د. دلال عنبتاوي

يشكل العنوان العتبة الأولى لأي عمل إبداعي، فهو الذي يقود إلى فتح مغاليق النص والكشف عن جمالياته وأسراره. ولقد كان العنوان حاضراً في ثنايا مجموعة «الأزهار تموت في آذار» للشاعر محمد نصيف، وفي طيات نصوصها كذلك، وسواء أكان هذا الحضور حرفياً أم من خلال إشارات توحي إليه وتدل عليه، فقد جاء ليعبّر عن أبعاد إنسانية تكثفت دلالاتها في العنوان والنصوص، حيث نجد أنّ دلالات العنوان وردت في اتجاهات مكثفة داخل متن النص.

ولقد بُنيت دلالة العنوان على ارتباطه الوثيق بالحياة، وقد نجح العنوان في تحديد مقاصد الشاعر، وهذا يؤيد رأي «شارل جريفال» من أن وظائف العنوان تتحدد في ثلاثة أمور: التحديد، والإيحاء، ومنح النص قيمته. وزيادة على ذلك ما قاله «بارت» من أن العنوان يفتح شهية المتلقي لقراءة النص. لذلك جاء عنوان هذه المجموعة منسجماً مع شكل غلافها وألوانه التي تدرجت ما بين اللونين الأخضر والأصفر ودرجاتهما، لتعطي للعنوان سلطة ووقعاً خاصاً على عين المتلقي حين تحدق به.

فالأزهار هي المسيطرة في الشكل والمضمون، وهي طاغية الحضور حين حضرت في شهر آذار، شهر بداية الربيع الذي يتفتح فيه النوّار زهراً بعد أن شرب ماء الشتاء. ومن هنا يطل الزمن من العنوان ملقياً بظلاله وإيحاءاته الخاصة متكئاً في تركيبته على الجملة الاسمية والتي بدا فيها موقع الزمن وحدوده من خلال شهر آذار الذي ذكرته معاجم اللغة بأنه من الشهور السريانية أو الشهور الرافدية وأصل تسميته من اللفظ البابلي ويُعتقد أنه مشتق من فعل يعني الصوت العنيف الذي تسببه عواصف هذا الشهر.

آذار زمنٌ ووقت مستقطع من فصل من فصول العام التي يتراكم الزمن على أهدابها، لكنه في هذه المجموعة زمنٌ يضع في نهاية العبارة نقطة وبداية سطر جديد، وذلك حين يأتي الفعل «تموت»، وهو فعل زماني قاسٍ يحمل النهاية والانتهاء والخاتمة والجفاف لتلك الأزهار التي تنتهي وتجف وتذوي ومن ثم تموت بعد أن كانت قد أينعت زمناً بعد هطول المطر وفرحت به وأزهرت، وقد كان الأولى بها أن تتفتح وتزهر وتعطي للربيع معناه الحقيقي، لكنها –للأسف- ماتت.. ماتت حين جاء آذار. وهنا تكمن المفارقة، فآذار كان الأولى به أن يهبها الحياة، فهو الذي يختبئ به نيسان موعد انطلاقة الربيع وإطلالته المتميزة المعبرة عن اكتمالها ونضجها.. وتظل العبارة مفتوحة على الكثير من الأسئلة، ولعل أهمها: لماذا ماتت الأزهار في آذار بدلاً من أن تتفتح وتتهيأ للربيع؟ ثم تجيء عبارة الإهداء بـ «إلى» متبوعة بنقاط تعبّر عن الفراغ والمجهول، يقول الشاعر محمد نصيف:

«إلى...

التي علّمتني أبجدية الحبّ

وأدركتُ من خلال عطائها اللامتناهي

أن جمال الأشياء لا يمكن أن نبلغه

إلّا عندما نعطي بلا انقطاع».

إن بداية الإهداء بحرف الجر «إلى» متبوعا بنقاط الفراغ، تشي بأن هذا الإهداء جاء لمجهول أو مجهولة ما، وهو موغل في الغموض.

