى نهاية موسم الكروم صيفاً.. وبقي الأمر كذلك إلى أن حلت السيارات محل الدواب في نقل العنب.

ورغم أن حمدان ابو حسان – والد د. محمد ابو حسان - كان يملك كرماً كبيراً إلا أنه لم يكن يبيع من عنبه شيئاً, حيث كان يقوم بتوزيع إنتاجه من العنب كهدايا على جيرانه في مدينة السلط وأبو علندا .. وحتى المارة من جانب الكرم يستطيعون أخذ العنب دون استئذان صاحبه لمعرفتهم بكرمه, وأما ما تبقى من العنب فيُحول إلى مشتقاته الأخرى كمؤونة للعائلة مثل الزبيب و الخبيصة والمربى و العصير .

يا كرم العلالي عنقودك لينا

وقد كان بحث الانثربولوجي د.ابو حسان قد أخذنا للتحليق في أنغام وكلمات المطربة الشهيرة فيروز التي غنت للعنب وكروم الدوالي حينما كانت تشدو وتقول :

يا كرم العلالي

عنقودك لينا

ويا حلو يا غالي

شو بحبك أنا

وفي اغنية اخرى تغرد قائلة :

الدوالي.. دوالينا

والليالي.. ليالينا

ومكان كرم الهنا

كل ليلة ينادينا.

ولكروم العنب مكانة خاصة في التاريخ القديم والديانات، ففي القرآن الكريم تجد تكريما خاصاً لهذه الشجرة المباركة وثمارها , بذكره إحدى عشرة مرة في عشر آيات، وقد ارتبط أغلبها ارتباطاً مباشر في وصف الحدائق والجنة؛ ومن ذلك في سورة - المؤمنون- ) فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(.

كما شبه السيد المسيح نفسه بكرمة العنب ، وأن على المؤمن أن يكون غصناً صالحاً صانعاً لثمر الأيمان، لا لثمر التدين الظاهري، فهنالك أشجار عنب بري لا تثمر، أما الأشجار الجيدة فتجود بثمر كثير.

في الطب القديم والحديث

وللعنب مكانة هامة في الطب القديم فقد عرفة أطباء اليونان والإغريق والفراعنة، وأطباء العرب والفرس الأقدمين وصولاً الى الطب الحديث.

فقد شاع في الطب القديم وصف العنب وعصيره كنافع للمعدة وملطف للبطن الممسوك، فهو منظف للقناة الهضمية وطارد للسموم ومن الجسم عموماً، ومقوي للأم الحامل والمرضعة، ومدرّ للحليب، ومنشط للجسم المرتخي والهزيل والأعصاب المضطربة، وهو مقوٍ للدم مساند له في حالات فقره.

أما زبيبه فوُصف في سالف الزمان للأمرض الصدرية، وورقه- الدولي - دخل في صنع اللبخات للأمراض الجلدية.

و الطب الحديث لم يغفل عن العنب بل أخذ يحلل تراكيبه الكيميائية المختلفة، فوجد أن السبب في قدرة العنب على حماية الجسم من الأمراض والأورام الخبيثة يعود إلى احتوائه على فيتامينات (أ، ب، ج، هـ(.

وعن (المعادن) فهو بشكل أساسي يحتوي على كل من الحديد والفوسفور والكالسيوم والبوتاسيوم، وهي مسؤولة أيضا عن تعزيز قوة الدم في حالات فقره.

وقشور ثمر العنب خاصة غنية بفيتامين ب، وهو المسؤول عن سلامة الجهاز العصبي.

أما النسبة العالية للمحتوى السكري، وخصوصا سكر العنب أو ما يعرف بسكر الجلوكوز فتصل الى 10%، مما يجعله نافعاً في إزالة الإجهاد والإعياء ويمنح النشاط للجسم.

ولوجود عنصر البوتاسيوم في العنب دور هام في خفض ضغط الدم، حيث أن له دورا هاما في عملية إدرار البول.

ولمكونات العنب تأثير قاعدي على المعدة مما يساعد في حل مشكلة حموضة المعدة ومشكلة عسر الهضم أيضا.

كما أكتشف العلماء وجود مركب هام موجود بشكل خاص في العنب الأحمر مسؤول عن تثبيط الالتهابات الرئوية، وعلاج الاحتقاء الرئوي الناجم عن التدخين، ويسهم بشكل مباشر في حماية الشرايين من التصلب، وخصوصا في حال تناوله على شكل عصير.

ملكة جمال العنب في الاردن !

وقديماً في العام 1966 فقد جرت في عمان عدة جولات انتخاب ملكات جمال الاردن ، ومن ذلك أقيمت مسابقة لإختيار ملكة جمال العنب !! وفازت الآنسة ناديا حبيب بهذا اللقب.