مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها

(الشاعر مختلف عليه، ونسبها كثيرون لأبي العلاء المعري)

رغم كل الاعتراضات التي أدلى بها أكاديميون مخضرمون ورغم إجماع كل عمداء كليات الطب في المملكة على معارضة فكرة «السنة التحضيرية» عندما استمزجهم معالي الوزير بكتب رسمية موجهة لجامعاتهم قبل أكثر من سنة ونصف، بقيت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مصرة على المضي في هذه «التجربة»، غير آبهة بما سينتج عنها من معاناة من سيقبلون في هذه التخصصات في الجامعتين، الأردنية والعلوم والتكنولوجيا. ونظرا لأن كاتب هذه السطور كان رئيسا للجنة فرعية بتكليف من رئيس اللجنة الوطنية لتطوير الموارد البشرية لبحث موضوع القبول الجامعي وصياغة توصيات بشأنه، ونظرا لأن السنة التحضيرية كانت إحدى المواضيع التي تمت مناقشتها، فإني أجد لزاما علي أن أُبرِئ ذمتي أمام الله والتاريخ لأبين الحيثيات التي قادت في النهاية إلى رفض توصياتنا والإصرار على تضمين رؤية معالي الزميل رئيس اللجنة الوطنية لتطوير الموارد البشرية في الإستراتيجية الوطنية.

لقد كان لي الشرف أن عملت في تلك اللجنة الفرعية مع زملاء وزميلات من أرباب الخبرة والمهنية العالية، جلهم من التخصصات الطبية، وناقشنا في اجتماعات متكررة مواضيع القبول الجامعي، وهي كثيرة ومتشعبة. وللتاريخ أيضا، تطابقت آراؤنا في كل المواضيع باستثناء موضوع سنة الطب التحضيرية.

ومن أهم الأسباب التي قادت إلى اختلاف الرأي فيما بينا أعضاء اللجنة أنه لم يتوفر لنا وصف شاف لماهية المشكلة في القبول بتخصصات العلوم الطبية التي ينبغي أن نضع لها الحلول رغم الإلحاح على توضيح ذلك. فرأى بعضنا (وأنا منهم) أنه يطلب منا أن نناقش حلا افتراضيا لمشكلة متخيلة غير موجودة أصلا. وغني عن القول أن أي حوار لا يستند على إحاطة كاملة بالمشكلة المراد حلها سيبقى حوارا بدون جدوى. وللتاريخ أيضا فإن ماهية المشكلة ظهرت للعيان بعد إقرار الخطة ونشرها، فرغم تكتم اللجنة المركزية فهي لم تعد سرا لأن العارفين قادرون على كشفها من استقراء مؤشرات الأداء كما ظهرت إزاء مشروع السنة التحضيرية في الإستراتيجية (ص. 261). فقد نصت مؤشرات الأداء على «انخفاض معدلات الانسحاب والرسوب في مواد التخصص بعد السنة التحضيرية» (مقتبس من الخطة ص. 261)، كما نصت على مؤشرين آخرين ولكن لا يتم قياسهما إلا بعد تخرج دفعات السنة التحضيرية.

إذن تلك هي المشكلة التي من أجلها وضعت السنة التحضيرية، فلا عجب أن اللجنة الوطنية تكتمت على كنهها، لأنها لا تعد مشكلة في أي قاموس. وفي واقع الأمر، فإن معدلات الإنسحاب والرسوب التي كانت سائدة تنبئ بأن إجراءات السنة الأولى في تخصصات الطب وطب الأسنان كانت تؤدي وظيفتها في غربلة الطلبة الملتحقين واختيار الأفضل لمتابعة التخصص، وإن كان لها مساوئ فإن إصلاحها لا يتم بمفاقمة مساوئها كما سأبين لاحقا.

