هاشم غرايبة

وُلدت بين حربين عالميتين. في ذلك الزمن لم يكن أحد يهتم بتسجيل المواليد الجدد، ربما لأنهم غير واثقين من أن المولود سيكبر، فالفقر والأمراض وهوام الأرض بالمرصاد، لا يصمد أمامها الجبابرة، فكيف لمولود خداج أن ينجو.

الذي ينجو من الإسهال والحصبة والجدري يموت بعضّة أفعى، أو رفسة بغل، أو انهيار سقف.

ابن عمي نام على المصطبة أمام البيت، فنقر ديك عينه فصار أعور، وآخر أطفأ الجدري عينيه، وصديق لي ما زال يجر ساقيه من أثر شلل الأطفال.

لي أخ رضيع، خطفته (الشوحة) عن البيدر، فيما أمي منشغلة بفكّ حمل القش عن الناقة.

استيقظت في الصباح الباكر على رائحة الخبز، أحمل لكل حصّاد أربعة أرغفة، وكوب شنينة.

احتج أصغر الحصادين سناً، وقال: «كل يوم شنينة، قل لأبيك يكرمنا براس بصل مع الشنينة». طبعاً نقلت الطلب لأبي.

قطّب والدي جبينه، وقال: «اتفقت معهم على غموس واحد، لا غموسين».

في الحقيقة لم يكن لدينا بصل، ولا ما نشتري به البصل.. والحساب كله مؤجل لختام البيدر. لكن قلب الطفل لم يغفر لأبيه هذا الشحّ. وبسذاجة طفل، احتسبت ما حدث لأخي الرضيع عقوبة سماوية لتقصيرنا بتوفير البصل لذلك الحصّاد الشاب.

أبي ذهب لصلاة الظهر في المسجد، ووقفت أمسك رسن الناقة، بانتظار أن تفك أمي حمل القش، وتنهض الناقة، فأرجع بها إلى الحقل.

أخي الرضيع كان متروكاً في ظل شجرة التين على حافة البيدر، بانتظار أن تنهي أمي فك حمل القش عن الناقة. لترضعه ثديها.

لقد كان لي أخ اسمه نايف.

كان له اسم. وكان بصحة جيدة. كان مؤهلاً لأن يعقُط، وينطح. كان يمكن أن يكون هو من يروي قصته الآن.

رأيت ظلّ طائر الشوحة يحوم حول البيدر. نخر الحمار. ورغت الناقة. جمدت مكاني متوجساً من خطر لا أدركه. ركضت أمي إلى شجرة التين، وصرخت صرخة ملتاعة ما يزال وقعها يهزّ كياني، وأرتجف عند كل صرخة امرأة حتى لو صدرت عن أم كلثوم.

كان الطائر أسرع من أمي إلى فريسته. سمعت صوت اصطفاق جناحيه. وكان ظّله ثقيلاً بطيئاً وهو يقلع. كل الناس على البيادر فزعوا، وصاحوا مع أمي: شوحاااه.

صرخوا. قفزوا. رفعوا شواعيبهم في الفضاء. وصوبوا مقاليعهم إلى السماء. وأمي ظلّت تركض هلعة إثر الطائر الجارح، وتصرخ: «نااااااااااايــــــف»، حتى اجتازت الوادي. وغاب أخي الرضيع في الفضاء معلّقاً بمخالب الطائر إلى الأبد.

نهضت الوضحى، وبقيت مرعوباً جامداً مكاني. نهق الحمار، وظللتُ واقفاً ذاهلاً مرخياً الرسن من يدي..

يا للوحشة.

لمّا عاد أبي من المسجد، اسودّ وجهه، ونظر إلى السماء طويلاً. جمدت دموعه قهراً. ولم يعد بعدها للصلاة أبداً.

تخنقني العبرة الآن.

هل ستقطع رأس أبي يا أحمد؟

الآن أتساءل، لماذا تأخر وصول العجلة إلى بلدنا، أليس الطنبر الذي يجرّه حمار، يشيل أكثر من حمولة أربعة جمال يقودها جحش.

لي أخت وحيدة نجت من الموت. ربما لأن لها من اسمها نصيباً (ناجية الناجي)، وهي أكبر مني ببضع سنوات، لا أحد يهتم بتحديد كم هذا (البضع). هذه الأخت سيكون مهرها الذي بلغ عشرة دنانير منقذاً للعائلة في سنة الهربيد (1956)، واستطاع أبي دفع غرامة قدرها خمسة دنانير فرضتها الدولة على أهالي الرمثا (كانت الضريبة دينارين ونصف الدينار على الذكر، من الختيار الكبير للمقمط بالسرير)، إثر قمع التمرد الذي قاده الهربيد مطلع تلك السنة، وما لبث أن أعلن الهربيد «جمهورية الرمثا الديمقراطية الشعبية».

نعم يا سيدي، كنت وقتها جندياً في الجيش أخدم في قاعدة ماركا الجوية، وكانت عائلتنا موالية للملك ولحكومته الرشيدة، عندما ذهب أبي إلى المتصرّف معلناً ولاءه وبراءته مما جرى، وأن ابنه الوحيد جندي في الجيش. قال له المتصرف: «الرحمة تخصّ والغضب يعمّ. ادفع خمسة دنانير عنك وعن ابنك. أو ارحل عن الرمثا».

• مقاطع من رواية «البحّار»