عمان- حنين الحعفري

أجمع خبراء ومعنيون على أن مشاركة الشباب في العمل السياسي لن تتعمق اذا لم تراع الحكومة شؤون الشباب واذا استمرت في فرض قيود اشبه بالخفية تعمل على إحجام الشباب في المشاركة في العملية السياسية.

وتابعوا أن تخوف الشباب في المشاركة السياسية والحزبية يقع بدرجة كبيرة على الحكومة حيث أنها لم توفر بيئات حاضنة للشباب تزيل فكرة التخوف من المشاركة في هذه العملية.

«الرأي» أجرت سلسلة من التقارير حيال عملية مشاركة الشباب السياسية وعلاقتهم بالعمل الحزبي، شملت مسؤولية الشباب أنفسهم، ومسؤولية المجتمع والأسرة، ودور الأحزاب.

وهنا في هذا التقرير، يعرض «الرأي الشبابي» لدور الحكومة في التشجيع على المشاركة السياسية، وغلى أي حد نجحت او أخفقت، وما إذا كانت الشعارات التي تطلقها حقيقية أم مظهرية..

المجالي: ما زلنا في طور التنمية ولم نصل إلى التطوير السياسي

الكاتب والباحث الدكتور بكر المجالي يتساءل إذا كان بامكاننا القول أنه يوجد عمل سياسي في الساحة الأردنية بمفهوم الحزبية وتكوين الاتجاهات الفكرية؟

ويتساءل أيضا: هل يمكن القول أن هناك أحزابا لديها برامج فكرية سياسية وتتبنى معتقدا معينا تدافع عنه؟

ويتابع والسؤال الذي لا يقل أهمية: هل يمكن القول أن هناك تطورا سياسيا في الساحة الأردنية على مدى أربعين عاما مثلاً؟ وأن لهذا التطور أثره في تشكيل الرأي العام الوطني وتكوين المواقف السياسية؟

ويجيب المجالي: «من الطبيعي أن نجد الإجابة سلبية تماما على هذه الأسئلة، ونخوض في الأسباب ونحاول تحديد من المسؤول عن هذ الحال التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه، التي أصبحت بالفعل ظاهرة واقعية».

ويتابع: يجدر بنا أن نحدد أطراف العملية السياسية التي تبدأ بالمواطن وهو من المفترض أن يكون محور العملية السياسية، بالإضافة إلى الحكومة التي عليها وضع التسهيلات وتشجيع الفكر السياسي الذي ما يزال لدينا في مرحلة التنمية السياسية ولم يصل الى مرحلة التطور السياسي».

ثم يأتي مجلس النواب الذي عليه أن يكون قائدا للعمل السياسي الأردني وأن يقدم من خلال تكتلاته نموذجا للمواطن في التحفيز على العمل السياسي».

ويؤشر إلى الدور الآخر للمجلس في إقرار التشريعات الكفيلة بتنشيط الانخراط في العمل السياسي.

بالإضافة إلى الاحزاب (الطرف الرابع) بتنوعها من العقائدية الى الوطنية التي عليها مسؤولية تشجيع الانخراط فيها وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية.

وبرأيه أن هذه الأطراف الأربعة تتحمل المسؤولية الكاملة عن الضعف السياسي العام في الساحة الأردنية وكل له دوره.

ويركز المجالي على الطرفين الثاني والثالث، فيوضح أن مسؤولية الطرف الثاني «الحكومة» هي دقيقة فعلا ومؤثرة، فبعد إقرار التشريعات من مجلس النواب الخاصة بالأحزاب وتشجيع العمل السياسي فإن مسؤولية الحكومة كسلطة تنفيذية هي التنفيذ وتقديم الحوافز.

وبالتالي؛ فان هناك وزارات «هي مسؤولة عن العمل السياسي على الساحة الأردنية وهي وزارات الثقافة والشباب والتنمية السياسية»..

الوزارات المعنية «فاشلة» في تغيير فكر الشباب

وهذه الوزارات «فاشلة في إحداث تغيير في فكر الشباب وبخاصة في التوجه نحو التفاعل السياسي وايجاد حوار سياسي رغم أن الاوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني وبخاصة في الورقتين السادسة والسابعة تدعوان إلى المشاركة الفاعلة السياسية».

ويلفت إلى أن «هناك أكثر من حديث لجلالته في لقاءات مع طلبة الجامعات لتشجيع الشباب في الانخراط في العمل السياسي خاصة في جامعتي اليرموك والاردنية، وإذا قمنا بتقييم أثر ذلك على الشباب قد نبالغ إذا قلنا أن الأثر قد وصل الى 3% فقط».