جدلية الزمن والحب

يقول الشاعر في تقديمه لقصيدة «الأزهار تموت في آذار»: «في شهر أذار التقينا لتخبرني أنها أُجبرت على الارتباط برجل آخر». ولعل هذا ما يفسر موت الأزهار أو ما يجد لها مبرراً للموت.

لقد جاء عنوان المجموعة زمانياً بامتياز. يقول الشاعر في القصيدة:

«أأرجعُ اليومَ منفيّاً بلا وطنٍ

فيقتلَ الحبَّ غدراً طبعُـكِ الناري

موتٌ ربـيعي فلا عطرٌ يجودُ بهِ

روضٌ ولا سُحُبٌ جادتْ بأمطارِ

كـلُّ الـزهــورِ بآذارٍ ولادتُـهَـا

إلّا زهـوري أنا ماتَـتْ بـآذارِ».

إن العلاقة بين الزمن والشاعر علاقة تبادلية، والمخيال الشعري تعبير عن انثيالات الزمن الذي هو من أهم عناصر الإلهام الشعري. ومن المعروف أن قضية الزمن مرتبطة بحياة الإنسان في كل مراحلها من الطفولة فالشباب فالمشيب، ثم إن الإحساس بالزمن إحساس فطري، فالإنسان يتشبث بالزمن بوصفه رمزاً للحياة ويرفض الموت، ويختلف تأثير الزمن في الإنسان بحسب التجارب والأحداث التي يمر بها وقدرته على التعبير عنها.

إن تيار الزمن يسري بقوة في هذه المجموعة شكلاً ومضموناً. ويمكن البحث في الزمن بوصفه مظهراً شعرياً ملحّاً يتقاطع ويتقارب مع كثير من المضامين، ولعل أهمها هنا الحب، لأن قضية الزمن قضية تضج بالحيوية وتنبض بالحب وبالحركة الموارة.

يقول «برغسون» في خصوصية الزمن: «ما من أحدٍ كالشاعر يحسّ بخصوصية الزمن». ومن هنا فإن الزمن في هذه المجموعة ذو أهمية خاصة، حيث شكل ثيمة رئيسة في أحداث النص وصنع سياقاته متعدياً الزمنَ المعتمد على اللحظة المعاشة المرتبطة بالوقت ومتكئاً على الزمن المسترجع أو المستعاد من الذاكرة البعيدة في كثير من إشاراته، فقد جاء هذا الزمن المعيش ليعبّر عن الزمن النفسي وما ينساب من خلاله من وعي أو لاوعي معتمداً في بنائه على إشارات زمنية لها اتصال روحي بعالم الشاعر الداخلي محققاً من خلالها بنية النص الزمانية الشعرية ومحلّقاً في بنيته الزمانية الموضوعية. يقول الشاعر في قصيدته «لقاء بعد خصام»:

«مرّتْ على الناسِ أعيادٌ معطّرةٌ

إلاّ أنا مِنْ دهورٍ أرتجي عيدي

أشقى إذ الناسُ بالأفراحِ لاهيةٌ

سنينَ لمْ تحظَ أحزانيْ بتجديدِ

فحاصرَ اليأسُ أحلاميْ وضيَّعَها

حتى اكتستْ بالأسى أحلى أناشيدي

متى ستصفو ليالينا ويُبهجُها

قطفُ الأماني وألوانُ الأغاريدِ».

إنّ الزمن الذي تؤسسه هذه القصائد هو زمن إبداعي يشي بالكثير من الرؤى والدلالات، وشتّان ما بين الزمن الوجودي الإبداعي والزمن المادي اللاإبداعي، إذ إن من طبيعة الزمن الإبداعي التحول والتكثيف وشدة الإيحاء، في حين أن الزمن اللاإبداعي يبنى في حيز زمني ثابت لا يحيد عنه. والزمن في حد ذاته تجربة تصعب عقلنتها كما يقول «بوب ويلسون».

