في تغريدة لافتة عشية انعقاد الجلسة الاولى لمجلس النواب العراقي،الذي افرزته انتخابات 12 آيار الماضي،هدّد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الفائز الأول فيها,بانه»لن يعود الى المربع الاول.فلا عودة للمحاصصة والطائفية والعرقية والفساد والهيئات الاقتصادية وخلّطة العطّار»، واضعاً تصوّره للحكومة القادمة»التي يجب ان تكون حكومة تكنوقراط،،وإن عادوا (يقصد خصومه) فلن نُشارِكهم ولن نُشرِكهم،بل سنعارضهم عبر قبة مجلس النواب».

تغريدة تستبطن اعترافاً بفشل محاولاته للتجديد لرئيس الحكومة المنتهية ولايته حيدر العبادي،في ضوء التطورات الاخيرة التي منحت رياحاً جديدة وفرصة اكبر لمنافسي»تحالف النواة»الذي جهد الصدر لإنجاحه في سباق تشكيل الكتلة الاكبر،القادرة على تسمية رئيس الوزراء العتيد،والتي يقف خلفها تحالف»رباعي»مكون من التيار الصدري (سائرون) والنصر (العِبادي) والحكمة (الحكيم) والوطنية (إياد علاوي).ويبدو ان تحالف النواة هذا،قد فشل في استمالة القوى الكردية او الحزبين الاكبر فيها (الديمقراطي/ بارزاني،والاتحاد الوطني/ طالباني)،الامر الذي قد يكون لصالح التحالف الثنائي(الاقوى في ما يبدو)والمكوّن من إئتلاف دولة القانون (نوري المالكي)والفتح (هادي العامري قائد الحشد الشعبي).فضلاً عمّن انشقّ عن تحالف النصر/العبادي وذهب مع فالح الفياضي،زعيم حركة عطاء الذي اطاحه العِبادي من منصبه كمستشار للأمن القومي،الأمر الذي منحه (الفياض) فرصة ثمينة للمنافسة على منصب رئيس الحكومة،وهي فرصة آخذة في التعزّز بعد أن تراجعت حظوظ نوري المالكي وهادي العامري بتبوؤ منصب رفيع بصلاحيات واسعة كهذا،بات مقصوراً على الطائفية الشيعية فيما بدا مقبولاً ان يكون موقع رئاسة الجمهوري (الرمزي) للكرد،وآلت رئاسة مجلس النواب الى الطائفية السنّية.وفق تقسيمات المحتلّ الاميركي،التي ارتضتها وشجّعت عليها،بل قاتلت من أجلها»النخب»السياسية والحزبية والطائفية والعشائرية العراقية،المحسوبة على الغازي الاميركي او مَن لحِقت به بعد تدميره العراق،وتأسيسه لمشهد عراقي بائس لا يُقيم وزناً للديمقراطية او حقوق الانسان او محاربة الفساد،بقدر ما اعتنى بإخراج العراق من دائرة الصراع العربي الاسرائيلي وتحييّد دوره العربي،ودائماً في السيطرة على نفطه وثرواته وتحويله لمنصة لتهديد جواره وخصوصاً سوريا وايران,استكمالاً لهدف إراحة اسرائيل وتصفية القضية الفلسطينية.

لهذا تبدو»معركة»العراق الراهنة بين واشنطن وطهران،محتدمة ومفتوحة على احتمالات عديدة قبل ان يتوصّلا الى صيغة «لا غالب ولا مغلوب»وهو أمر مُستبعَد،كما حدث عندما توافقتا على حيدر العِبادي في»صفقة»بدت مقبولة عليهما،لكنها الان لم تعد قابلة للتداول.او تنجح طهران (وليس واشنطن التي تبدو خاسرة او في طريقها الى ذلك،بعد ان تراجعت فرص التجديد للعِبادي الذي تفضّله وتقاتِل من اجله).في إيصال مًن لا يُعارض أو يعترض نفوذها.

ضعف الموقف الاميركي الراهن,تُفسّره اقوال مايك بومبيو وزير الخارجية الاميركية في محادثته الهاتفية الأخيرة مع حيدر العِبادي, عندما «جدّد» في ما يشبه اليائس:دعم بلاده لعراق»قوّي ومستقِر ومزدهِر»ولم ينس بالطبع تذكير العِبادي بنصوص»اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين البلدين».

تلك الاتفاقية التي لم تحترمها او تلتزمها واشنطن,عندما دأبت العمل بعكسها,وبخاصة في ما خص رغبتها المحمومة بالعودة»الميدانية»للعراق،لإقامة المزيد من القواعد العسكرية على اراضيها،بعد ان كانت الاتفاقية تلك»حظرَت» اي تواجد عسكري دائم في بلاد الرافدين.

معروف ان مَنْ يقرر نهاية سعيدة او بائسة لسباق الكتلة الاكبر هي واشنطن وطهران،وتبدو فرصة الاخيرة اكبر.ليس فقط في دلالة تغريدة مقتدى الصدر الذي أعلن رفضه لـِ»خلطة العطار»،ويقصد المحاصصة الطائفية والمذهبية والعِرقية التي سادت طوال خمسة عشر عاماً،وكان التيار الصدّري جزءاً منها بهذا الشكل او ذاك،وانما في فتح المعسكر الاميركي وأنصاره جبهة ضغط جديدة تمثّلت في تسريب اخبار عن قيام ايران بتزويد جهات»شيعية» تُقاتل عنها بالوكالة (وفق وصف وكالة رويترز)في العراق بصواريخ باليستية,وانها تُطوّر قدرتها على بناء المزيد من الصواريخ,لردع الهجمات المحتملة على مصالحها في الشرق الاوسط..

لم يلبث مايك بومبيو ان التقط هذه الاخبار المفبركة او غير المُؤكّدة،ليقوم من فورِه بالتغريد واصِفاً تلك الانباء بأنها «انتهاك صارخ للسيادة العراقية وقرار مجلس الامن رقم 2231 قائلاً في صلف تفوح منه رائحة النفاق الاميركي المعروف:بغداد مَنْ تُقرّر ما يجري على اراضيها،وليس طهران» (كذا).

في السطر غير الاخير»قد تكون جلسة مجلس النواب العراقي اليوم(إذا لم تُؤجّل)صاخبة او ربما حاملة مفاجأة ثقيلة,إذا ما وعندما يفجّر تحالُف مِن التحالفَيْن المتصارِعيْن»قنبلته»عبر الاعلان عن الكتلة الاكبر التي بحوزته.عندها يمكن وصفها بـ»التاريخية»او الانقلابية,إذا ما اضطرّت كتلة سائرون (التيار الصدري) والنصر (العِبادي) وجماعة الحكيم وعلاوي،الجلوس في مقاعد المعارضة وقيام كرد العراق بحسم موقفهم كبيضة قبّان لصالح المالكي والعامري والفياض.وبذلك يدخل العراق مرحلة جديدة من الصراع المفتوح والضاري بين واشنطن وطهران،حيث تكون الاخيرة سجّلت لصالحها نقطة»عراقية»ثمينة،لها ما بعدها بالتأكيد...عراقياً،إقليمياً... وخصوصاً سورِياً.