ويرى المجالي أن السبب الرئيسي هو فشل الوزارات المعنية والجامعات في التقاط الرسالة الملكية وتحويلها الى ممارسة، وحتى في قراءة الأوراق النقاشية التي تحمل الاوراق الخمسة الاولى منها موضوع التمكين الديمقراطي، بمعنى تجذير العمل السياسي.

هذه الاوراق، يقول المجالي؛ يجري الاحتفال بها في محاضرة أو ندوة، ولكن «بعيدا عن التطبيق وبعيدا عن جرأة الطرح في معرفة الأسباب وتوجيه الاتهام الصريح الى المسؤولين عن التخلف السياسي في الساحة الأردنية.

ويشير إلى أن واحدة من مظاهر الفشل في التطوير السياسي هو أن الحكومة أقرت مجالس اللامركزية وأهم هدف لها هو أن تعمل على التطوير الخدمي وبحث موازنات المحافظات الخدمية، وأن يتفرغ مجلس النواب للقضايا التشريعية وتحفيز العمل السياسي وتكوين التكتلات «وصولا الى الحكومة البرلمانية التي ما زلنا ننتظرها بل انها قد اختفت».

ويلاحظ أن هناك فجوة بين العمل السياسي وتطبيقاته لدى مجلس النواب الذي بقي كما هو مجلسا يبحث في الخدمات وهذا كان واضحا من خلال خطابات الموازنة بالاضافة إلى عدم وجود توافق نيابي يصل إلى مرحلة العمل والرأي الواحد باستثناء كتلة الاصلاح، بل إن النتيجة هو معاناة المجالس اللامركزية من تغول مجلس النواب وأن نطاق عملهم محدود وأن لا جدوى من استمرار المجالس اللامركزية التي نتائجها عكسية..

وهنا يتضح دور «مجلس النواب» كعامل «من المفترض أن يكون قائدا في تطوير العمل السياسي بل ايضا من خلال دوره الرقابي؛ بأن يسأل وزارات الشباب والثقافة والتنمية السياسية عن دورها في تشجيع انخراط الشباب من خلال برامجهم».

ولكن «نلاحظ أن هناك إدارة شبابية وإدارة ثقافية ولكن بلا استراتيجيات سياسية مطلقا؛ بل هي خدمية».

بمعنى أن وزارة الشباب مثلا «تخدم الشباب وتقدم كل التسهيلات من خلال مراكز الشباب والشابات ومن خلال المعسكرات..».

غير أنه في المقابل فإن الشباب «لا يخدمون الفكر السياسي بل هم بعيدون كل البعد. ونعتقد أن لوزارة التربية دور في التربية السياسية وبخاصة من خلال البرلمان المدرسي ولكن أثره محدود».

ولكن بشكل عام فإن مساحة التشجيع السياسي لدى الحكومة ومجلس النواب هي شبه معدومة وان التركيز هو على الخدمات ومعالجة الاختلالات، وإذا أخذنا الاحزاب فليس لها أثر في الساحة السياسية الأردنية وليس دور في تشجيع الانخراط في العمل لسياسي.

وييسترجع المجالي مبتدأ قوله: هل لدينا عمل سياسي أردني؟ ليجيب بـ»لا» بشكل مطلق. والمسؤولية هي على الأطراف الأربعة وايضا فإن المواطن كجزء من المعادلة يتحمل القسط الاكبر في هذه المسؤولية.

ويستدرك بالقول: ولكنه لا يلام لأن القنوات الرسمية ليس لديها ما يدعو الى الانخراط في العمل السياسي وأن التطبيقات اليومية هي تشهد على ذلك ولا تحتاج إلى ذلك الجهد لنتيقن أن الساحة الاردنية تخلو من العمل والفكر السياسي.

الخوالدة: «ليس من مهمة الحكومات التجنيد الحزبي والترويج للأحزاب»

مساعد الأمين العام لوزارة الشؤون السياسية والبرلمانية الدكتور علي الخوالدة يقول أن «المشاركة السياسية للشباب لا تعني المشاركة الحزبية فقط»؛ وإنما «مفهومها أوسع»..

وتعني برأيه «المشاركة في عملية صنع القرار والسياسات في المجتمع المدني والبلديات ومجالس المحافظات وفي العمل التطوعي».. فالشباب «عامل حاسم في العملية الانتخابية» ذلك لأنهم يمثلون النسبة الأعلى سكانيا ومطلوب من الجهات كافة رعايتهم وتمثيلهم.

ويقر الخوالدة بأن مشاركة الشباب في الأحزاب «قليلة» غير انه يبرر بالقول أن مشكلة عزوف الشباب عن العمل الحزبي والسياسي «ظاهرة تنتشر في كثير من دول العالم»..

