يوسف حامد أبو صعيليك

أرّقته الرؤيا، وحيّرت لبّه، أتكون رسالة من السماء لم يستطع سبر غورها؟ أم إنها أضغاث أحلام.. مجرد أضغاث؟ لم يحر يوماً في حياته كما يحار الآن، وهب أنها رؤيا، فأيّ معني يختفي وراءها، وأيّ مقصد؟ إنها المرة السابعة ولا راحة معها.

وطرق باب شيخ الزاوية باحثاً عن التأويل، قال الشيخ:

- أي بني، الحلم لا يتكرر كل هذه المرات، هذا من صفات الرؤى، فأعلمني، فلعل المولى -سبحانه - يُظهر السر، ويأذن بإخراج المعنى.

أغمض عينيه وقال:

- لا أرى في المنام سوى البياض، بياض يلف كل ما حولي، فأشعر باغتراب الروح، وأحس بوحشة المكان رغم سكينة البياض، و أصرخ مستنجداً دون مجيب سوى الصدى، ثم يأتي بعد ذلك كالرعد، يأتي الصوت من كل الجهات يدوي في أذني: (هو باسمها دون اسمك، إنْ علاه اسمك اسودّت الصحيفة وبطل العمل، فاغسل القلب، وأعطِ صفيّة حقها).

قال الشيخ مستفسراً:

- ما المُلْك الذي استحقته صفيّة في هذه الرؤيا؟

قال:

- لقد بنيت مسجداً ليكون وقفاً لله، وجلبت له كل ما يتم كماله، ويغطي النقص فيه، وجلبت له الرخام الفاخر، والفرش البديع، واللون الساحر، ليكون قبلة الأنظار في البلدة، ومحط عين الرائي، وأنفقت عليه أموالاً تكاد لا تحصى، وما إن قرت به عيني عند قرب التمام حتى بدأ هذا الحلم يؤرقني، ويقلق راحتي، ويطلب مني تركه لِصفيّة هذه.

هز الشيخ رأسه وقال:

- ومَن تكون صفيّة هذه؟

قال بحيرة:

- لم أسمع بهذا الاسم قبل ذلك من حولي، ولا أعرف امرأة في البلدة تحمل اسم صفيّة.

أطرق الشيخ هنيهة، ثم قال:

- قم يا ولدي وابحث عن صفيّة هذه، فما أظن النبأ اليقين إلا معها، وما أظنها بعيدة عنك.

وفكّر ثم قدّر: «إن كانت صفية هذه كائناً له وجود، فبأيّ حق استحقت هذا التكريم، وبأيّ سلطة تسلب مني ما سعيت فيه سنين كدّاً كي يحمل اسمي في العالمين؟ وَيحي إذن إن ظهرتْ».

ونام ليلتها يستعجل الحلم، لا حباً في مقدمه، وإنما أملاً في ظهور العلامة التي تقرّبه من الأسباب، وتفضي به إلى مقام المعرفة، وإن كان كارهاً لساعةِ سلْبِ الاسم منه.

واستيقظ فزعا كعادته، مصفرّ الوجه قد جفّ حلقه، فأخذ يطلب الماء ليزيل أشواك العطش.

قالت زوجه متذمرة:

- ألن تنتهي كوابيسك؟

- ليتها توصل المعنى..

وعاد يستلقي على وسادته ليبحث عن سكينة ما في النوم.

في الصباح راح يتفحص ما بقي من أعمال في المسجد، يرقب ما آل إليه البناء، فأخذ يراقب العمال وعيناه تبحثان عن شيء آخر، ويستمع إلى صخبهم وشكواهم وأذناه تبحثان عن الإجابة في ما حولهم، والنفس تحدثه بالمنى: غداً سيشير القوم بأيديهم إليه، مسجد لم يبنَ مثله، روعة لا تضاهيها روعة الأبنية.. أُسس على ألق يضيء اسمه.. لن تسرق صفيّة الحلم ولو ثبت أنها رؤيا.

وأفاق على صوت كأنه آت من عالم الأحلام:

- كيف حالك يا خالة صفيّة؟

أتراه حقيقة، أم إنه ما زال يحلم؟

وجاءه صوت متكسر لامرأة عجوز:

- بخير والحمد لله.

واقترب من صاحبة الصوت تربط الدهشةُ لسانه والقلقُ جنانه، كانت عجوزاً تتكئ على عصا، تكتسي البياض، تشع الوضاءة من وجهها، يحيّرك وقارها؛ أهيبةُ الشيخوخة، أم كبرياء الصلاح، أم كلاهما؟

قال مندهشاً:

- أأنت صفية؟!

