أبواب - د. أمينة منصور الحطاب

في أيلول يعاودني الحنين لمدرستي ولأيام جميلة كنا نرتدي فيها المريول ونحمل الحقائب المدرسية التي تضم أحلامنا وآمالنا قبل كتبنا وأقلامنا، في ذلك الصف كنت أجلس وصديقاتي وضحكاتنا تتعالى في صخب، ومشاغباتنا تلهو بمرح، كنا ننتظرالفرصة – وقت الاستراحة - بفارغ الصبر لنأكل ونلعب ونعدو ونتخاطف شطائر بعضنا البعض، وعندما يأتي وقت الاختبار تختفي ضحكاتنا وابتساماتنا وبقلب واجف نمضي، لا زلت أتذكر أحلامنا عن جامعة نريدها، وتخصص نرغب في دراسته، ووظيفة نتمنى الحصول عليها، وفي آخر يوم دراسي تنهمر دموعنا وداعاً لصحبة بريئة وأيام جميلة ستظل ساكنة في أعماقنا مهما طال الزمن.

يختلط المفهوم الصحيح للمدرسة عند كثير من الناس، فعندما يسمع بعضنا كلمة «مدرسة» أول ما يتبادر لذهنه المبنى المدرسي فقط وهذا فهم غير صحيح، فمفهوم المدرسة أشمل وأعم من ذلك، ويشمل كل ما يحتويه البناء المدرسي من هيئة إدارية، وموظفين، ومعلمين، ومتعلمين، وإمكانات مادية كالصفوف الدراسية، والمختبرات العلمية، والمكتبة المدرسية، والمناهج الدراسية، ومصادر تعليمية، وملاعب مدرسية، وغيرها ..

وعندما نتأمل الأدوار العديدة للمدرسة تجاه الطلبة والمجتمع، لا بد وأن نتساءل عن وضع هذه المؤسسة، والإمكانات المتوافرة سواء البشرية أوالمادية، وهنا تبدو الحاجة واضحة وملحة للتعرف على البيئة المدرسية وإمكاناتها عن قرب ومن ثم الحكم عليها وعلى مخرجاتها.

والسؤال الرئيس هنا يدور حول مواصفات المدرسة بمفهومها الشامل الذي نريد، فالمتعلم يريد أن تكون البيئة التعليمية مناسبة لعملية التعلم من كافة الجوانب، وولي الأمر كذلك يتطلع إلى مدرسة مثالية تتوافر فيها الإمكانات المادية والبشرية التي تسهم في تحقيق أهداف المدرسة ورسالتها، والجميع يتطلع إلى إدارة مدرسية حازمة وجادة تنظر لمصلحة المتعلم فوق كل شيء، وتسعى دائما لعملية التطوير والتجديد، إن الإدارة المدرسية الناجحة هي التي تعمل على جعل البيئة المدرسية بيئة منتجة، ومحببة لكل من المعلم والمتعلم، كما أنها تسعى إلى توفير الإمكانات التي تحتاجها العملية التعليمية بشكل مستمر.

أما الحديث عن المعلم فقد يطول ولكن المهم أن يكون المعلم مقتنعا بعمله في التدريس كمهنة، وأن يكون منتميا لها، ومخلصاً في تدريسه ومتحمسا له، ومتمكنا من تخصصه، ويتعامل مع الطلبة كأبناء أو إخوة له بعيدا عن التكبر والمعاملة القاسية، كما نريد المعلم الذي إذا غادر الصف أو المدرسة يتمنى طلبته عودته لهم في أقرب وقت نتيجة لعلمه، وخلقه، وحسن تعامله، ولا نريد المعلم الذي يفرح طلبته بغيابه أو بانتقاله إلى مدرسة أخرى.

وفيما يتعلق بالمبنى المدرسي نريد أن يكون هذا المبنى صحيا، وحديثا، ومبنيا حسب المواصفات المطلوبة التي تناسب عمليتي التعليم والتعلم، وأن تكون القاعات الدراسية واسعة، ومزودة بالأدوات والأجهزة التعليمية المختلفة والحديثة المواكبة للعصر الذي نعيش فيه، وأن يشمل ملاعب مدرسية، وقاعات أنشطة، ومختبرات علمية، ومكتبة غنية بالمصادر العلمية الحديثة، ومقصفا يقدم وجبات صحية للطلبة، وأن يكون موقع المبنى المدرسي مناسباً.