تشتمل هذه المجموعة على الكثير من الإشارات الزمانية، من مثل: أيامي الخوالي، جراح أمسي، الأيام، الفجر، الليل، أيام الهوى، الدهر، السنين، العمر، أيامي. ويتجاوز عددها 100 لفظة تقريباً، وقد ارتبطت أغلب الدلالات ومفردات ذاك الزمان بالماضي. يقول نصيف في قصيدة «ذاكرة الأمس»:

«مِمّا حَـمَـلْـنـا اليراعُ اليومَ يَـبـكـيـنـا

إمّـا يُـدوّنُ حـزنـاً كان يُـشـقــيــنـا

وحـسـرة تعتري أضلاعَـنا حـرقـاً

إذا دجـا اللـيـلُ والذكرى تـناجـيـنا

نشاغلُ الوجـدَ كي ننسى ويا أسفاً

فالـوجـدُ حاضرنا الباكي وماضينا

نصارعُ السّهد كي نغفو فكم تعبتْ

عـيـونـنـا ودموعُ الـشـوقِ تكوينا».

يلاحَظ أن اقترانات الزمن في هذا المقطع جاءت معبّرة عن الحب المقترن بالوجع والحزن سواء أكان في الزمن الماضي (كقول الشاعر «وحسرة تعتري أضلاعنا حرقاً/ إذا دجا الليلُ والذكرى تناجينا»)، أو في استمراره وإلقاء ظلاله حتى على اللحظة المعيشة، حيث يقف زمن الحب حزيناً وعلى مفترق زمنين (الوجد حاضرنا الباكي ماضينا). إنه حب يترعرع وينمو محاطاً بزمن يختلط فيه الوجد بالبكاء. فالزمن هنا جاء كإشارات متقطعة متداخلة ما بين الماضي والحاضر وما بين الغياب والحضور. وقد اعتمد الشاعر في إشاراته للزمن في هذه المجموعة على تقنية «الاستعادة»، حيث العودة إلى الماضي من خلال استدعائه وتذكره كأنه حاضر يعاش.. يقول في قصيدة «عودي»:

«وأصـارعُ الـلحـظـاتِ من لهفٍ

تغـتالـني الحـسـراتُ والـضجـرُ

كمْ عـدتُ لـلـذكــرى أسـائـلهـا

هل ترجعُ الـضحكاتُ والـسـمـرُ

يومَ احتسـينا خـمـرَ فـرحـتِـنـا

بـحـديـقـةِ الــزوراءِ نـســتــتــرُ

يا فـرحة ً بيد الهوى قَـرعَـتْ

بـابَ الـمنى وصَفـا بها الـعـمـرُ

عـودي فـمـا أقـوى على ألـم ٍ

عـودي لـقـدْ أضـنـانـيَ الــكــدرُ».

إن المشهد الشعري في هذه القصائد مبني على استرجاع الأزمنة الماضية بأبعاد مشهدية بانورامية مفتوحة على كم هائل من الدلالات. لقد وظف الشاعر في هذه النصوص تقنية الزمن توظيفاً قوياً ودقيقاً، فشكل الزمن في نصوصه عنصراً مهماً، حيث يأخذ الحب والزمن طابعاً تراجيدياً من خلال اتكائه كذلك على الطبيعة ومكوناتها في إيصال الصورة الفنية إلى قمتها من حيث معايشتها وتركها تصور الحب والزمن وكأنهما مجدولان بإيقاع خاص. فيعبّر عن ذلك في قصيدة «سؤال وجرح» قائلاً:

«كـلُّ الجـراح وإن طـال الـزمـانُ بـهـا

تـنـامُ إلا جـراحي فــيــكَ لـمْ تَـنَـمِ

كمْ كنتَ تـجـحـدُ أشـواقـي وتُهـمـلهـا

وكمْ نـسـيـتَ مكاتـيـبـي وطـعـمَ فـمي

أضـعــتَ أجـمـلَ أيـام الـهـوى وأنـا

آثـرتُ صـمـتـيَ كـي تـبـقـى ولـمْ ألُمِ».

لقد أكسب الزمن المؤلم النصَّ بعداً وجدانياً مؤثراً ومثمراً على مستوى البناء والتركيب. والحديث عن بنية الزمن في نصوص الشاعر محمد نصيف يبين مدى تماسك النص فنياً وحسياً، حيث أخذ الزمن عنده في هذه المجموعة بؤرة مركزية لأغلب القصائد.

