عبدالعليم الحجار *

إذا كانت أيقونة الغناء العربي السيدة فيروز قد حملت لقب «جارة القمر» بفضل عنوان إحدى أشهر أغانيها، فإنه يجوز لنا هنا أن نُطلق على كل رئة من رئتي الإنسان لقب «جارة القلب»، حيث أن الرئتين هما جارتا القلب المباشرتان اللتان تتقاسمان معه القفص الصدري، بل أنهما تحتضناه فعليا.

وعندما تستنشق هواء الشهيق، تسري كمية من الهواء من خلال أنفك إلى قصبتك الهوائية التي تنقسم في نهايتها إلى سبيلين يتفرع كل واحد منهما في داخل إحدى رئتيك إلى قنوات أصغر تُسمى القصيبات الهوائية، ومنها يسري الهواء في تفريعات أصغر تسمى الشعب الهوائية، ومنها إلى ممرات أصغر اسمها الشعيبات الهوائية، ثم يصل أخيرا إلى أكياس صغيرة ورقيقة تُسمى الحويصلات الرئوية.

وفي نهاية مطاف كل شوط من أشواط الشهيق، تمتلئ الحويصلات الهوائية الموجودة في رئتيك بالهواء. وعند هذه النقطة يتم تبادل الغازات من خلال الشعيرات الدموية في عملية «تسليم وتسلُّم»، حيث تمتص خلايا الدم الأكسجين وفي الوقت ذاته تقوم بتسليم غاز ثاني أكسيد الكربون. وبينما تخرج عوادم ثاني أكسيد الكربون إلى خارج الجسم مع هواء كل زفير، فإن الدم المحمل بالأكسجين يواصل رحلته عائدا إلى القلب مرة أخرى كي يضخه إلى سائر أعضاء الجسم ليمنحها احتياجاتها من الأكسجين.

وتشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أن اعتلالات واضطرابات الرئتين والجهاز التنفسي هي من الحالات المرضية الأكثر شيوعا وتنوعا وتعقيدا على مستوى العالم، بل وأيضا على مستوى الفئات العمرية حيث إن نطاقها يمتد «من المهد إلى اللحد» في صورة مشاكل تنفسية متنوعة ومتفاوتة الدرجات يعاني منها حاليا نحو مليار من البشر.

ومثلما تتنوع أمراض الرئتين والجهاز التنفسي، تتنوع أيضا مسبباتها بين المورثات الجينية والتدخين والالتهابات الناجمة عن العدوى الجرثومية والملوثات البيئية الهوائية.

في ضوء ذلك، نستعرض في حلقة اليوم أبرز الأمراض والمشاكل الصحية التي تصيب الرئتين والجهاز التنفسي، مع شرح موجز لكل مرض...

أمراض الحويصلات الهوائية

في نهاياتها، تتفرع القصيبات التنفسية إلى أنابيب دقيقة تُسمى الشُّعيبات الهوائية، والتي تنتهي كل واحدة منها عند تجمع أو تكتل من الأكياس الصغيرة جدا تُسمى حويصلات هوائية. وتُشكل هذه الحويصلات معظم أنسجة الرئة، ويتم فيها التبادل الفعلي للغازات (الأكسجين وثاني أكسيد الكربون). ومن بين الأمراض الشائعة التي تُصيب الحويصلات الهوائية:

• سرطان الرئة: هناك أنواع عدة من سرطان الرئة، ويمكن للإصابة السرطانية أن تنتشر في أي فص من فصوص الرئتين. وفي معظم الحالات، يظهر سرطان الرئة في داخل أو حول الحويصلات الهوائية التي تشكل الجزء الرئيسي من الرئة. وتعتمد طريقة علاج سرطان الرئة على نوعه ومكان ظهوره ومدى انتشاره.

• الزُّحار (تغبُّر الرئة): الزُّحار هو مجموعة من المشاكل الصحية التي تنجم عن استنشاق مواد سامة أو ضارة تضر الرئتين. ومن أمثلة ذلك مرض الرئة السوداء الذي ينتج عن استنشاق غبار الفحم، ودَاءُ الأَمْيَانت الذي ينتج عن استنشاق غبار مادة الإسبستوس.

• متلازمة الضيق التنفسي الحاد: هي مجموعة أعراض تنجم عن إصابة حادة ومفاجئة للرئة وتحتاج هذه الحالة إلى عناية طبية مكثفة (الإنعاش) مصحوبة بوسائل التنفس الاصطناعي من أجل ابقاء على المريض على قيد الحياة إلى أن تتعافى رئتاه.

• السُّل (الدرن): سببه الرئيسي هو أي نوع من أنواع البكتيريا المتفطرة السُليِّة، وهو هو أحد أخطر أشكال الالتهاب الرئوي ويتسبب في خروج دم مع السعال. وفي حال عدم معالجته سريعا، فإنه يتطور وينتشر ببطء تدريجي إلى أن يتسبب في وفاة المريض.

