نعم، للاسف هذا ما يحدث بدون حسيب أو رقيب. لقد زحف كل من الإسمنت والإسفلت ومعهما المعاول وقضت على الأشجارالتي ولعقود عدة اعتنينا بها، ثم تركناها لتجرفها المعاول وتنهي حياتها بلا هوادة.

قبل اكثر من خمسة عشرعاما شهدت أنا وغيري نحر حوالي 350 شجرة بعمر العشرة اعوام بدم بارد، وألقيت كالاغنام المذبوحة في ساحة في منطقة أبو نصير تابعة لمؤسسة الإسكان بحجة بناء مشروع للاسكان. كان يمكن ان تنقل الاشجار لزراعتها في أماكن أخرى لتبقى تنقي لنا الاجواء ونحارب بها زحف الصحراء.

علما بان هناك منطقة محاذية صخرية كان من الممكن استملاكها لمشروع الإسكان آنذاك ونبقي على الاشجارالمنكوبة. ولكن للأسف لم نجد آذانا صاغية لايقاف المجزرة. كنت عضوا في مجلس أمانة عمان واستهجنت موافقة الامانة ووزارة الزراعة على ذلك.

وعندما راجعت أمين عمان آنذاك أخبرني بأن المنطقة تابعة لمؤسسة الإسكان وليس للأمانة، ووعدني إن امكن بان تقوم الأمانة بزراعة أشجار في نفس العمر بدلا عنها، لكن المعاول والإسمنت وقرار مؤسسة الإسكان ووزير الزراعة آنذاك كانت اقوى منا جميعا.

والمفارقة العجيبة أن وزير الزراعة والذي اعطى الموافقة على قطعها ظهر على وسائل الإعلام في اليوم التالي وهو يزرع الشجر. وللاسف تكرر الموقف مرة ثانية وثالثة، ومؤخرا طالعتنا الصحف بصورة كومة من الأشجارفي منطقة أبو نصير ولنفس المؤسسة ولنفس السبب. ثم قصة ثانية اكبر وادهى ما فعله المشروع المتعثر منذ سنوات والذي قضي على 170 شجرة عمرها أكثر من خمسين عاما عاصرت النجاحات والتحديات التي مرت بها عمان منذ القرن الماضي وحتى القرن الحالي. سقيناها سنين واستظللنا بها ليداهمها هذا المشروع الذي لا كان إذا كان الثمن المدفوع قطع الأشجار الجميلة المعمرة. وعلمنا أن وزير الزراعة كان حزينا عندما وافق على ذلك، ولكن هذا الحزن لم يرحم الأشجار من قصف أعمارها. للأسف لم يلق هذا النحر إلا اعتراضاً خجولاً من بعض الجمعيات البيئية وسكتت بقيتها، كما لم نسمع من وزارة البيئة.

أذكر أثناء دراستي في بتتسبرغ بنسلفانيا احاطت مجموعة من النساء ربات البيوت بشجرة معمرة تحتضنها لمنع البلدية من قطعها بحجة تمرير طريق. واستغربت كيف ستعمل مجموعة النساء على إيقاف مشروع حيوي للمدينة. ولكنهن استطعن لعشقهن لهذ الشجرة ولباقي الأشجار التي تملأ المدينة وما حولها، وأجبرن البلدية أن تستملك بآلاف الدنانير قطعة الارض المجاورة بدلا من قطع شجرة واحدة. تساءلت حينها أين نحن من تلك الثقافة.

وعلى المستوى العائلي، وللاسف ما حدث لشجرة المنجوليا الكبيرة وخمس أشجار ليمون كنا قد زرعناها في منزلنا القديم واعتنينا بها 38 عاما لتقطع بلا هوادة من قبل المالك الجديد. علما بأن هذه الأشجار كانت مزروعة في منطقة الإرتدادات المطلوبة للبناء، وأن فن العمارة يتيح التصرف في البناء بشكل يحافظ على الأشجار. وقد اوردت هذه الحادثة لأن آلاف الأشجار يقضى عليها عند إزالة المباني القديمة بحجة البناء الجديد بلا حسيب أو رقيب، فمع غياب الوعي والمساءلة والعقاب تمارس مثل هذه المجازر.

وفي هذا السياق، اذكر في إحدى الجلسات في مجلس الاعيان كيف اعتبر زملائي بأن ما ذكرته عما تقوم به بعض مناطق في تركيا على انه كان على سبيل المزاح. عندما ذكرت بأن في بعض مناطق تركيا لا تمنح شهادة الولادة للطفل إلا إذا أثبت اهله انهم زرعو باسمه شجرة، وله ولها الحق في الحصول على خشب لصنع صندوق للعروس من الشجر الجاف عند الزواج. علما بانها دولة تعيش في الغابات وليس في بلد صحراوي كبلدنا للأسف. ولم يؤخذ كلامي آنذاك الداعي للاستفادة من هذه الممارسة بمحمل الجد بالرغم من أنني كنت جادة. يظهر ان جيلنا وجيل من سبقونا لم يعد منهم أمل في اصلاح هذا الحال، لذا علينا ان نعمل مع الأطفال والشباب في المدارس والكليات والجامعات لخلق ثقافة بيئية من خلال المناهج الدراسية والنشاطات اللامنهجية وبالممارسة العملية. وان تحرص وزارات التربية والتعليم العالي والبيئة وبالتعاون مع وزارة الزراعة والبلديات على خلق الثقافة البيئية، وأن تبدأ من مناسبة عيد الشجرة القادم وعلى مدى شهر بالطلب من كل طالب مدرسة و كلية مجتمع و جامعة بزراعة شجرة بهذه المناسبة. فالطفل وحتى الراشد إذا شارك كل عام بزراعة شجرة او نبته فإنه يحافظ عليها. وقد كانت لنا تجربة في امانة عمان الكبرى عند افتتاح الحديقة المتكاملة والمتضمنة لغالبية الخدمات المطلوبة في القويسمة، كيف قام اطفال الحي بإتلاف نباتات الزهور اليانعة بعد الإفتتاح مباشرة بدافع الفضول. لم استغرب الحادثة لأن الحديقة اقتحمت مجتمعهم دون يعلموا بها، فلو تمت مشاركة طلاب المدارس في زراعتها لمنعوا أي إنسان من أن يلمسها ولشعر الأطفال بان الحديقة ملك لهم لمشاركتهم ولو بجزء بسيط من الجهد.

نتساءل، أين المدن الخضراء والمباني الخضراء والمروج الخضراء؟ كلاشيهات نتغنى بها فقط لا غير، ولن تفيد الأشجار الجميلة التي نعمل على قصف أعمارها ليلا ونهارا باننا أمة الرسول الكريم القائل عليه الصلاة و السلام « إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليزرعها»، كان ذلك قبل اكثر من 14 قرنا. اين نحن من هذا؟ ليس لدينا ما نقول سوى « لا عزاء ولا ناصر للاشجار».

hkalimat@gmail.com

خبيرة في الحوكمة الحضرية والتنمية المستدامة