لا أحد بمقدوره الدفاع عن الديون، ومؤكد أننا لا نسعى لذلك من خلال هذا المقال، فلا يوجد أي اقتصادي أو مدرسة اقتصادية في العالم يمكنه أن يدافع عن التوسع غير المبرر في الديون سواء كانت خارجية أو داخلية، والتي غدت واقعا لا يمكن تجاهله أو التقليل من خطورته وأصبحت تشكل تحديا حقيقيا أمام واضعي السياسات الاقتصادية فرضته الظروف والتحديات الاقتصادية والسياسية العالمية والإقليمية منذ بداية العقد الأخير من القرن الماضي وازدادت حدتها على مدى السنوات السبع الماضية.

لم يسبق أن حظي مؤشر نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي وتطوره بكل هذا التركيز والاهتمام كما في السنوات القليلة الماضية في كل حملات التسويق الإعلامية المكثفة والحوارات التي تسبق اتخاذ القرارات الاقتصادية التي تتعلق بزيادة الضرائب أو رفع بعض أسعار السلع والخدمات وتقدم لها، لتثير قلقا واسعا وغير مبرر قد يكون مقصودا لذاته والذي تحول فيما بعد الى ما يمكن وصفه بـ «فوبيا المديونية»، دونما انتباه الى الآثار السلبية لاتساع هذا القلق على البيئة الاستثمارية وثقة المستثمر المحلي والأجنبي ناهيك عن تقديم صورة سلبية عن الوضع المالي للمملكة وقدرتها على الوفاء بديونها. وقد يكون هذا القلق تأتى من التصريحات المتكررة من أكثر من مسؤول اقتصادي أو مالي وانتشرت عدواها إلى أكثر من رئيس حكومة؛ فلا يكاد تحليل اقتصادي أو تصريح لمسؤول حكومي أو لمسؤولي الفعاليات الاقتصادية والأكاديميين وحتى المواطن العادي يخلو من التحذير من ارتفاع حجم الدين العام ونسبته من الناتج المحلي الإجمالي واقترابه من المستويات الأمنة والخطوط الحمراء التي قد تقود للإفلاس والتأثير على دعائم وأساسيات الاقتصاد الأردني، حسب تعبير بعض رؤساء الحكومات ووزراء المالية، والتي لا أحبذ ذكرها لعدم اتفاقي مع بعضها.

وبعيدا عن هذا وذاك نحاول الإجابة عن سؤال مشروع تصعب الإجابة عليه في ظل حالة القلق غير الموضوعي التي تحيط بمسألة المديونية من خلال الأرقام والمؤشرات المنشورة والتي يجري متابعة التصريحات حولها على المستويات كافة؛ فهل مستويات الدين العام مقلقة بالفعل، أم أن في التفاصيل صورة أقل تشاؤما وخطرا عما يعلن عنه؟.

عندما تكون نفقات الحكومة أكبر من ايراداتها، ينشأ عجز في موازنتها، ويمول هذا العجز عادة بالاقتراض الذي يكون من الخارج أو من داخل الاقتصاد المحلي أو من الاثنين معاً. لكن الاقتراض الخارجي يخلق أعباء على الاقتصاد تتمثل في خدمة الدين بدفع قيمة الفوائد والأقساط بالعملات الأجنبية التي يجب أن يوفرها الاقتصاد المحلي من خلال حصيلة صادراته ومقبوضات العملات الأجنبية الأخرى. أما الاقتراض المحلي، فإنه لا يضع ذات الأعباء على الاقتصاد، لأن الدائن والمدين هما من الاقتصاد المحلي ومنه وإليه، أي أن الأردن يقترض من نفسه. وفي هذا الصدد، فلا شك في أن اقتراض الحكومة من الاقتصاد المحلي سواء من البنوك أو المؤسسات غير المصرفية لتمويل استثمارات محلية منتجة، تعتبر سياسة اقتصادية مفيدة وناجعة خصوصا في أجواء انخفاض نشاط القطاع الخاص وارتفاع معدل التضخم وارتفاع البطالة، لأن مفعولها على الاقتصاد يتجسد في توسيع القاعدة الإنتاجية وتنويعها وخلق أصول جديدة تزيد من ثروة الدولة، يمكنها من توليد فرص عمل جديدة وبالتالي تقليص البطالة.