• الاستسقاء الرئوي: تنشأ هذه الحالة عندما تتسرب سوائل إلى الحويصلات الهوائية والمنطقة المحيطة بها، ثم تشكل تجمعات تشكل في مجملها ما يسمى «استسقاء رئوي». وينشأ أحد أشكال هذا المرض عن فشل القلب وعن الضغط الذي ينجم عن ذلك الفشل في داخل الأوعية الدموية الرئوية. كما قد ينشأ هذا المرض بسبب تعرض الرئة إلى إصابة أو صدمة مباشرة تتسبب في تسرب سوائل من الشعيرات الدموية.

• الالتهاب الرئوي: ينجم عادة عن عدوى بكتيرية تصيب الحويصلات الهوائية، ويسبب آلاما حادة في الصدر وخصوصا عند السعال أو العطس.

أمراض الأوعية الدموية الرئوية

تجلب الأوردة الدموية الدم غير المؤكسج إلى الشق الأيمن من القلب، ومن ثم يقوم هذا الشق بضخ ذلك الدم إلى منطقة تبادل الغازات في محيط الرئتين من خلال أوعية دموية رئوية خاصة. وقد تصاب تلك الأوعية الدموية بأمراض، من بينها:

• ارتفاع ضغط الدم الرئوي: هناك سلسلة من الاعتلالات الصحية التي يمكن أن تسهم أو تتسبب مباشرة في ارتفاع ضغط الدم الرئوي. وتكون أعراض ذلك متمثلة عادة في ضيق في التنفس وآلام في الصدر على شكل وخز مؤلم. وعند العجز عن تحديد سبب هذه الارتفاع، فإنه يُسمى حالة «إرتفاع ضغط دم شرياني رئوي مجهول السبب».

• الاحتشاء الرئوي: أحيانا، قد تتفتت خثرة أو جلطة دموية ثم تنتقل إلى القلب. وعادة تكون مثل هذه الجلطة قد تشكلت أساسا في الوريد العميق في الساق، ولهذا السبب فإنها تسمى «جلطة الوريد العميق». وبدوره، يقوم القلب بضخ تلك الجلطة مع بقية الدم إلى محيط الرئتين حيث تستقر هناك لبعض الوقت في الشريان الرئوي، فتكون نتيجة ذلك حدوث احتشاء (انسداد) رئوي تتجلى أعراضه في ضيق التنفس وانخفاض مستوى الأكسجين في الدم فضلا عن أعراض أخرى. وعندما يصبح ذلك الاحتشاء مزمنا، يصاحبه سعال مخاطي كثيف وشبه دائم.

أمراض المسالك التنفسية

مسالك التنفس هي جميع القنوات التي يسري فيها الهواء خلال عمليتي الشهيق والزفير، وهي تشمل القصبة الهوائية وجميع تفريعاتها، وصولا إلى الشُعب الهوائية الدقيقة. ومن أبرز الأمراض التي تُصيب تلك المسالك:

• الربو: يتسبب في التهاب مسالك التنفس وتشنج الرئتين بشكل متكرر ومستمر، ما يسبب ضيقا في التنفس مع صدور أصوات صفير وخرخشة. وتتسبب مسببات الحساسية (كحبوب اللقاح، والملوثات في الجو) في استثارة أعراض الربو.

• الانتفاخ الرئوي: التلف الذي يصيب أنسجة الرئة بسبب مرض الانسداد الرئوي المزمن يؤدي إلى احتباس الهواء في داخل الرئتين، وتون نتيجة ذلك هي انتفاخ الرئتين. ويعاني المصاب بهذه المشكلة من صعوبة إخراج الهواء خارج الرئتين أثناء عملية الزفير.

• التهاب الشُعب الهوائية الحاد: ينجم عادة عن عدوى مفاجئة تصيب الشُعب الهوائية في الرئتين، وتكون الفيروسات هي المسبب في معظم الحالات.

• التليُّف الكيسي: هو حالة مرضية تنشأ عادة عن عوامل وراثية تتسبب في ضعف آلية تنظيف المسالك التنفسية من المخاط. ويؤدي تراكم المخاط في تلك المسالك إلى الاصابة بالتهابات متكررة في الرئة، وإلى تليف أنسجتها مع مرور الوقت.

أمراض الجدار الصدري

الجدار الصدري يتألف من العضلات التي تربط بين أضلاع القفص الصدري، وهو جدار يتمتع بقدر كاف من المرونة للمساعدة في توسيع الصدر خلال حركات الشهيق تحديدا. وبهذا فإن جدار الصدر يلعب دورا مهما في آلية التنفس. ويصاب جدار الصدر باعتلالات، من أشهرها:

• اعتلالات عصبية - عضلية: جدار الصدر يتألف أساسا من شبكة أنسجة عضلية مزودة بوصلات عصبية، وقد تصاب هذه الشبكة باعتلالات اضطرابية تنجم عن خلل يعتري الأعصاب المحركة لتلك العضلات. وينشأ عن ذلك الاضطرابات مشاكل تشنجية يعاني منها الجهاز التنفسي بشكل عام والرئتين بشكل خاص. ومن أشهر أمثلة اعتلالات جدار الصدر: التصلُّب الجنبي الضموري، والوهن العضلي الوبيل.

