لو كان الأخ العقيد قائد ثورة الفاتح من سبتمبر على قيد الحياة،ولو لم تذهب ليبيا ضحية المؤامرة الاطلسية التي اضفت جامعة عمرو موسى الشرعية على غزوها الاجرامي تحت اكذوبة حماية المدنيين,لكان العالم شاهد فصولاً متجدّدة – وإن اتسمت بالغرابة وتمجيد القائد وعبقريته الفذة وفكره النيّر،الذي قاده لتسمية ليبيا بـ»الجماهيرية العظمى»,بعد ان قرّر»فشل»الرأسمالية وخصوصاً الشيوعية,مخترِعاً»النظرية الثالثة»,التي كتب فيها وعنها «نفاقاً»,كثيرون من الساسة والحزبيين والمثقفين العرب،فضلاً عما دبجّوه من مقالات ودراسات احتفت بالرئيس»الروائي»,الذي وجد بعض الوقت لتأليف الكتب السياسية والروايات –رغم أشغاله وانشِغاله الطويل والمُرهِق في قضايا العرب والافارقة والايرلنديين,وبخاصة الفلسطينيين والاسرائيليين,الذين بات عليهم قبول الحل النهائي للصراع الدموي بينهما عبر التوافق على قيام دولة واحدة تحت مسمى»اسراطين»,لكن الرفض الصهيوني لمقترح الأخ قائد الثورة ارجأ التطبيق ولم يُلّغِه،إلاّ بعد سقوط نظام ثورة الفاتح,وتفرّق اركانه في اربع رياح الارض.منهم من قضى تصفية وتنكيلاً كالقذافي وبعض ابنائه ومجلس قيادة ثورته,ومَن تبقّى لاذ بالصمت او قبع في سجون ثورة 17 فبراير وبعض السجون العربية والغربية.

مقدمة طويلة تحتفي – وعلى طريقتها – بمناسبة الذكرى السنوية لثورة الفاتح,والتي تزامنت هذه المرة وبعد سبع سنوات على اندلاع»الثورة»ضد نظام ثورة سبتمبر، مع استعادة انصار القذافي وخصوصاً اولئك الذين ما يزالون على ولائهم لنظامه من بقايا كتائب جيشه وألويته، عبر التحرّك الميداني الذي ما يزال هو الآخر مُسربلاً بالغموض،عبر التحرّك السريع والمفاجئ ولكن المنظّم والمدروس,الذي قاده ما يُعرَف بـ»اللواء السابع»ونجاحه في السيطرة على معظم مناطق وأحياء العاصمة طرابلس,وسط انكفاء وارتباك وشلَل لحق بحكومة الوفاق التي يرأسها فايز السراج,المدعوم من الرباعي الغربي «الاطلسي» الولايات المتحدة،بريطانيا،فرنسا وايطاليا (وإن كانت الاخيرة في مواقِفها لا تثبت على رأي,وما يزال تنافسها المحموم مع فرنسا ماكرون على أشدِّه,رغم الاتفاق الهش الذي قيل انهما قد توصّلتا اليه،لكن روما ما تزال تنظر الى ليبيا كجزء من ودائِعها ومناطق نفوذها السابقة,ولهذا تريد إبعاد فرنسا عن المشهد او أقله عدم خروجها بغنيمة كبرى,كما كان يأمل ساركوزي وبعده هولاند والآن ماكرون.

رغم الغموض الذي رافق اقتحام «اللواء السابع» للعاصمة طرابلس,بتوقيت غير بريء (عشِية ذكرى ثورة الفاتح) وتسجيله «انتصارات»ميدانية,وانعدام ردود فعل الميليشيات الاخرى وبخاصة تلك المحسوبة على الجماعات الاسلاموية سواء تلك الموصوفة بالاعتدال ام تلك المتشددة كميليشيات جماعة الاخوان المسلمين (انصار الشريعة) والجماعة الليبية المقاتلة (عبدالحكيم بلحاج),فإن المؤشرات تشي بان قادة اللواء السابع هم من المحسوبين على النظام السابق ومن اركان كتائب جيشه.رغم ان حكومة فايز السراج كانت تعتبر هذا اللواء من ذخائرها رغم وجوده ثِقَلِهِ الرئيس في مدينة ترهونة,البعيدة عن طرابلس اكثر من مئة كيلومتراً،لكن الوقائع الميدانية الاخيرة اثبتت حجم وعمق الوهم الذي يعيشه هذا الرجل,الذي جاءت به عواصم الغرب الاستعماري لإعادة ضبط المشهد الليبي,بعد أن بدا المشير خليفة حفتر الذي يتمتع – حتى اللحظة – بدعم من برلمان طبرق برئاسة المستشار عقيلة صالح والذي لعب بنجاح – وايضا حتى اللحظة – على التناقضات والخلافات الاقليمية والدولية وبخاصة العربية,وغدا في مرحلة ما وكأنه أصبح رجل ليبيا القوي,إلاّ ان»لعبة الأمم»في الجماهيرية السابقة وعليها.. لم تُحسَم بعد,وما يزال بمقدور اللاعبين ايا كانت احجامهم,مواصلة التنافس على الثروات والموقع الجيوسياسي الاستراتيجي الليبي,دون ادنى اهتمام بمصالح ومستقبل الشعب الليبي,الذي وقع ضحية امراء الحرب والميليشيات وارتباطاتهم الخارجية.وها هو الان بعد سبع سنوات من اطاحة القذافي,لا تجد غالبيته قوت يومها او تحظى بالأمن او الخدمات في حدِّها الادنى.

لن تترك عواصم الغرب الاستعماري فايز السراج لمصيره,ويبدو المشير حفتر في وضع المراقب لما يحدث,رغم ما يقال عن علاقة»ما»تربطه بقادة اللواء السابع,حيث قال هؤلاء في بيان يتيم اصدروه: ان تحرّكهم»ليس طلباً للسلطة» وطمعاً في مغانم،بل اتى لإغاثة المواطنين والمستضعَفين من قِبل الميليشيات،مضيفاً انه»حريص على سلامة العاصمة وأهلها التزاماً بالعقيدة الوطنية والعسكرية»في الوقت ذاته الذي «طمأن فيه السفارات والمواطنين الاجانب,بانهم سيكونون تحت حماية الجيش والشرطة».

عبارات ومصطلحات تغرِف من معين البيانات العسكرية الإنقلابية-العربية –المعروفة,لكن الغموض الشديد ما يزال يكتنف المشهد الليبي المعَقّد بفعل التدخلات الدولية وخصوصاً الغربية,في وقت تسقط فيه»الهالة»عن حكومة الانقاذ التي فُصِّلت على قياس فايز السراج,بعد ان فشل في توفير البضاعة,ولم»يصمُد» أمام تغوُّل امراء الحرب وقادة الميليشيات,بل خضع لهم وسايرهم على حساب الليبيين.

ماذا عن حفتر؟وكيف ستغدو عليه»مكانته»ودوره,إذا ما وعندما «يلفظه»اللواء السابع ويُنكر علاقته به؟

.. الايام ستروي.