قالت مبتسمة:

- أنا هي..... بعظامها وعصاها.

- أخبريني يا صفية من أنت؟

أجابت وبدت على وجهها سيماء الاستغراب:

- أنا واحدة من الناس.

- أأنت العابدة الزاهدة، أم إنك من عامة الناس وفقرائهم، أم من أغنيائهم؟

قالت مستنكرة:

- أتهزأ بي يا سيدي، وماذا ترى أنت؟

- هيئتك توحي أنك من عامة الناس.

- إذن فلماذا تتعب نفسك بالأسئلة؟

- فماذا فعلتِ إذن كي تنالي كل هذا الثناء في الرؤيا؟

قال وكأنه يفكر.

قالت:

- أيّ رؤيا؟!

قال:

- لا عليك مِن هذا، ولكن أخبريني؛ هل قدمت شيئاً ما لهذا المسجد من قبل؟

عادت للابتسام، وقالت:

- وماذا سوف أقدم يا سيدي له وأنا فقيرة الحال، لا أملك من حطام الدنيا شيئاً كما ترى..

قال:

- لا بد أن تتذكري، فلعلك تساعدين بعض عمالي في العمل؟

- ما زلتَ تصر على السخرية مني، وأنَّى لعجوز شربَ ماءَ نضارتها الدهرُ، وتركتها الأيام عرجوناً قديماً، أن تساعد أحدهم.

- لا بد أن تتذكري شيئاً فعلتِه.

ووقفت العجوز تفتش ذاكرتها وتعصرها علَّ فيها ما يسعف الخاطر، غير أنها عادت لتهز رأسها قائلة:

- لا شيء يا سيدي... لا شيء.

وتركته وعادت لتتابع سيرها إلى حيث تقصد.

جلس على صخرة قريبة منه، يفكر في كل ما حدث، تآكل عقله الحيرة متسائلاً: أتكون المعنية صفية أخرى؟ أم إن هذه الصفية زاهدة تخفي حالها ورعاً وتقوى؟ أم هو الوهم الذي بدأ يسيطر عليه:

- هو الوهم إن شاء الله.

وانفرجت أساريره لهذا الخاطر، وأخذ يتابعها بنظره، تتدرج في سيرها متكئة على عصاها.

«ليكن الوهم» قال مردداً.

توقفت العجوز، وأخذت تحرك كفها اليسرى محوقلة بصوت مسموع، ثم التفتت إليه ونادت:

- هل لك إلى أن تأتي إلي؟

قام وأقبل عليها متسائلاً:

- خيراً إن شاء الله؟

- ذات ليلة مررت بالمكان، كان هناك برذون من البهائم التي يحمل عليها العمالُ الطوبَ مربوطاً بعمود خشبي، تكاد روحه تزهق من العطش، كان يحاول الوصول إلى دلو الماء غير البعيد قد منعه عنه قِصَر الحبل المعقول به، فقربتُ إليه الدلو حتى استطاع أن يشرب، وجعلت أراقبه حتى ارتوى، هذا كل ما أذكره.

انفرجت أساريره، أفرحاً أم حزناً، ليس يدري، لكنه انطلق مسرعاً إلى شيخ الزاوية.

قال الشيخ:

- أعدتَ بغنيمة؟

وقصّ عليه القصص.

قال الشيخ:

- هو ذاك.

قال متحيراً:

- أهو تفسير الماء بالماء؟ زدتَ الأمر خلطاً أيها الشيخ.

قال شيخ الزاوية:

- أجبني بصدق دون مراوغة كي تفهم المعنى، أقصدتَ بمسجدك هذا الله، أم إنك أردت الشهرة؟ الصدق أرجو.

حار في ما يجيب الشيخ، لكنه استدرك:

- ولمَ لا أجمع الهدفين؟

- لا تجتمع النيتان، لكنك أردت شهرة الاسم حتى يقال (بنى فلان المسجد)، أمَا سألتك الصدق؟

- بلى يا سيدي، هو ذاك.

- أما صفية، فلم تقصد سوى وجه الله، فقدمت ما قدمت دون رياء، ولم تطلب شيئاً مقابل رأفتها بالبغل، فنعمت بالرضا من مولاها.

استمع الرجل إلى كلمات شيخ الزاوية وهو لا يكاد يعقلها، وقام يمشي إلى الباب وهو يضرب كفاً بكفّ.