• متلازمة نقص التهوئة: تشمل سلسلة من الأعراض الاعتلالية الناجمة عادة عن مشاكل السُّمنة، حيث ان تراكم الدهون في منطقة الصدر والبطن يجعل توسع الصدر أثناء التنفس أمرا صعبا. وتنجم عن هذه المتلازمة صعوبات خطيرة في التنفس إلى جانب مواجهة مشاكل تتعلق بالنوم.

أمراض بطانة الجنب

بطانة الجنب هي نسيج رقيق يحيط بالرئتين ويبطن جدار الصدر من الداخل. وبين جدار الصدر وتلك البطانة توجد طبقة سائلة رقيقة تتيح للبطانة بالانزلاق صعودا وهبوطا بسلاسة مع كل نفس. والأمراض التي تصيب أو تؤثر على بطانة الجنب تشمل:

• ورم ميزوثيليوما السرطاني: هو نوع نادر من الإصابات السرطانية، ويظهر عادة في بطانة الجنب. وعادة، تبدأ أعراض ورم ميزوثيليوما السرطاني في الظهور بعد مرور سنوات من التعرض المنتظم إلى استنشاق المريض لغبار مادة الاسبستوس.

• الاسترواح الصدري (الصدر المثقوب): يحصل الاسترواح الصدري عند حدوث ثقب في الرئة وتسرب بعض الهواء وانحباسه في تجمعات في المسافة الفاصلة بين جدار الصدر والرئة، ما يؤدي إلى الضغط على الرئة مع احتمال انكماشها. ولتنفيس هذا الهواء، يقوم الطبيب المعالج عادة بإدخال أنبوب تصريف خاص من خلال جدار الصدر.

• الارتشاح البلوري: يحصل عندما تتجمع بؤر من السوائل في الفراغ الجنبي الصغير الموجود بين الرئة وجدار الصدر. والالتهاب الرئوي وفشل القلب هما من أبرز مسببات هذا الارتشاح. وعندما تكون كمية السوائل المتجمعة كبيرة نسبيا، يتعين تصريفها في أقرب فرصة ممكنة.

أمراض الأنسجة الرئوية البينية

الأنسجة الرئوية البينية (أو الخلالية) هي أغشية رقيقة تشكل البطانة التي تفصل بين الحويصلات الهوائية في الرئتين. وتصاب الأنسجة الرئوية بمجموعة واسعة ومتنوعة من الاعتلالات والأمراض التي تصيب الرئة وتؤثر على الأنسجة والأغشية البينية فيها. ومن أمثلة تلك الاعتلالات: مرض «ساركويد»، والتليُّف الرئوي مجهول السبب، وأمراض المناعة الذاتية في الرئة. ويمكن للالتهاب الرئوي الحاد ومرض الوذمة الرئوية أن يثيرا اعتلالات مرضية في تلك الأنسجة البينية الحساسة.

رِئَتاك ... ليستا للتنفس فقط!

قد تندهش إذا علمت أن للرئتين وظائف حيوية أخرى إلى جانب وظيفة التنفُّس. ومن بين تلك الوظائف الأخرى نذكر التالي:

• تشاركان في الحفاظ على استتباب الأحماض القاعدية في للدم عبر طرد ثاني أكسيد الكربون أثناء التنفُّس.

• تساعدان في تنظيم ضغط الدم كجزء من منظومة «رينين-أنجيوتنسين» الهرمونية، حيث تفرز البطانة الداخلية للأوعية الدموية الإنزيم المُحوِّل للأنجيوتنسين، وهو إنزيم يحفِّز تحويل هرمون الأنجيوتنسين I إلى أنجيوتنسين II.

• تفرزان العديد من المواد التي ينقلها الدم كبعض أنماط المستقلبات الحمضية، مثل: البروستاغلاندينات واللوكوتريانات والسيروتونين والبراديكينين.

• تمتصان عوالق وبقايا الأدوية وتتولى إما تعديلها إلى صيغة أخرى أو التخلص منها.

• تقومان بتفتيت وتصفية الدم من الخثرات (الجلطات) الدموية الصغيرة من الأوردة، وبهذا تمنعان دخول تلك الجلطات إلى الشرايين والتسبُّب بالسكتات والأزمات والذبحات الصدرية.

• كشفت نتائج أبحاث علمية حديثة عن أنهما تنتجان نحو 10 ملايين من الصفائح الدموية كل ساعة.

• تلعبان دوراً محوريَّاً في آلية الكلام عن طريق توفير وتنظيم ضغط الهواء وتأمين استمرارية تدفُّقه بما يساعد على النطق.

• توفِّران تدفُّقاً هوائياً يسمح للإنسان بالتعبير تلقائياً عن بعض المشاعر من خلال التنهُّد والتثاؤب والتأفف والضحك .*