لا يخفى على أحد النهج الملتبس والمتناقض لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول سوريا، الأمر الذي يبدو واضحا جليا داخل فريق ترمب الموالي نفسه، فضلا عن منتقديه، حيث يكشف النقاش والجدل الدائر داخل الولايات المتحدة الأميركية عن قلق بالغ من نهج ترمب، ذلك أن الحركة الاحتجاجية الثورية السوريا التي جرى تحويلها إلى معاجم الحرب الأهلية توشك على الدخول في منعطف حاسم نحو الأسوأ بإجماع الخبراء، فمع مواصلة الحكومة السوريا والقوات المتحالفة معها حشد قواتها استعداداً لشن هجوم محتمل على محافظة إدلب في الشمال الغربي للبلاد، والتي تعتبر واحدة من آخر المناطق التي لا تزال خارج سيطرة الحكومة، تتصاعد المخاوف من النتائج الكارثية المرجحة على عدة مستويات، إذ يتمركز عشرات الآلاف من مقاتلي المعارضة هناك، بما في ذلك القوات المرتبطة بتنظيمي»القاعدة»و»هيئة تحرير الشام»، إلى جانب وجود أكثر من 3 ملايين مدني، من ضمنهم لاجئون من مناطق أخرى من البلاد، ويمكن أن يؤدي هجوم النظام إلى سقوط آلاف القتلى، ودفع موجة جديدة من اللاجئين نحو البلدان المجاورة، وكذلك أوروبا، إضافة إلى الدخول في نمط جديد من الصراعات والحروب ومن ضمنها خطر نشوب حرب بين إيران وإسرائيل.

في هذا السياق فإن مسألة انتصار الأسد التي يروج لها النظام وحلفاؤه تنطوي على مبالغة ومغالطة، فهي ليست يقينية ولا مستدامة، كما يؤكد معظم الخبراء، فحسب جنيفر كافاريلا مديرة تخطيط الاستخبارات في معهد دراسة الحرب، في مقالتها في فورين أفيرز، حزيران الماضي، لم تنتهِ الحرب الأهلية في سوريا بعد، ولم يقيّض النصر فيها للرئيس السوري بشار الأسد. فالحرب في سوريا دخلت مرحلة جديدة بالغة الخطورة، فانتصارات النظام غيّرت مسار الحرب، وأضعفت المعارضة المعتدلة، وأوحت بأن الحرب شارفت على الانتهاء. لكن، على رغم أن تقدّم النظام لا يستهان به على الخرائط، لم تطوَ الحرب بعد. فالرئيس السوري أضعف مما يبدو. وحكمه يعتمد على دعم رعاته الخارجيين، مثل إيران وروسيا، وإنهاك الدول التي كانت تعارضه. وأرسى قراره تدويل الحرب أسس حروب مقبلة، ويساهم توسّله بالمجازر الكبيرة في تأجيج تمرد جهادي دولي في سوريا.

من المرجح أن تزداد معاناة البلدان، التي تحملت حرب أهلية، من الانتكاس حسب مايكل آيزنشتات في مقالة في «أمريكان إنترست»بعنوان «هل»انتصر»نظام الأسد في الحرب الأهلية في سوريا؟»، فطالما عملت القوات الموالية للنظام واضعةً نصب عينيها هدفاً مشتركاً أكبر. فقد استفادت من العصبية القوية (أي التكافل ضمن الجماعة) في المجتمع العلوي وحلفائه -بمن فيهم الشيعة والمسيحيون وعدد ضئيل من داعمي النظام السنّة-ومن درجة تواؤم مصالح إيران و»حزب الله»وروسيا في سوريا، وحسب آيزنشتات خلّفت الحرب الأهلية السوريا حتى الآن مجموعة من التداعيات المزعزعة للاستقرار في المنطقة وخارجها، وقد تؤدي لاندلاع المزيد من الصراعات.

وفي الواقع، على الرغم من أن الحرب الأهلية السوريا لم تنتهِ بعد، إلّا أنّ «الحروب ما بعد الحرب» قد بدأت بالفعل حيث يحارب الأتراك أكراد سوريا، وتتصادم الولايات المتحدة بين الحين والآخر مع القوات الموالية للنظام والقوات السوريا، وانخرطت إسرائيل في صراع تتصاعد حدته مع إيران ولو أنه لا يزال هامشياً. ومن المرجح أن يتسع نطاق التصادمات بين الأتراك والأكراد السوريين وتزداد حدته إذا سحبت الولايات المتحدة قواتها البالغ عددها 2000 جندي من شمالي شرقي سوريا. ومن شأن عودة القوات الموالية للنظام إلى المناطق ذات الأغلبية السنّية، لا سيما بالتزامن مع سحب القوات الأمريكية من سوريا، أن تحفز عودة تنظيم»الدولة الإسلامية».

يبدو أن خبراء الأمن القومي في إدارة ترمب يدركون هذه الأخطار. حسب هيئة التحرير في صحيفة»الواشنطن بوست» في افتتاحيتها بتاريخ 24 أغسطس 2018 تحت عنوان «نهج ترمب يتعارض مع رؤى فريقه حول سوريا»، ففي الأسبوع الماضي، قام وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، بتعيين دبلوماسي محنك كمبعوث خاص إلى سوريا، مكلف بإحياء عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة.