الخوف والقلق من ارتفاع المديونية مبرر، لكن دون مبالغة قد تنعكس سلبا على الاستثمار المحلي وتعطي رسائل خاطئة، إذا كان الاقتراض يستخدم لأغراض الاستهلاك أو لتسديد قروض قائمة مستحقة التسديد أو لمشاريع لا تعطي عائداً يغطي تكاليف القروض المتمثلة في الفوائد والأقساط المتوجب سدادها في تواريخ محددة. أما الاقتراض الذي يستخدم لتمويل مشاريع مجدية مالياً واقتصادياً، فيصبح مطلوبا لأنه يخلق ثروة جديدة للاقتصاد. ويكون الدين السيادي للدولة شديد الخطورة وسريع الانفجار إذا ما كان دينا خارجيا مستحقا لدائنين أجانب، بينما يكون أقل حدة وانفجارا إذا ما كان دينا داخليا ممنوحا من دائنين محليين. أي أن المديونية الحقيقية التي يجب أن يحسب لها ألف حساب هي المديونية الخارجية بالعملات الأجنبية، التي يجب ألا تتجاوز خدمتها من الأقساط والفوائد والدين الخارجي قصير الأجل احتياطي البنك المركزي، ويجب ألا تكون بديلا عن المديونية الداخلية بالدينار الأردني التي تعتبر من الأردن وإليه.

إن محاولة تحليل مكونات الدين بشقيه الداخلي والخارجي والتعرف على مدى المخاطر في كل منها من خلال القاء الضوء على الخصائص والمعطيات الاقتصادية والمالية الموضوعية لمكونات وهيكل الدين قد تقودنا الى نتيجة مؤداها أن مستويات الدين في حدودها الأمنة وقابلة للاستمرار. بينما الاكتفاء بالنظر الى اجمالي الدين العام من خلال مؤشر نسبته الى الناتج المحلي والذي هو مجموع لمكونين (الدين الداخلي والدين الخارجي) غير متجانسين من حيث معايير الخطورة والأثار الاقتصادية والمالية لن يكون كافيا لتبديد هذا القلق الذي قد يكون قد علق بأذهان الكثيرين، ولا أعتقد أن هناك أحدا لا يتوق لاستبدال القلق بالاطمئنان.

فإذا نظرنا الى الدين الداخلي (موازنة عامة وموازنات المؤسسات المستقلة) من واقع البيانات المنشورة من قبل وزارة المالية، نلاحظ أنه قد ارتفع بنسبة 2.0% عام 2016 ومن ثم انخفض بنسبة 2.5% عام 2017 ليعود ويرتفع بنسبة 6.3% في نهاية حزيران 2018 ليصل رصيده 16371 مليون دينار، من ضمنه 7.3 مليار دينار يمثل مديونية شركة الكهرباء الوطنية وسلطة المياه. وهو دين طويل الأجل في معظمه؛ حيث يشكل الدين قصير الأجل ما نسبته 14.7% منه، ويبلغ معدل استحقاق الدين 3.3 سنوات مما يقل من مخاطر عدم التسديد. ويشكل الاقتراض من خلال سندات واذونات الخزينة ما يزيد عن 80.2%، وتستحوذ البنوك المحلية على ما يزيد على 62.5% من رصيد اجمالي الدين الداخلي مما يعني أن الحكومة تقترض من نفسها حيث أن النسبة الباقية تمثل مؤسسات حكومية على رأسها صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، فهل تقلق الحكومة من نفسها في ضوء الخصائص المذكورة والتي تشكل درجة عالية من الأمان.

كما تظهر البيانات المتعلقة بالرصيد القائم للدين الخارجي (موازنة ومكفول) في نهاية شهر حزيران من عام 2018 انخفاض الرصيد القائم بحوالي 307.4 مليون دينار او ما نسبته 2.6% عن نهاية عام 2017, وارتفاعه بنسبة 12.2% ما يعادل 1260.7 مليون دينار (منها 1024 مليون دينار سندات اليوروبوندز) ليصل إلى 11559.7 مليون دينار عن مستواه في بداية البرنامج عام 2016. وارتفع معدل استحقاق الدين الخارجي إلى 8.0 سنوات بينما يشكل الدين قصير الأجل 3.3% فقط مما يقلل من مخاطر عدم التسديد، كما يشكل الاقتراض من خلال السندات والقروض 50% لكل منها مع الإشارة إلى أن نسبة كبيرة منه مكفولة من الولايات المتحدة. وتزيد هذه الخصائص من مستويات الأمان وخصوصا أن نسبته إلى الناتج المحلي تقل عن 40% مرتفعا من مستوى 30.2% عام 2013 بسبب توجه الحكومة الى اللجوء للاقتراض الخارجي من خلال إصدارات اليوربوندز، سواء كان ذلك بكفالة أميركية أو بدونها. ورغم المبررات التي سيقت لتبرير ذلك التوجه، إلا أن التوسع في الاعتماد على الإقراض الخارجي يبقى مصدرا للمخاطرة والمجازفة.