ورغم أن كنه المشكلة لم يوضح للجنتنا الفرعية، مضينا بإلحاح من اللجنة المركزية في نقاش السنة التحضيرية ليس لغرض حل مشكلة في القبول بل كمقترح إصلاحي طرحته اللجنة المركزية فقط. وأرجو أن أؤكد أنه طرح جاء من اللجنة المركزية وليس من اللجنة الفرعية. وعندما بدأنا في نقاش ذلك الطرح اصطدمنا بالسبب الثاني لتباين الآراء في لجنتنا الفرعية، وهو أننا لم نشترك في فهمنا للسنة التحضيرية. وعندما طلبنا توضيحا حصلنا على إجابات مرتبكة غير واضحة المعالم، وضربت لنا بدلا من ذلك أمثلة لتقريب الموضوع، منها المنهجية التي طبقت في بدايات كلية الطب في الجامعة الأردنية، ومنها ما هو متبع في الجامعة الأميركية في بيروت، ومنها أيضا ما هو متبع في الجامعات الأميركية. ورغم أن تلك الأمثلة تتباين في الأسس والأهداف والإجراءات، ورغم أن أيا منها لا يمكن تصنيفها على أنها سنة تحضيرية بالمعنى المتعارف عليه أكاديميا، إلا أن لجنتنا لم تحصل على وصف جامع مانع يوضح لنا المقصود من السنة التحضيرية. ومع كل ذلك وبعد نقاشات مستفيضة وضعنا تقريرا يوضح تباين الآراء وتباين التوصيات، وقدمناه إلى اللجنة المركزية.

ورغم تباين آرائنا حول السنة التحضيرية وتطابقها في الجوانب الأخرى لموضوع القبول الجامعي، ورغم توثيق ذلك التباين في محاضر اللجنة وفي التقرير النهائي الذي سلمه كاتب هذه السطور إلى معالي رئيس اللجنة الوطنية، إلا أنه قرر عدم إتاحة المجال لتلاوة التقرير في الاجتماع الختامي الذي دعي له عدد كبير من المجتمع الأكاديمي الأردني. وعندما تمت صياغة التوصيات في الإستراتيجية الوطنية وجدناها توصي بسنة تحضيرية على سبيل التجربة في جامعتين، ووجدنا أنها سميت باللغة الإنجليزية (foundation year) وهي بالمناسبة ليست ترجمة صحيحة لكلمة تحضيرية (preparatory year)، ووجدنا أن لها الأهداف التالية « تمكين الطلبة من التكيف مع متطلبات التخصصات والبرامج ذات الأهمية القصوى من معرفة ومهارات مما سيمكن الطلبة من متابعة دراستهم في هذه التخصصات بكفاءة عالية»، وذلك من خلال « إعادة تصميم الخطط الدراسية....سنة تحضيرية تدرس فيها المساقات التي تتطلب تفوقا علميا اساسيا وقدرات دراسية مميزة.....» و « تصميم امتحانات مشددة لتقييم استعداد الطلاب للانتقال إلى السنة الثانية...»، و «توجيه الطلاب الذين لا يحققون النتائج المطلوبة للالتحاق بتخصصات أخرى....».(مقتبسة من الخطة، ص 261).

