د. عماد الضمور

يكشف عنوان هذه الرواية –الأخيرة لهاشم غرايبة- عن تمركزات فن السيرة الذاتية، وتغلغله في البناء النصي؛ ذلك أنه يُحيل إلى سيرة سليم الناجي، ممّا يعني وجود الشخصية الرئيسة، وما تستدعيه من أحداث، وما تثيره من أفكار ومسرودات ذات قيمة فكرية، وبنية نصيّة قادرة على التشكّل في فن إبداعي. ممّا يشي بتكثيف واضح في الرؤيا، والإنتاج النصي، ويكشف عن رغبة جامحة في مخاطبة المتلقي بمقصدية الخطاب وروحه الوثابة.

يقول «مارت روبير»: «الرواية جنسٌ لا قانون له»، وهي مقولة صالحة للانطلاق هنا في دراسة هذا العمل الإبداعي، إذ يظهر التداخل الأجناسي واضحاً بين المتخيّل الروائي والواقع الذي يحمله فن السيرة الذاتية، فنحن أمام رواية السيرة الذاتية إن جاز التعبير. وبينما تحتاج كتابة الرواية إلى أناة وصبر شديدين، فإن كتابة السيرة الذاتية تحتاج إلى سرد الواقع وتحرّي الصدق في ذلك. فيقترب الكاتب من الرواية عندما يعمد للسرد والوصف والحوار، بينما يقترب كثيراً من السيرة باستخدام ضمير المتكلم، والاعتماد على الذاكرة، وتوظيف الموروث الشعبي. والواقعية في تصوير الأحداث.

تتضمن الرواية عنوانات جزئية داخلها، تحمل إشعاعاتها الخاصة بحيث يشكّل كلّ منها بقعةَ ضوءٍ تتبدى دلالاتُها، وإحالاتُها قريبة من القارئ في ما يتّصل بوظائف وأدوار الشخصيات الواردة فيها، وتعدّ مفتاحاً لقراءة القصّة من خلال ما تحمله من تلميحات وقرائنَ ودلالات.

تعكس شخصية سليم الناجي قيمة فنية عالية تعكس الرغبة في الانتقال من جيل الهزائم إلى جيل الثورة التكنولوجية وتحديات العصر. إذ تقنّع الكاتب في روايته بشخصية سليم الناجي ليمزج بعض فن السيرة الذاتية بخياله الخصب؛ لاستدعاء ماضٍ أليم، وواقع منكسر، وحلم غائب، وقد يبدو سبب هذا القناع هو خشية الكاتب من ردة فعل المجتمع عندما يكون المكتوب صادماً وعالياً في صوته، ورغبته في الخلاص من أسر الواقع؛ فالكاتب عندما يشرع بكتابة روايته، فإن أول ما يخطر في باله هو الواقع وأحداثه، لكنه ليس مؤرخاً أو إعلاميّاً في نقله للأحداث، ممّا جعله يخترع شخصيات لم يُعايشها بالضرورة، أو أحداثاً لم تحدث معه، فيمنحها جزءاً من وجده، وروحاً من حلمه في لغة تتكئ على السرد، ممّا يجعلنا نطلق على نصه «رواية».

تعكس الرواية مظهراً من مظاهر المفارقة في الوجود التي يعيشها الإنسان في أسرته وفي مجتمعه، منطلقة من الذات المُهَمَّشَة التي تطلب الراحة، والسكينة وسط عالَمٍ متغيّر باستمرار.

تمتلك الرواية القدرة على الحضور بالإمكانات التعبيرية، والجمالية الخاصة بها، فضلاً عن قدرتها على إثارة الأسئلة الثاوية في الأعماق وتشخيص محدداتها واستنطاق كوامنها، فسليم الناجي/ الراوي دفع ثمن الخسارات وحالة النزف الذاتي، ونجح في الانتقال بالزمن محاولاً توصيف الواقع بالاتكاء على السرد، ممّا جعل النص يحمل سمات رواية السيرة، فما من كتابة للسيرة الذاتية إلا والنزف عنوانها، والحُلم ديدنها، فهي بذلك تتوق إلى المأمول، لكنها تنطلق من ماضٍ قابع في الذاكرة.

السيرة لا تخص الكاتب وحده، فهو لا يعيش منفرداً أو منعزلاً عن مجتمعه وعصره، ممّا جعل من كتابته شهادة على العصر الذي يعيش فيه. فيجمع سليم الناجي شتات نفسه منطلقاً إلى فضاء الحرية الواسع. وهذا ما جعل الكاتب ينزع منزعاً فلسفياً أحياناً يُمعن فيه بطرح أسئلة الوجود الحائرة التي تبحث في طبيعة الواقع وحقيقة ما يجري فيه من أحداث، وذلك من منظوره الخاص، ممّا أبرز اتجاهاً فكريّاً خصباً في الرواية.

