لأسباب مختلفة أحدها الفضول الصحفي، استخدمت خلال الأشهر الماضية وسائط النقل العامة «الكوسترات،التكسي الأصفر، سيارات التطبيقات»، وتكونت لدي فكرة لم تكن متاحة، في استخدام السيارة الخاصة، العاملون في هذه الوسائط من سائقين و«كونترولية»، مجتمع متميز في مسلكياته ومفرداته وثقافته، وفي كيفية تعاملهم مع بعضهم

الانطباع الأول أن الغالبية العظمى من الركاب يستخدمون مكرهين «الكوسترات» المتهالكة، حيث لا بدائل أمامهم للتنقل وقضاء حاجاتهم، سواء للدراسة أو العمل أو زيارات الأقارب، فتلاحظ رجالا ونساء من شريحة كبار السن والمرضى، وشبابا وفتيات وبرفقتهم أطفال، يبدو عليهم التعب والمعاناة

ومن يستقل هذه الوسائط يكتشف، حدة التنافس بين سائقي «الكوسترات» ومعاونيهم من «الكونترولية»، والتسابق على اصطياد أي راكب ينتظر في موقف، أو يقف على جانب الطريق، ويرافق هذا التسابق والتزاحم، استخدام شتائم وكلمات نابية. لكن أكثر ما يزعج ويستفز ركاب هذه الكوسترات، أن سائقيها غير معنيين بقيمة الانسان والحفاظ على كرامته وصحته، فهم لا يوفرون فرصة لالتقاط أي راكب، بغض النظر عن وجود مقاعد شاغرة أم لا، وغالبا ما يزدحم «الكوريدور» الذي يتوسط مقاعد الباص، بركاب يقفون بغض النظر على قدرتهم على تحمل، الضغط النفسي والجسدي والتأثير الصحي السلبي، من حيث صعوبة تنفس الاوكسجين في هذه المساحة الضيقة، وبعض السائقين لا يكترث حتى لو تم «تصفيط» الركاب فوق بعض، فيكون المشوار في الكوسترات رحلة عذاب.

وما أثار دهشتي أكثر، أن أحد الباصات توقف مقابل مستشفى الجامعة بحثا عن ركاب، وكان يقف شرطي مرور في الموقع، ولاحظ أنه يحمل أكثر من سعته من الركاب، فسأل السائق عن عدد الزيادة فأجابه شخصين، لكن الشرطي شكك برواية السائق، فأطل من باب الباص ولاحظ وجود نحو سبعة ركاب يقفون وسط المقاعد، والطريف أن الشرطي كان «ديمقراطيا»! حيث لجأ الى اختيار عينة من الركاب لاستطلاع رأيهم وسألهم: هل يخالفه أم لا؟ وللمصادفة كنت أول من سألني بحكم مكان مقعدي مقابل الباب، فأجبته «أنت مسؤول عن تنفيذ القانون»! لكن في النتيجة تعاطف الشرطي مع السائق وأعفاه من المخالفة! والغريب أنه على بعد مئات الامتار من موقع الشرطي، واصل السائق إطلاق «الزوامير» و«الكونترول» ينادي بحثا عن ركاب جدد على جانب الطريق!

وأطرف مشهد لاحظته خلال هذه الفترة، أن أحد الباصات توقف في نفس الموقف بحثا عن ركاب، لكن زميلا له كان يبحث هو الاخر عن ركاب، وفوجئت بأن السائق الآخر بدأ بكيل الشتائم له، وأكثر ما لفتني أنه قال له «يا..قتلت شعبك ودمرت بلدك»! وتوقفت عن مغزى هذا التوصيف، لكن السائق كان مشغولا يشرح لشرطي المرور، ويحمل دفترا يحتوي على عدد كبير من المخالفات! لكنني اكتشفت وهو يتحدث مع الشرطي ،بأنه يشبه بنسبة «90 بالمئة» شخصية رئيس دولة شقيقة تشهد حربا أهلية منذ سنوات، فربطت بين شكله وبين الشتائم والتهم التي وصفه بها زميله! فضلا عن كون الكم الهائل من مخالفات السير، تندرج في إطار سلوكيات خاطئة ومخالفات للقانون، وهي صورة مصغرة للجرائم التي ارتكبها «شبيهه» رئيس الدولة الشقيقة!

أما بالنسبة للتاكسي «الأصفر»، فغالبا ما يضع السائق قطعة قماش، على الشباك المحاذي لمقود السيارة وكاسة قهوة أمامه، وقد لاحظت كما غيري، بأن الكثير من السائقين يتعاملون مع الركاب بمزاجية، سواء بالنسبة للجهة التي يريد الراكب الذهاب اليها، وبعضهم يرفض الذهاب الى بعض الأماكن، بحجة وجود أزمة مرور، كما أن تعاملهم غير انساني في بعض الحالات، حيث يرفضون تحميل مرضى أو كبار السن يقفون أمام بعض المستشفيات، فضلا عن محاولة بعضهم تقاضي مبلغ أكثر مما يسجله عداد السيارة لأسباب مختلفة، بعضها بزعم عدم توفر «فكة»، أو أن المنطقة بعيدة خاصة خلال الليل!

وبسهولة يمكن التمييز في المسلكيات وطريقة التعامل بين سائقي «الأصفر»، وسائقي شركات «التطبيقات»، وربما غالبيتهم خريجو جامعات، حيث الانضباط واضح والتعامل المهذب مع الركاب، والالتزام بقيمة ما يسجله عداد السيارة من أجرة، خاصة وان الشركة المشغلة تراقب السائق من خلال التطبيق!

ويبقى أن الخلاص من فوضى النقل العام، مرتبط بوجود وسائط نقل عامة محترمة وبمواعيد محددة، وأهمها تحقيق «حلم» الباص السريع، وندعو الله أن يطيل في أعمارنا حتى عام 2021، لتجربة الركوب فيه ولو مرة واحدة، وأن لا تظهر مشكلات وعوائق جديدة كما حدث قبل سنوات! وقبل أن يحين موعد تشغيل الباص السريع، ها نحن ننتظر ما وعدت به أمانة عمان، بتشغيل حافلات نقل حديثة قبل نهاية العام الحالي!