وعد رئيس الحكومة الدكتور عمر الرزاز الأردنيين بالتفكير بصورة جدية بالوعاء الضريبي ككل، وعدم التعامل مع قانون ضريبة الدخل بمعزل عن سلة الضرائب التي يدفعها الأردنيون، وهو ما يعني عملية إصلاح ضريبي متكاملة، ولكن دولته لم يتكلم عن تغيير في النهج الاقتصادي للدولة، رغم أن منطلق هذا الإصلاح الضريبي يبدأ بتغيير الرؤية الاقتصادية للدولة ومنظوماتها من الليبرالية الكلاسيكية التي تقوم على مبدأ (دعه يعمل دعه يمر) وانسحاب الدولة من مختلف القطاعات لتصبح صاحبة دور أوحد هو دورها كضامنة للأمن، إلى الاقتصاد الاجتماعي الذي يجب أن يكون هو المنطلق والأرضية التي تناقش عليها الأمور المختلفة، وحين أتكلم عن الاقتصاد الاجتماعي فإني أعني بذلك تبني نظرية جديدة في الاقتصاد الوطني الأردني أساسها التوفيق بين الفعالية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وهو أمر ليس جديداً على مستوى الاقتصاد العالمي، بل هو موجود منذ ما يزيد عن ستة عقود من الزمن، وأثبت نجاعته، فألمانيا (الاتحادية)، ومن بعدها ألمانيا الموحدة، تبنت نظرية الاقتصاد الاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية، وبنت أسطورتها الاقتصادية على هذه النظرية.

ويمكن اختصار مفهوم الاقتصاد الاجتماعي بأنه قدرة تدخل الدولة لتوجيه بعض الإنفاق والاستثمار لتلبية الاحتياجات الاجتماعية، وهذه أهداف لا تكترث بها آليات السوق عندما يترك لها وحدها القرار، وبالتالي فتبني الاقتصاد الاجتماعي يتيح للدولة التدخل بما ‏يلبي الاحتياجات الاجتماعية ويقلص الفجوات الاقتصادية داخل المجتمع.

وحيث لا يمكن إحراز أي تقدم ملموس وحقيقي في مسار الإصلاح الضريبي ما لم تستطع الحكومة الحالية من تحقيق المصالحة الضرورية بين المجتمع والمنظومة الاقتصادية، فمن جراء هذه المصالحة ستتولد لدى المجتمع الثقة الضرورية لإنجاز الإصلاح الضريبي، وعلى الحكومة إدراك أن تعريف الاقتصاد في الوقت الحالي يبدو مستحيلاً دون إرجاعه لمنظومتين يرتكز عليهما وهما المنظومة الأخلاقية والمنظومة السياسية، فالاقتصاد لم يعد مجرد أرقام صماء ومؤشرات (مالية) لا تؤشر إلى أي انعكاس اجتماعي سياسي لها.

وسيؤثر الإصلاح الاقتصادي وتبني الاقتصاد الاجتماعي على المنظومة السياسية أيضاً، فلا يمكن لأي كان الادعاء أنه من الممكن إدماج فئات مهمشة اقتصادياً في العملية السياسية، فالتهميش الاقتصادي سيقود بالضرورة إلى التهميش السياسي، وكلما اتسعت الفئات المهمشة اقتصادياً استبعدت فئات أوسع من المشاركة في مفاصل اتخاذ القرار وطنياً، وبدت المحاولات المتعددة لإدماج المواطنين بالعملية السياسية فاشلة، والمؤسسات الناتجة عن عملية الانتخاب غير موثوق بها، وستبدو تجربة اللامركزية مثلاً مجرد محاولة مملة لتمضية الوقت، مما يفقد أية خطوة من خطوات الإصلاح السياسي زخمها وعمقها وربما مشروعيتها.

الأمر الذي يقع على عاتق الحكومة في الأساس هو إعادة إدماج مختلف الفئات في العملية الاقتصادية بعد أن تم تهميشها طوال سنوات، وهذا يبدأ من تبني نمط اقتصادي يضمن إعادة توزيع الثروات بطريقة تحقق التنمية بمفهومها الحقيقي، وليس عبر الاكتفاء بأرقام النمو التي قد تكون ناتجة عن زيادة وتراكم ثروات فئات ضيقة في المجتمع، أي أن جسر الهوة أو الفجوة العريضة اقتصادياً بين الفئات الاجتماعية المختلفة هو أمر ملح لبداية أي مشروع إصلاح أردني.

وفي هذا الإطار على الحكومة أن تحاول جادة في إعادة قراءة المشهد الأردني من جديد، استناداً إلى رؤية اقتصادية وليس استناداً إلى رؤية مالية ضيقة، وهو ما يطرح السؤال التالي هل من الممكن أن تتخذ الحكومة قراراً جريئاً بتخفيض الضرائب عن المشتقات النفطية ونسب ضريبة المبيعات، مما سينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات ويخلق فائضاً مالياً لدى الأفراد مما يشجعهم على إنفاقه بصور متعددة عبر طلب متزايد على السلع أو الخدمات، مما يساعد على دوران عجلة السوق الداخلي بصورة تحقق معها النمو، بحيث تسترد الدولة إيراداتها من خلال زيادة حركة بيع السلع والخدمات، في الوقت الذي يمكن للحكومة أن تقوم بتطوير آليات التحصيل الضريبي على الدخل، وميزة هذه الخطوة أنها تخلق حالة من النمو غير مترافقة مع حالة من التضخم، كما أنها تعطي انطباعاً مريحاً للمواطن يجعله شاعراً بإمكانية التغيير، فيقبل على عملية الإصلاح الشاملة في مختلف المجالات وقد بنى جسور ثقة ضرورية مع الدولة والحكومة لعبوره نحو الاتجاه الآخر.

roumanhaddad@gmail.com