وفي إيجاز إعلامي، قال مسؤولون أميركيون كبار للصحفيين إن القوات الأميركية المتمركزة في شرق سوريا لن تغادر في أي وقت قريب، وأصروا على أن مساعدات إعادة الإعمار للمناطق التي تسيطر عليها الحكومة ستُحجب حتى يتم التوصل إلى عملية سياسية مقبولة. وفي يوم الأربعاء الماضي، حذر مستشار الأمن القومي، جون بولتون، نظام بشار الأسد علناً من مغبة استخدام الأسلحة الكيميائية في أي هجوم جديد، وقال أن الولايات المتحدة مصممة على «التعامل مع وجود الإيرانيين» في سوريا.

إن المشكلة الفريدة في سياسة الولايات المتحدة هذه هي أنها تتعارض مع المواقف المعلنة للرئيس ترمب. فقد أعلن الرئيس ترمب مراراً وبكل حزم أنه يرغب في سحب القوات الأميركية من سوريا في أقرب وقت ممكن. كما أصر على إلغاء مساعدات إضفاء الاستقرار التي تقدمها الولايات المتحدة للمنطقة التي تنتشر فيها تلك القوات. وبعد اجتماع خاص مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي في الشهر الماضي، بدا أنه يؤيد خطة روسيا لإعادة الإعمار، والتي لا ترتبط بأي عملية سلام. وما تفهمه كل الأطراف في سوريا ليس مجرد وجود نقص في عزم الولايات المتحدة. وإنما ترى هذه الأطراف أيضاً أن الإدارة لم تكن قادرة حتى على صياغة استراتيجية واضحة للدفاع عن المصالح الأميركية في سوريا -بفضل سوء إصدار الأحكام لدى الرئيس ترمب.

كانت هيئة التحرير في صحيفة «نيويورك تايمز» قد توصلت إلى ذات النتيجة في افتتاحيتها بتاريخ 5 إبريل 2018 تحت عنوان «نهج ترمب في سوريا ليس طريقة لإدارة حرب»، أكدت على أن البنتاغون كان يدافع عن وجود عسكري أميركي إلى أجل غير مسمى في سوريا. وفي حديثه في واشنطن، قال الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية للجيش الأميركي، إنه في حين أن ائتلافاً من القوات الدولية قد أحرز تقدماً في معركة إضعاف تنظيم «داعش»، فإن «الجزء الصعب، كما أعتقد، ما يزال أمامنا». ولكن، يا لها من صدمة هي التي لا بدّ أن يكون الجنرال فوتيل قد اختبرها حين اكتشف لاحقاً أنه، في الوقت نفسه تقريباً وعلى بعد بضعة أميال فقط، كان الرئيس ترمب يعرض رؤية مختلفة تماماً أمام الصحافة في البيت الأبيض: «أريد أن أخرج. أريد أن أعيد جنودنا إلى الوطن».

المشكلة حسب هيئة تحرير «نيويورك تايمز» هي أن لدى السيد ترمب، مرة أخرى، دافعا -بل إن لديه في هذه الحالة الدافع الصحيح- وإنما ليس لديه استراتيجية؛ لديه عاطفة، وإنما القليل من المعرفة بالواقع على الأرض. وتتناقض دعوته إلى سحب القوات من سوريا مباشرة مع تحذيرات القادة العسكريين الأميركيين الذين يعتقدون أن ذلك قد يؤدي إلى عودة انبعاث»داعش»، مثلما حدث مع عودة صعود المتشددين في العراق بعد أن أعاد الرئيس أوباما القوات الأميركية إلى الوطن من هناك. إذ لا يبدو أن الرئيس يدرك أن أي انسحاب أميركي يتطلب تفكيراً دقيقاً لضمان عدم التنازل عن المكاسب التي حققناها، أو تعريض القوات على الأرض للخطر أو عزل حلفائنا. ما الذي سيحدث، على سبيل المثال، للأكراد السوريين الذين كانوا شركاء مهمين للولايات المتحدة في محاربة»داعش»، والذين يتعرضون الآن لهجوم من تركيا التي تعتبر الأكراد إرهابيين؟ أو لإسرائيل، التي تشعر بقلق متزايد إزاء موطئ القدم الذي كسبته إيران، حليفة الأسد التي ينتقدها ترمب بشدة ويعتبرها تهديداً إقليمياً كبيراً؟

إلى جانب إيران، من المرجح أن يستفيد خصم بارز آخر للولايات المتحدة من رغبة الرئيس الواضحة في التراجع والانسحاب من الشرق الأوسط: روسيا. وقد ترك الرئيس ترمب لروسيا مُسبقاً المجال لأخذ زمام المبادرة في سوريا، وهو يتخلى للرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن العمل الدبلوماسي الحاسم للتوصل إلى اتفاق سياسي بين الرئيس الأسد والثوار السوريين.

خلاصة القول تلخصها مقالة جنيفر كافاريلا بعنوان»انتصار الأسد سيعقبه مزيد من الفوضى» في مجلة «فورين أفيرز» في يوليو الماضي التي تقوم على تفييم رؤية مستقبلية متشائمة، حيث تؤكد على أن انتصار الرئيس السوري بشار الأسد لن يؤدي إلا للمزيد من الفوضى. لذلك على أميركا ألا تغادر سوريا. عليها أن تتقبل أن فكرة تجاهل سوريا لن تؤدي إلى انتصار نظيف للأسد»الذي سيبني السلام»، بل إلى المزيد من الفوضى كلما مر الزمن، وبالإضافة إلى لعبة شطرنج الجيوسياسة التي تنشط بشرق سوريا حاليا، فإن المنطقة حبلى بتمرد جديد من تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية. فالتنظيمان لا يزال لديهما شبكات وخلايا نائمة بشرق البلاد وبجيوب على نطاق سوريا.

hasanabuhanya@hotmail.com