الرأي - رصد

يشهد مجتمعنا في السنين الأخيرة تغيرًا نوعيّا في مفاهيم التربيّة الحديثة، وخاصّة تلك الّلامنهجية، ونلحظ ازديادًا في الانفتاح والحداثة عن طريق مَهْنَنَة العمل التربويّ لتغطية نواحٍ عديدة في مجالات الفن والإنتاج، والإبداع كالمسرح، الفنون التشكيليّة، الأدب، الشعر والموسيقا.

ويأتي مثل هذا التغيير توافقا مع الواقع السّياسي والاجتماعيّ والاقتصاديّ الّذي يحلّ على المجتمع الفلسطينيّ في داخل دولة إسرائيل وتعبيرًا عنه، ويتأثّر أيضًا بسبب موضعه في الوسط، ما بين شعبه الفلسطينيّ في الضّفة وغزة والشّتات، وعلاقته الحتميّة المتناقضة مع مؤسّسات الدّولة الإسرائيليّة في المجالات المختلفة، ونضاله ضدها لنيل حقوقه السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة بهدف التّساوي، لا للانسلاخ، ويؤازره في ذلك قوى تقدميّة يهوديّة صادقة تُريد وتهدف لتحقيق العدالة الاجتماعيّة عن طريق تسوية سلمية مع الفلسطينيين في الداخل وتسعى لحلّ النزاع الفلسطينيّ الإسرائيليّ، فيحصل اندماجًا مُربكا في بعض الأحيان، للواقع الحياتيّ للفلسطينيّ معها، وهذا ما يأتيه بمفاهيم مختلفة وأحيانًا هجينة وأخرى استشراقيّة في المناحي الثقافيّة والفنيّة المختلفة ومنها التربويّة ومن ضمنها الموسيقيّة.

تعتبر الموسيقا أساسيّة في مشروع التربيّة الحديثة، إذ أثبتت الأبحاث أنها هامّة في تطوير الفكر الرياضيّ لمتعلمينها، فوُجد أن الإنجاز لدى الأطفال الذين تربّوا عليها منذ الصغر تحصيلهم العلميّ أفضل، فيما اختاروه من مهنٍ مستقبليّة في جميع مجالات الحياة وليس فقط الموسيقيّة! ولذلك اتبّعت وزاراتها الثقافيّة سياسة "آلة موسيقيّة لكل طالب"، ودمجت الموسيقا في المنهاج التعليميّ، ليس فقط في المعهد الموسيقيّ (الكونسرفتوار) وإّنما في المدرسة أيضًا ليتحوّل "الكونسرفتوار" إلى قسم بنيويّ في المدرسة نفسها فيتخصّص الطالب في مواضيع شتّى، من ضمنها الموسيقية العمليّة والنظريّة.

إن هذه المجتمعات المتقدمة لا تهدف إلى خلق جيل موسيقي مهنيّ كامل، وإنّما تكسب في ذلك أمرين هامين:

  1. جيل ذو تحصيل وإنجاز في المجالات الأخرى.
  2. جيل مستهلِك لثقافته المختلفة ومنها الموسيقيّة.

فأسوةً بالمجتمعات المتقدّمة الأخرى، زاد الوعيّ لدى المجتمع المحليّ نحوالتربيّة الموسيقيّة، فنلاحظّ تأسيس معاهد موسيقيّة في البلدان والقرى العربيّة، ليحصل ازديادًا ملحوظًا بعدد المتتلمذين فيها. وهذا أدّى:

  • إلى زيادة فرص العمل للموسيقيين.
  • ومن جهة أخرى كشفت نقصًا شديدًا في توفّر الموسيقيين المهنيين والأكاديميين المؤهلين لريادة المشاريع التربويّة التعليميّة الموسيقيّة، ويعوض عنه في استخدام معلمين من غير العرب، حتى مع أجيال الطفولة المبكرة، وفي هذا فقدانٌ للهدف التربويّ، ففي اعتقاديّ واستنادًا إلى تجربتي الطويلة في إدارة المعاهد الموسيقيّة، مشروع التربيّة الموسيقيّة عليه أن يكون:

*مباشرا ما بين الطالب والمعلّم، من دون وسيط أو مترجم من الأهل في وقت الحصة، أي أن يكون باللغة العربيّة، لغة الأمّ للطالب الفلسطينيّ، لأنّ الحصّة الموسيقيّة هي تفاعليّة، فيها فعل ورد فعل، وهي مزيج من عدّة مكوّنات، وتعمل وتطوّر عدّة مهارات لدى الطالب في نفس الوقت، كالتركيز، السمع، القراءة، المهارات الحركية في الأيدي والتناسق بين أعضاء الجسم وغيرها.

تعتبر الموسيقا مركزيّة في رسم الهوية الثقافيّة للشعوب عامةً، ولذلك وفي هذه المرحلة من تاريخ شعبنا، أرى أنّه من الهام الاستثمار ليس فقط في التربيّة الموسيقيّة وإنّما في الاستهلاك الثقافيّ بشكل شموليّ، فعلينا: - الحضور للمسرح العربيّ والسينما.

- دعم الأدب والشعر.

- شراء المنتج الفنيّ الثقافيّ بشكل عام.

- حضور العروض الموسيقيّة المحليّة والعالميّة.

والأمر يواجه صعوبات جمّة منها

  • الاقتصاديّة، فأكثر من نصف السكان تحت خط الفقر.
  • المهنيّة كالافتقار لمناهج تعليميّة عربيّة، ولمشاريع إبداعيّة حداثويّة، من شأنها أن تخدم التجربة في الخلق وليس إعادة صياغة الموروث.
  • الانقطاع عن العالم العربيّ، والمواجهة الثقافيّة مع الحكومات الإسرائيليّة والتي تسعى إلى طمس الهُويّة لا إلى تعزيزها.

ما زال المشهد الموسيقيّ المحليّ يبحث عن نفسه ومكانته، ويحصل فيه تباعدًا عن الثقافة العربيّة الأصلانيّة، بشكل واعٍ وغير واعٍ على السواء، رغم كون هذا التباعد هو طبيعيّ وحاصل لامحالة في المجتمعات التي تخضع إلى هيمنة ثقافيّة وسياسيّة واجتماعيّة، أرى أن الموسيقا هي واحدة من أدوات التمرّد للحفاظ على الهويّة وتأكيد إرادة شعبنا الفلسطيني في الوجود.