ولا بد من الإشارة إلى أنه ليس هناك قطيعة مع المكان في المجموعة، فهو الآخر حاضر بكل ثقله، وكثيراً ما جاء متداخلاً وممتزجاً مع الزمان، فنحن لا نستطيع أن نفصل المكان عن الزمان، ولا يمكننا إدراك قيمة الزمن إلا بإدراكنا علاقته بالمكان، فهو من الأدوات المهمة في بناء النص. وهذا دليل على أن تجربة الزمن هنا مبنية على زمن متحرك على أكثر من رؤية ومدلول وتتقارب مع المكان كثيراً، إذ لا انفصال في عالم الإبداع بين الزمان والمكان، فأحدهما ثابت والآخر متحرك. ولأن الحقيقة الفيزيائية تقول إن حركة الزمان ناتجة عن حركة المكان، فإن للمكان أيضا بعده المؤثر في عامل الزمن. ومن هنا جاء زمن هذه المجموعة متحركاً مهيئاً لنقطة أخرى هي الانطلاق لزمان جديد يخرج من دائرة الماضي إلى المستقبل .

الزمن في بعدَيه الموضوعي والوجداني

إنّ الزمن الذي ظهر من خلال مفردات القصيدة جاء واضحاً معبّراً عن ذات الشاعر وهمومه، لأنه متموضع في صميم وقلب اللغة، لذلك ظهر الزمن الوجداني أو النفسي الذي شعر فيه الشاعر بالأشياء التي لا يملك القدرة على تغييرها، وتحديداً في التعبير من خلال لفظتي «الفراق» و»الموت».

وما يهمنا هنا هو ما يتعلق بالزمن الوجداني والنفسي، لأنه مادة الحب الأولى، وهو البؤرة الفنية التي تنطلق منها وإليها رؤى الشاعر في تكوين النص وتشكيل صوره التي يكتبها فيه، أو إحساسه بها. إنها علاقة لا تتم بمعزل عن حضور البناء الدرامي للنص، فالزمن هو الذي يشكل التجربة بكل منحنياتها وأشكالها وانفعالاتها، ولأن تأثيره في النص يعدّ عاملاً مهماً، فلا يتقنه إلّا شاعر متحكم بأدواته الشعرية، ويظهر ذلك من خلال التحكم بإطار الزمن، ولذلك فإن الشاعر لا يستطيع تشخيص الزمن في معنى وصورة فقط، بل من خلال التعبير عن وظيفة النص الحركية، التي تجعلنا نشعر بحركة القصيدة وتطور عناصرها وانتقالها من مرحلة إلى أخرى.

إن للبعد الموضوعي والوجداني في الزمن أثرهما الكبير في تحفيز الشاعر للوصول إلى اللّحظة الإبداعية، ففي بداية النص ونهايته مسافة زمنية تبين قدرة الشاعر على القول، فهي مسافة مدركة زمنياً وجمالياً. وإن لإبداعها في نص الشاعر دوره الكبير في حضور روحه وفلسفته، فعندما يقوم الشاعر بالضغط على عنصر الزمان والمكان، فإننا نرى حضور الابداع بكل حالاته. يقول الشاعر في قصيدته «صحائف مهجورة»:

«الآهُ يـسـبـقُ نـطـقـَهـا جــمـــرُ

والـروحُ حيــرى خــانها الصّــَبرُ

لهـواً مــلأنـا العــمرَ يجــمــعـنا

حــبٌّ وعشــقٌ ضــمَّهُ الصَّــدرُ

بيــنَ الـــورى دارتْ حـكايــتــُنا

أقصـوصـةً قـد لفّـَـها السَّــحـرُ

قِصــصُ الهــوى تفــشي صبـابتـَنا

عشــقاً جمــيلاً كــلُّهُ طــهــرُ

تغفـو الــهـمومُ عـلى مضـاجـعـِنا

والصـبحُ لـم يُنــبئْ بــه فــجرُ».