أي أن مدلول السنة التحضيرية بقي مبهما حتى في نصوص الإستراتيجية نفسها، إلى أن صدر عن مجلس التعليم العالي توضيح للتعديل المطلوب على الخطة الدراسية للسنة الأولى والمساقات التي يجب أن تدرس فيها، ووصفا للإجراءات التنفيذية المطلوب الالتزام بها؛ فاشتمل التعديل على دراسة مواد في علوم الأحياء العامة والكيمياء العامة والعضوية والحيوية والفيزياء الطبية والتشريح وعلوم الأجنة وعلوم الأنسجة والفسيولوجيا العامة والبيولوجيا الخلوية ومقدمة في الطب وطب الأسنان. وهنا نتساءل: هل فعلا تمت «إعادة تصميم الخطة الدراسية» لأغراض السنة التحضيرية وما هي المساقات الجديدة التي استحدثت لتكون مختلفة عن الخطة الدراسية التي كانت تطبق على طلبة الطب في الأعوام السابقة، ولكي ترقى لأن «تتطلب تفوقا علميا أساسيا وقدرات دراسية متميزة»؟ المفاجأة العجيبة أنه لا جديد فيها بهذه المعايير، بل هي نفس المساقات باستثناء إضافات وتعديلات هامشية مثل مساق جديد باسم مقدمة في الطب وطب الأسنان. وعليه تسقط كل المبررات التي كانت تساق علينا، ولا تزال، تأييدا لفكرة السنة التحضيرية شكلا ومضمونا مثلما سقطت سقوطا مدويا عندما انكشف لنا أن المشكلة المراد حلها ليست مشكلة بل مأثرة يجب أن تكافأ عليها كليات الطب في الجامعات الأردنية.

نستنتج من كل ذلك أن التغيير الذي أقره مجلس التعليم العالي كان فقط في إجراءات الانتقال من السنة الأولى إلى الثانية. ولهذا أدعو القارئ للتفكير معي في ما سيترتب على الإجراءات المستحدثة في الجامعتين الأردنية والتكنولوجيا، وخصوصا أن الحكمة في التخطيط السليم تكمن في استشراف ما يترتب على الخطط قبل تنفيذها. فمع نهاية السنة الأولى ستختار الجامعة أفضل 80% من الطلبة حسب معدلاتهم التراكمية وتوزعهم على الطب وطب الأسنان حسب المعدل والرغبة، وسيطلب من الباقي (20%) الالتحاق بتخصصات أخرى. لقد ألقينا حملا ثقيلا على المدرسين الذين سيتعرضون لضغوطات وإغراءات واتهامات شتى، وفتحنا عليهم أبوابا للفساد والإفساد. والأهم من ذلك أن القرار القاطع في تحديد مستقبل الطالب لم يعد امتحانا مقننا موحدا يضمن تكافؤ الفرص بل أصبح مجموعة من الامتحانات تتباين بين مدرس وآخر وبين جامعة وأخرى. وإزاء كل ذلك، سنجد طلبة البرنامج الدولي ينعمون بطمأنينة حول مستقبلهم لأنهم سوف ينتقلون للسنة الثانية بدون تطبيق شروط السنة التحضيرية عليهم. والأنكى من ذلك أن شرط معدل التوجيهي قد خفف عليهم ومنحتهم المنهجية الجديدة إمكانية القبول لمن حصل على 80% فما فوق في الثانوية العامة بدلا من 85%. وكأننا غمطنا حق طالبنا الأردني في الدراسة بجامعته الوطنية ومنحنا غير الأردني ميزتين: مرة في شرط المعدل وأخرى في استثنائه من المرحلة البرزخية التي أسميناها السنة التحضيرية.

والأمر لا يقف عند هذه الحدود، لأننا يجب أن نسأل ما هي خيارات الطلبة الذين لن يقبلوا في الطب أو طب الأسنان. سيجدوا إذا انتقلوا إلى الصيدلة أو التمريض أو العلوم الطبية المساندة أو الأحياء أن عددا كبيرا من المساقات التي درسوها في السنة الأولى ليست من خططهم في التخصصات البديلة. ونحن هنا لا نتحدث عمن رسبوا في بعض المواد بل نتحدث عمن حصل على معدل تراكمي ناجح ولكن كان دون أعلى 80%. سيضطر هؤلاء الطلبة إلى قضاء فصل دراسي واحد أو فصلين للحاق بمتطلبات الخطة الدراسية التي سيقحمون عليها. لقد أدخلناهم في مخاطرة مكلفة ولن يقدر عليها إلا من كان مقتدرا ماليا أو مطمئنا من خلفيته العلمية لأنه تخرج من مدارس نخبوية.

