عمان - د. فتحي الأغوات

استذكر آباء وأجداد سنيَّ شبابهم وما حملته تلك الأيام قبل عقود من جد ونشاط وبركة، حيث مواسم الخير التي طغت عليها روح المحبة والإيثار والتعاون، بالرغم من صعوبة الحياة وشظف العيش، وما كانوا يتكبدون تلك الأيام من قلة وندرة في الموارد والإمكانيات.

ورووا في أحاديثهم إلى «الرأي» كيف كانت الفزعة (العونة) تمثل لهم مظهراً اجتماعياً تكافلياً في مجتمعنا الأردني.

حيث الفزعة لمساعدة أهل البلدة أو القرية، واحترام الكبير وتقديره، والتعاضد على عمل الخير وإغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج وإنصاف صاحب الحق.

ولاحظوا التغير الهائل في كثير من العادات والتقاليد، وتبدل القيم الذي أدى إلى إضعاف حالة التكافل عما كانت عليه في الماضي.

وشددوا على دور الأبناء في ضرورة التمسك بهذه القيم النبيلة بما تمثله من قيم إنسانية سامية أحوج ما يكون لها المجتمع اليوم.

السبعيني محمد الصرايرة (أبو خالد) قال إن الصورة الحقيقية للفزعة كانت تنطلق مع قبل موسم الزراعة حيث يجتمع الأقارب والجيران لحراثة الأرض»يوم عند أبو فلان ويوم آخر بأرض فلان حتى ينتهي الموسم الحراثة، ثم إذا جاء موسم الحصاد ودراسة الحبوب أو قطاف الزيتون هبوا جميعا لجمع المحاصيل ومساعدة بعضهم».

ولاحظ أبو خالد انه إذا شرع أحدهم ببناء بيت في الماضي لم يكن بحاجة لعمالة وافدة لانجازه، وإنما كان معلم البناء من أبناء البلدة يرافقه في الغالب عامل واحد يساعده، فيما الأعمال الأخرى كانت تنجز بهمة وعونة الشباب من الأقارب والأنسباء والجيران الذين كانوا يتنافسون على تقديم المساعدة في حفر الأساسات ورفع مواد البناء وصبة السقف.

ولفت إلى أن الجميع كانوا في حالة من الرضا و السرور، وأن الكل يعمل بهمة ونشاط، فيما الأبناء والنساء يعدون الطعام للعاملين وسط حالة من الابتهاج ترافقها الأهازيج التراثية الحماسية.

فيما رسم الستيني سلام المعايطة (أبو علي) صورة أخرى من مظاهر العونة في الماضي, تجلت هذه الصورة في أبهى صورها, عندما يدعو أحدهم أبناء بلدته لحضور زواج ابنه، فتراهم يتوافدون على بيته قبل يوم العرس بأيام حاملين معهم مستلزمات المناسبة (رز وطحين وسكر وقهوة وعدد من رؤوس الأغنام)، إسهاما منهم في تحمل جزء من تكاليف العرس حيث يقيمون السهرات لعدة ليالٍ يعبر فيها الأهل والمعارف عن فرحهم بهذه المناسبة.

أبوعلي يستذكر تلك الأيام بالقول: «كانت كلها خير وبركة وكرم أصيل ممزوج بطيبة النفس وحب الناس لبعضهم».

في المقابل عبر شباب عن اعتزازهم بالموروثات الشعبية من عادات وتقاليد يُفاخر بها.

الشاب معتز المجالي قال إن على الشباب الأردني واجب المحافظة والتمثل لأخلاق وشهامة الآباء والأجداد وسيرتهم العطرة بالأصالة.

وطالب بالعودة لتمثل صور الفزعة (العونة) التي مثلت حالة إنسانية تكافلية تعبر عن معدن وأصالة مجتمعنا الأردني الطيب.

وترنم بهذه الحالة من التعاضد بالنخوة والشهامة التي لابد أن تزين أولوياتنا في الأزمات والأفراح.

ولاحظ المجالي أن الفزعة كانت دائما في عاداتنا تعني نصرة الحق وإغاثة الملهوف وإن لم تكون يوما لإثارة الفتن, والعداوة بين الشباب، ولم تكون فزعة لباطل بحجة القرابة أو الجغرافيا ومنوها إلى استغلال البعض للفزعة في الحشد لتأجيج مشاعر العنف والأحقاد وتسخيرها في الخلافات المجتمعية.

الجامعي بلال الحمايدة دعا الشباب إلى بعث روح العونة والفزعة الوطنية الشعبية في مجتمعنا من خلال مبادرات تكافلية تساند الجهود الرسمية في الظروف الطارئة، عنوانها فرق عمل في كل بلدة أو حي تتولى مهمة مساعدة الناس ونقل همومهم ومشكلهم للدوائر المختصة.

وبين أهمية أن يعي الجيل الحالي دور العونة قديما، بما تعنيه من قيم اجتماعية عظيمة مثلت التعاضد، كروح تعاونية قل نظيرها في الوقت الحالي.

الناشط الشبابي وائل العبادي قال إن ما شهدته المملكة من ظروف طارئة ومناسبات في السابق، برهن وأظهر أصالة العونة والفزعة الأردنية بكل معانيها و بأبهى صورها عند الشباب.

ولفت إلى ان الشباب في كافة مناطقهم يقومون بكل مساعدة وعون ضمن ما هو متاح ومتوفر لهم من إمكانيات جنبا إلى جنب مع الجهود الرسمية.

ولاحظ ان الشباب الأردني وبكل فخر يظهرون في أروع صورهم الوطنية المنتمية، وهم يهبون لفزعة الوطن وأبنائه في الملمات ومناسبات الفرح والترح والأزمات المختلفة.