فوسائل الاتصال الاجتماعي باعتقاده «وفّرت للشباب منصات للمشاركة والتعبير لم يجدها الشباب في الأحزاب».

وبناء عليه يلقي اللائمة على الأحزاب ويدعوها إلى تطوير أدواتها وبرامجها من أجل جذب الشباب وانخراطهم في العمل السياسي ليكون هذا عاملا مساعدا لمشاركة الشباب.

وبخصوص الحكومة ودورها في المشاركة السياسية للشباب، يرى الخوالدة أن «ليس من مهمة الحكومات التجنيد الحزبي والترويج للأحزاب بل إن هذه المهمة تقع على عاتق الاحزاب»، ولكن مهمة الحكومة «توفير بيئة تشريعية وسياسية تضمن مشاركة الشباب».

لذلك، والحديث للخوالدة، «نص قانون الاحزاب على تخفيض سن الأعضاء والمؤسسين للأحزاب إلى 18 عاما وخفّض قانون البلديات واللامركزية سن الترشح لعضوية هذه المجالس».

ويلفت الخوالدة إلى أن وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية نفذت عدة برامج تهدف إلى زيادة مشاركة الشباب في الحياة السياسية وإكسابهم المهارات والمعارف اللازمة وتنفذ حاليا برامج تدريبيبة لأعضاء الأحزاب من فئة الشباب كما نفذت في الأعوام الماضية برامج لتعريف الشباب بالأحزاب الأردنية وتنفيذ لقاءات مع الأحزاب.

ويتابع بأن الوزارة حاليا تنفذ مشروعا لتعزيز مشاركة الشباب في الحياة المدنية بالتعاون مع وزارة الشباب ولمدة أربع سنوات «من أجل تفعيل مشاركة الشباب ودمجهم في السياسات العامة والمشاركة في عملية اللامركزية».

ويشير إلى أن الحكومة الحالية ستطلق حوارا وطنيا لتعزيز مشاركة المجتمع في عملية صنع القرار والشباب سيكونون طرفا رئيسيا في الحوار الوطني.

قظام: إنهاء العوائق التي تمنع الشباب من العمل السياسي

الخبير والباحث في شؤون الشباب الدكتور محمود قظام السرحان يقول أن العوائق أمام مشاركة الشباب السياسية والحزبية متعدده فالحكومة ومجلس الأمة أكثر من يتحمل هذه العوائق بالإضافة الى الإعلام والشباب أنفسهم وحتى الأهل.

ويتابع في ما يتعلق بالحكومة فهي بحاجة إلى سلسلة من الاجراءات التي من شأنها ان توفر بيئات داعمة للمشاركة في العمل السياسي بشكل عام والحزبي بشكل خاص فعليها تطبيق الدستور نصا وروحا الذي يعني ان المشاركة متاحة للكل دون قيود الا التي تمس امن الوطن واستقراره ومصلحته.

ويضيف على الحكومة أن تسن قوانين وأنظمة تحفز الشباب للانخراط في العمل السياسي وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني لتنتهي العوائق التي تقف عثرة للمشاركة وبخاصة في ما يتعلق عند العمل بعد التخرج بالاضافة إلى المنح الدراسية؛ بمعنى «التهديد بايقاف المنح أو عدم توفير فرص عمل في حين المشاركة السياسية».

ويلفت السرحان إلى ضرورة تعاون مجلس الأمة مع الحكومة من خلال توفير التشريعات المشجعة للشباب للمشاركة في العمل السياسي للحصول على تنمية مستدامة.

هذا التهديد الذي يتحدث عنه قظام، تتغافل عنه جميع التصريحات الحكومية وكأنه غير موجود. وهي تتغافل كذلك عن التضييقات التي تضعها على الأحزاب وتحويلها إياها من كونها جزءا أصيلا من العمل السياسي إلى مجرد ديكور مفرغ من محتواه بفعل القوانين التي تحد من قدرتها على العمل، وعلى رأسها قوانين الانتخاب والأحزاب والاجتماعات العامة.

فهل يكفي تخفيض سن الناخب والمرشح لحض الشباب على المشاركة السياسية؟ فيما البيئة التربوية والثقافية والسياسية، التي هي مسؤولية الحكومة أولا في إنضاجها وتطويرها.. لا تجد من يعبأ بها.. رغم جميع إشارات وتصريحات الملك وتدخله المباشر مرات للتركيز على الشباب إلى درجة مخاطبته إياهم بالقول: «إرفعوا صوتكم عاليا»..