ننفق على جامعاتنا أموالاً تزيد عما تنفقه دول أغنى منا، ويدفع المواطنون ضريبة خاصة بها بدأت بالرضى حتى لا يضطر ابناؤهم للاغتراب لكن هذا الرضى تطور لغضب حين اهتزت عدالة القبول فيها لاسباب غير مقنعة قط..ثم نعجب ونحن نجد زبدة طلابنا ممن درسوا الطب مثلاوكلفوا الدولة وأهلهم الكثير وبعد ان تخصصوا في الخارج تخلف عدد كبير منهم عن العودة ولم يهتم احد بالاسباب التي حرمتنا من اولئك النابهين وقد شرحناها مراراً وتكراراً، وبذلك قطفتْ دول اخرى ثمراتِ جهدنا المبذول في تربيتهم لعشرات من السنين وضاعت اموالٌ عزيزة انفقناها على جامعاتنا لتعليمهم، والمفارقة ان يستحسن ذلك الهدر بعضُ اقتصاديينا ويصفونه بانه نعمة اسمها تصدير الكفاءات وكأن اطباءنا سلع وبضائع! فأي معادلة مقلوبة هذه والوطن احق بهم ووزارة الصحة تشكو من افتقارها للاختصاصيين؟!

وفي السياق نعرّج على آلاف آخرين من المبدعين الذين ينهون دراستهم في جامعاتنا ويدخلون ميدان العمل تحدوهم الآمال بأن يسهموا في عملية البناء والتطوير ليروا وطنهم يزهو بتقدم هنا وانجاز هناك، لكنهم يجدون أنفسهم بعد حين وجهاً لوجه أمام عقبات تصطنعها الدولة العميقة كضعف الامكانيات أو..عدم ملاءمة افكار المبدعين الحديثة مع واقع الاردن او تقاليده!! ولعل ما قرأته على الفيسبوك قبل ايام وأوجع قلبي حقاً مجرد عينّة من مئات الاحباطات التي يمر بها شبابنا..القصة ببساطة ودون ذكر الاسم والمكان حتى لا تتحول لتعاطف شخصي مع استرحام فردي، هي قصة اردني درس في إحدى جامعاتنا هندسة المرور وتخطيط النقل العام والطرق السريعة كما رواها بكلمات مفعمة بالأسى أنقلها حرفيا:(( عندما نحب الاوطان كما نرغب ان تكون فهذا يدفعنا بأن نحاول تغيير ما هو كائن، وفي ظل الخلط الهائل ما بين التمني والواقع..في ظل هذا الانسحاب الجمعي من العام الى الخاص، في ظل ادارات بحاجة الى ادارة..في ظل هوس الجمع نحو ترقب ما لن يأتي..في ظل عدم القدرة على استيلاد العقيم تنتابني رغبة لان أنسحب بانتظار إنهاك الجمع من قبل الزمان..انسحبتُ في العام 2014 من العمل في (...) لاني شعرت بما كتبت اعلاه..اُقدّم في دبي ما كنت احلم بتقديمه لعمان..امارس فني وأضع خبرتي دون تدخل..واحلم دوما بان عمان أجمل..وافكر بطرقنا وشوارعنا وارصفتنا واراها بخيالي كشوارع دبي..وعندما اعود كما عدت بزيارة منذ اسبوع لأنصدم اكثر فكل شيء يهرم..حتى الارصفة في بلدنا تموت..ساحمل حقيبتي الاسبوع القادم واعود لدبي لأحلم بشوارع عمان..لأبقى احب وطني كما يجب ان يكون..ولو بخيالي )).

وبعد..مازالت القصة توجعني لكنها لم تدخلني في نفق القنوط ولن تدفعني لأن انصّب من نفسي واعظاً غبياً يوزع النصائح ويدعو الى ما لا يستجاب له في العادة أو يلقي باللوم على الغيرة والحسد والدس فتلك رذائل سخيفة لا مكان لها في الدول التي تحترم قوانينها، فقط ساكتفي بأن اقول لكل شاهدٍ يتألم على ما يجري في بلده الا ينكفئ على نفسه بل ان يتذمر وهو مرفوع الهامة وأن يواصل التذمر..حد التمرد !

zaidhamzeh1932@gmail.com