لقد أراد الكاتب من روايته تحقيق قدر أكبر من التوافق والاتزان مع واقعه، إذ تتيح له كتابة رواية السيرة الذاتية عيش حياته الداخلية والخارجية من خلال استدعاء الذكريات والكشف عن متناقضات الواقع، وتأمُّل ذاته العميقة بما فيها من ثراء داخلي يمثل عالماً أصغر لكنه مدهش بكلّ معنى الكلمة.

لقد نجح الكاتب في التخلص من ذاتيته باللجوء إلى البوح، إذ يبدو صوته مسموعاً بقوة، فيتخذ مقابل كلّ ما يروي مكاناً مزدوج الحضور، يرتب من خلاله الأحداث متناً ومبنى بوصفه كائناً يعيش داخل المتن المروي، فيكشف عن عذابات السنين، ويخترق الحواجز بحثاً عن حرية مشتهاة.

تُثير قراءة رواية السيرة في العادة عند المتلقي العادي/ النمطي نوعاً من الإرباك؛ ذلك أنها تجمع بين واقعٍ من خلال فن السيرة، وتنزع إلى المتخيّل من خلال كتابة الرواية، وسرد الأحداث وصياغة الرؤية الفكرية، وطبيعة التشكيل الفني للأحداث، لكنها من ناحية أخرى تبعث حالة من النشوة والرغبة في الربط والاستنتاج عند المتلقي المنتج للنص القادر على سبر مكامنه العميقة.

إذ يتّصدى هذا المتلقي لمحاولات الإيهام بالأحداث والشخوص التي يلجأ إليها كاتب رواية السيرة، كما إنه يستند إلى ثقافته لمحاولة ترميم جزء من الأحداث الغائبة في الرواية بعيداً عن مراوغات الكاتب وإمعانه في التخييل الذاتي، ممّا جعله يُعيد إنتاج الواقع ضمن شروط خاصة تضمن له إشادة بناء روائي متماسك.

تزخر الرواية بأحداث سياسية واجتماعية واقتصادية خصبة، وبمراحل تاريخية مختلفة، تعكس ثقافة الكاتب الواسعة والمتنوعة ومعايشته لكثير من هذه الأحداث، ممّا يعزز من حضور السيرة الذاتية بثوب روائي جميل. فنقرأ ملامح «الربيع العربي» وتشظياته، ونرصد كثيراً من الأحداث السياسية المعاصرة وانهيار المشروع القومي.

تتميّز لغة الرواية باستدعاء الموروث الشعبي، إذ يظهر النص الروائي وثيق الصلة بالأحداث الواقعية التي عاشها الشاعر، فهو لا يستدعي النصوص الشعبية، أو الأغاني، والأمثال، كما هو معروف في بقية الأجناس الأدبية، بل يبدو الموروث الشعبي جزءاً من الواقعة المسرودة، دون تحوير للنص، أو إضافة لما اختزن في الذاكرة.

لقد انسربت من موروث الشاعر الشعبي تقاليد مجتمعه، وعاداته الاجتماعية، ممّا جعلنا نحتاج أحياناً إلى معجم للألفاظ الشعبية والمورث الثقافي لنفسر كثيراً من الحوارات في الرواية أو عندما يعمد الكاتب للبوح الذاتي.

ونجح الكاتب نجاحاً واضحاً في رسم معالم شخصية سليم الناجي الذي أراده نموذجاً للإنسان النقي البسيط البعيد عن ملوثات العصر الفكرية والمادية، فهو إنسان ينشد الحرية والخلاص من قيود الواقع. حيث الاعتماد على الذاكرة الذي بدا واضحاً في الرواية، إذ يمتاز نص الذاكرة بحميميته وقربه من المتلقي؛ لأنه يعكس حدثاً أثيراً في حياة المبدع لا يلبث أن تنتقل عدواه للمتلقي عندما يواجهه الكاتب بالصدق والجرأة والبوح المباشر؛ ليحقق تواصلاً مقبولاً معه يصور من خلاله معالم تجربة حياتية، ويقدم للمتلقي تفسيراً لجوهر وجدان السارد، فالسرد قاسم مشترك بين جميع الفنون الأدبية، يقع في فضاء تخييلي لا يمنع الأنا الساردة من الالتزام بمبدأ الصدق. ذلك أن متعة رواية السيرة ليست في ما تعكسه من أحداث، بل في القدرة على تلقيها تلقيّاً إبداعيّاً، فمن الصعب أن نجعل سيرة الحياة عملاً فنيّاً ما لم نعرض تأثير الأحداث والمجتمع في البطل.