هذا في جانب الإجراءات، أما في جانب المآلات، فإن مواد السنة الأولى للسنة التحضيرية (أو السنة الأولى في الجامعات الأخرى) تدرس باللغة الإنجليزية، وكانت اللغة عائقا أمام طلبة السنة الأولى المتخرجين من المدارس الحكومية بشكل عام ومدارس الأطراف الحكومية بشكل خاص، بحيث تمتع خريجوا بعض المدارس الخاصة والأجنبية بميزة نسبية جعلتهم يتفوقون على أقرانهم في السنة الأولى، وجعلت نسبتهم في التخصصات الطبية والهندسية عالية نوعا ما. ولكن لم توصد الأبواب أمام من يتأخرون في السنة الأولى حسب النظام السابق بل كانت تتاح لهم فرص إعادة بعض المواد ليستدركوا مسيرتهم. أما الإجراءات الجديدة فهي تغلق الأبواب تماما إلا إذا اختاروا أن ينتقلوا إلى جامعة أخرى لا تطبق السنة التحضيرية. فالإجراء الجديد إذن ليس إصلاحيا بل يفاقم الفوارق الطبقية ويعمق الفجوة بين الطلبة حسب المدارس التي تخرجوا منها. والذين سيتضررون من السنة التحضيرية هم في الغالب أوائل المحافظات والألوية. وفوق كل هذا وذاك يطلب من طلبة السنة التحضيرية أن يدفعوا رسوم تخصص الطب وهي أعلى من غيرها، مما يزيد الحنق والغبن لمن سيحرم من دراسة الطب أو من كان أصلا يريد أن يتخصص في طب الأسنان. ومهما حاول المروجون للسنة التحضيرية من انتحال المبررات، فإن السنة التحضيرية بالصيغة التي أقرها مجلس التعليم العالي ليست تحضيرية ولا تأسيسية بل هي سنة «غربلة» مصممة لجعل تخصص الطب في الجامعات الأردنية نخبويا.

سوف يذعن بعض الطلبة ويسجلون في السنة التحضيرية، فهي خطى كتبت عليهم. ولكنهم على ما أظن لن يفتقدوا الوسيلة، بل سيلجأ بعضهم إلى تجييش الضغوط الاجتماعية والنيابية والسياسية للعودة عن هذه المنهجية. هذه ليست دعوة تحريضية بل رؤية استشرافية نقلتها بكتب رسمية إلى معالي الوزير، وظني أنها ستتحقق عندما يتكشف تهافت المنطق الذي بنيت عليه فكرة السنة التحضيرية. وظني أيضا ونحن على أبواب إعلان نتائج القبول الموحد أن الإقبال على الطب وطب الأسنان في الجامعتين سوف يتراجع لصالح الجامعات الأخرى. وربما تكون هي النتيجة المبطنة التي صممت السنة التحضيرية من أجلها لأنها ستخلق شريحة طلابية وأخرى مجتمعية تضغطان ضغطا هائلا لتسويغ ترخيص الكليات الطبية الخاصة.

لقد سيقت إلينا السنة التحضيرية على أنها خطوة إصلاحية وأنها تتسق مع الأهداف العامة التي تسعى إليها الإستراتيجية الوطنية، لكننا نكتشف الآن بعد أن نزعنا عنها حلتها المبتذلة أنها افتعلت مشكلة لم تكن موجودة أصلا ثم ابتدعت إجراءات غير مبررة تعمل على تحقيق نقيض أهداف الإستراتيجية وأنها ستحدث ارتدادات اجتماعية نحن أحوج ما نكون إلى اجتنابها، ونكتشف أيضا أن الإصرار على المضي في تنفيذ هذا المحور من الاستراتيجية يجانب قواعد التخطيط الإستراتيجي السليم وقواعد إدارة الجودة المتكاملة (total quality management) التي تشتمل على التقييم الدوري وتعديل المسار إذا اقتضى الأمر ذلك.

والله من وراء القصد.

khasafyz@gmail.com