أحد مصادر هذا القلق أيضا هو اعتقاد الكثيرين بأن برنامج صندوق النقد الدولي للإصلاح الاقتصادي يستهدف تخفيض حجم المديونية ويكيلون له الاتهام بعدم تحقيق ذلك فيما بعد. والواقع أن البرنامج يسمح بزيادة صافي الاقتراض بنسب وسقوف محددة في كل سنة من سنوات البرنامج، مما يعني أن رصيد المديونية بالأرقام المطلقة سوف يرتفع سنوياً بدليل أن البرنامج الحالي أتاح أن يرتفع رصيد إجمالي الدين بزيادة 3.1 مليار دينار عن مستواه في نهاية 2016 إلى 29.4 مليار دينار في نهاية 2021، في حين أنه يستهدف انخفاض نسبة اجمالي الدين الى الناتج المحلي حيث استهدف ضمن البرنامج الحالي تخفيض هذه النسبة من 94% في نهاية 2016 إلى 77% عام 2021. وبغض النظر عن كون نسبة التخفيض المستهدفة هذه كبيرة وغير قابلة للتحقيق، فإن فلسفة البرنامج في هذا الشأن تتلخص بأن يكون معدل نمو الدين أقل من معدل نمو الاقتصاد الوطني مقاسا بنمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، مما يؤدي لانخفاض المديونية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي رغم ارتفاعها بالأرقام المطلقة. ونسوق هذه النقطة للإشارة إلى أن مكمن القلق ليس المديونية بقدر ما هو الإنتاج وتراجع النشاط الاقتصادي والذي تكون معالجته مسؤولية الحكومة باستخدام الأدوات والسياسات الاقتصادية المناسبة، وهو جانب لا توفره برامج الصندوق من خلال حزمة قوية من الإصلاحات الهيكلية اللازمة؛ حيث ينظر إلى الصندوق على أنه قليل الخبرة في هذا المجال وبأن برامجه هي برامج مالية محضة وليست اقتصادية، وهو ما قد يفسر عدم تحقيق اهداف النمو والإصلاحات الهيكلية وتخفيض المديونية في برنامجي الصندوق الحالي والسابق له. ولذلك، فإن الالقاء باللوم على الصندوق على عدم تحقيق برامج الصندوق لأهدافها فيه كثير من الظلم وتبرئة للحكومة من دور منوط بها، لا بالصندوق، لم تحسن القيام به تحقيقا لأهداف النمو الاقتصادي وزيادة القاعدة الإنتاجية التي يتحقق معها زيادة فرص التوظيف وتقليل معدلات البطالة وبالتالي تخفيض نسبة الدين العام الى الناتج المحلي الإجمالي.

إن القراءة المتأنية لتطورات الدين واتجاهاته، تظهر انخفاض نسبة الدين في شقيه الداخلي والخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي عن مستواه في نهاية العام السابق نظرا لأن مقدار الزيادة في رصيد الدين العام أقل من مقدار الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية المتوقع لهذا العام حيث تقدر نسبة اجمالي الدين العام الى الناتج في نهاية حزيران 2018 بحوالي 93.3% (باستخدام توقع صندوق النقد الدولي في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي أيار 2018 لنمو الناتج المحلي للأردن بالأسعار الجارية) و94.4% (باستخدام ذات نسبة نمو الناتج المحلي بالأسعار الجارية خلال الربع الأول والتي بلغت 3.9%) مقارنة بـ 95.5% في نهاية العام السابق، وينقض هذا تنبؤات وتقديرات البعض بارتفاع هذه النسبة. وهذا أنجاز يمكن للحكومة التغني به لأنه يبدد حالة التشاؤم والإحباط الهدام ويدعو للتفاؤل بإمكانية علاج أزمة المديونية، رغم أن الوضع الاقتصادي والمالي لدينا ليس مثالياً، ولكن عزاؤنا أن هذا هو الحال في معظم دول العالم، التي تشكو من الركود الاقتصادي، وهبوط معدلات النمو، وزيادة العجز في الموازنات، وارتفاع الدين العام، فلنـرَ الأشياء كما هي.

اقتصادي وباحث