المهندس عامر عليوي

المونوفيجن العقلية: هي الأحادية في التفكير والرؤية المحددة من زاوية واحدة للأمور وعدم اتساع المدارك العقلية لتقبل الاختلافات بالآراء والافكار، وهذا يؤدي ينتج عنه الكثير من التفاعلات غير التوافقية للقيم الإنسانية كالتعصب والتطرف والتشدد والتمسك بالرأي والجمود ورفض الاخر.

إن الثابت الوحيد في الحياة هو التغيير، فلا شيء يدوم فكل شيء حولنا يتبدل حتى شخصياتنا وسلوكياتنا تتغير بفعل الوقت والنضوج والتعلم والمواقف والحوادث والمواقف التي نتعرض لها في حياتنا ومع الوقت بدأنا ندرك بأن الأشياء التي تبدو لنا واضحة أو ثابتة هي في الحقيقة ليست كما تبدو‏،فالأمر نسبي أو متغير حسب الزمان فإحساسنا بالوقت بطيء أو سريع أو حتى ممل يعتمد على حالتنا المزاجية والاجتماعية وعلى طبيعة الشخص ومدى انشغاله وأهدافه ويختلف من شخص لآخر ومن بلد لآخر‏.

الا اننا وبالرغم من ثورة المعلومات وتطور وسائل الاتصالات ما زلنا لم ندرك أهمية المرونة والفكر المتعدد ،ولم نستطع استثمار هذا الضخ الفكري لتطوير ثقافتنا بل مازلنا نعاني من انتشار أحادية الرؤية والنظرة الاستعلائية التي ترفض تصحيح المسار وتعتمد على الرؤية الإقصائية، لأي نقاش يكون عكس التيار والنهج الذي نسير عليه ونؤمن به.

أصبحت كثير من السلوكيات غير المنطقية ناتجة من أيدولوجيات معينة وقناعات منطلقة من أحادية في الرؤية، هذه الأحادية كونت النماذج والشخصيات المتطرفة والمتعصبة دينياً أو اجتماعياً او سياسياً. هذه الرؤية الأحادية نمت وازدهرت خلال سنوات الفساد الماضية بسبب سوء التنشئة والتعليم التقليدي وانتشار الظلم وسيطرة السلطة والمال على العدالة، ولا أمل في المستقبل إذا استمر ضيق الأفق والتصلب الفكري والانغلاق على الذات واستسهال الغلط والمعرفة المحدودة، لان النتيجة ستكون انشطاراً فكرياً ونفسياً وانفلاتاً أخلاقياً وعدم احترام الآخر أو قبوله والتعصب للفكر الخاطئ ورفض التغيير ومقاومته.

ان الأحادية في الرؤية (المونوفيجن العقلية) مشكلة ليست بالحاضر ولا بالماضي، هي مشكلة متجذرة منذ القدم منذ فرعون الذي قال كما روى القرآن الكريم «ما أريكم إلا ما أرى» وإن كانت تأخذ مسميات مختلفة، وان خيار الانكفاء على الفكر التقليدي لم يعد مثمرا لأن أحادية الرؤية نتج عنها كما نلاحظ كثير من المأزومين العاجزين عن التفكير ومحاكاة الحاضر، غير القادرين علي توظيف المعلومات بشكل مرن لمجابهة مشكلات الحياة، يعلنون انهم يريدون ان يتغيروا وبنفس الوقت يقاومون أي جديد، يريدون تعليما متطورا ولكنهم وبنفس الوقت ايضا لا يستوعبون الا التلقين.

نهاية القول، يجب ان نعي بأن أحادية الرؤية آفة تهدد مجتمعنا وتعبر عن مجموعة من الأساليب الفكرية السلبية التي يغلب عليها النمط العدواني غير السوي والرؤية التشاؤمية التي ترفض التنوع والاعتدال باعتبار انهما يمثلان الاتجاه والفكر السليم وهذا يستوجب على الدولة ومؤسسات المجتمع المدني وخاصةً المؤسسات التربوية والتعليمية أن يكون لها دور في تكوين الشخصية المتكاملة والمستقرة والمتوازنة وخاصةً في ظل هذه التغيرات السريعة.

ومن الطرائف حول الموضوع قصة تقول: يُحكى أنَّ رجلاً (أعمى) كان يعيش في مكان ما من هذه الدنيا حاله كحال بقية الناس، بيد أن فقدانه لبصره منذ ولادته حرمه من التمتع بِمشاهد هذه الدنيا الفاتنة، وظل على هذه الحال إلى أن جاء يوم ليس كبقية الأيام حدث فيه شيء عجيب، فقد قُدِّر له أن يعود نور بصره إليه لثوانٍ معدودة لم يلبث بعدها أن عاد (أعمى) كما كان، أما المشهد الذي رآه في تلك الثواني المعدودة فلم يكن سوى (رأس ديك) كان أمامه حينها، وقد ظل رأس هذا الديك في ذهن صاحبنا (الأعمى)، وظلت صورته تسيطر على عقله وفكره لسبب بسيط؛ هو أنه لم يرَ غيره في هذه الدنيا، وفي يوم من الأيام سمع صوت (سفينة) قادمة فاشتاق أن يتخيل شكلها ويتصور ماهيتها، ولما أخبره صاحبه عن تعذر وصفها له كونه (أعمى) لم ير شيئا قط في هذه الدنيا، قال له صاحبنا: كيف هي من (رأس الديك)؟ وما الفرق بينها وبينه؟ وأضحى هذا (الأعمى) كلما أراد أن يتعرَّف على شكل شيء أو أن يسأل عن وصفه وصفاته قال: كيف هو من (رأس الديك)؟

وأخيرا أريد أن أسوق عبارة للدكتور طارق سعيد رمضان أستاذ علوم الإسلام الذي يقول :

«دعونا نستمع للآخرين، ونقبل الاختلاف، فهذا أكثر تلاؤما مع طبيعة ديننا الحنيف، وأدعى إلى خروجنا من التبعية لمن لسان حالهم مازال يردد قول فرعون،،،ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد».

نحن حقا بحاجة سريعة وملحة لعملية تصحيح ليزرية للمونوفيجن العقلية.

جامعة العلوم والتكنلوجيا الاردنية