والعنصر المهم بل الأهم في البيئة المدرسية الذي يتم تقديم كافة الإمكانات والتجهيزات لخدمته هو المتعلم (الطالب)، فلو لم يكن هناك طلبة لما كانت هناك ضرورة لوجود المدارس، لذا من الضروري أن يتم الاهتمام بالطلبة، ولا بد من تعويدهم على النظام، واحترام معلميهم، والمحافظة على الممتلكات العامة في المدرسة وخارجها، كما يجب أن تكون معاملتهم والتعامل معهم مبنيين على التقدير والاحترام المتبادل، ولا بد من بث روح الحماس والتنافس الشريف بينهم، فإذا كان الطالب غير متحمس للتعلم فإن ذلك قد سيؤثر على أداء المدرسة بشكل سلبي وسيحول دون تحقيقها لأهدافها، كما نريد الطالب الذي يذهب للمدرسة ليتعلم كيف يتعلم ويتعلم بهدف التعلم لا بهدف الحصول على العلامة فقط.

ومن جانب الآخر لا بد أن ندرك أهمية المنهج الدراسي في العملية التعليمية، الذي يجب أن يكون حديثاً، ومطوراً، ومواكباً للعصر الحاضر، وموظفاً للتقنيات الحديثة، ومرتبطاً بحياة المتعلم ومتطلباته، كما نريد أن يُقدم للطالب بصورة تطبيقية، ووظيفية بعيداً عن التنظيروالإلقاء والحفظ والاستظهار، وأن يشجع على التعلم الذاتي والاكتشاف والوصول إلى المعلومة بيسر وسهولة بعيدا عن الغموض.

وهنا يجب أن ندرك أنه في حالة توافر الإمكانات البشرية والمادية في مدارسنا وبالشكل أو بالمواصفات التي نريدها فإنها ستكون بيئة تعليمية جاذبة للمتعلمين، تحقق طموحاتهم وتلبي رغباتهم، وعند ذلك يكون الذهاب إلى المدرسة محببا لدى المتعلم؛ لأنه يجدها بيئة توفر له متطلباته التي يحتاج إليها في هذه المرحلة.

إن المدرسة هي البيت الثاني للطالب بعد الأسرة والمنزل، كما تعد أيضا من أهم مؤسسات المجتمع ويتوقع منها أن تقوم بأدوار عديدة في مجال تربية الطلبة تربية سليمة وشاملة لكافة الجوانب، ولا يقتصر دورها على جانب واحد فقط مثل تزويدهم بالمعارف والمعلومات؛ فبالإضافة إلى الاهتمام بالجانب المعرفي فهي مسؤولة عن إكسابهم المهارات المختلفة بصورة وظيفية لكي تعينهم على التكيف مع مجتمعهم ومتطلباته المتغيرة، كما أن المدرسة مسؤولة عن إكساب الطلبة القيم السليمة المتوافقة مع القيم الإسلامية المواكبة لعادات المجتمع وتقاليده، وهي مسؤولة أيضاً عن تنمية اتجاهات إيجابية لدى المتعلمين نحو الجوانب الحياتية المختلفة.

وهناك سؤال أبحث له عن إجابة وأنا على يقين أن هناك كثيراً من يوافقني عليه وهو: متى يأتي اليوم الذي أعاقب ابني أو ابنتي فيه بمنعهم من الذهاب إلى المدرسة ؟ وهذا لن يتحقق إلا في حالة توافر الإمكانات السابقة التي نريدها، ويتطلب ذلك من المسؤولين عن التعليم أن يطوروا خطة أو استراتيجية لكي تكون مدارسنا بيئة محببة للطلبة وجاذبة لا طاردة لهم، تعمل على بقائهم حتى إكمال مراحل تعليمهم والاستفادة مما يتعلمونه، وبذلك نضمن نسبة متدنية من التسرب المدرسي أو الهدر التربوي في مراحل التعليم الأساسية على الأقل، وبذلك نستطيع أن ننافس على مستوى عالمي في التعليم.

Ameeneh@live.com