في وقت يشهد العالم تطورات متسارعة، وتبدو فيه العلاقات الدولية أمام منعطفات خطيرة تُنذر باندلاع حروب مُتفاوِتة السخونة، لكنها في مطلق الأحوال أشد تأثيراً مما كانت عليه الحرب الباردة بين العملاقين السوفياتي والأميركي، والتي ظن كثيرون، لفرط جهلهم بمكر التاريخ وعمق ردود فعل الشعوب على غطرسة وصلف القوى الامبريالية، التي تُصِر على أن"الصراع"قد حُسِم لصالحها، وأن البشرية جمعاء باتت رهينة إرادتها، وعليها أن تستعد لدفع أكلاف"الحروب"التي خاضتها الرأسمالية المُتوحِّشة في نُسخِها المختلفة، من ثروات شعوبها وسيادتها وخصوصاً فتح حدودها في كل الاتجاهات، بلا ضوابط أو رسوم جمركية او محاولات لمنع الشركات العابرة للحدود من مواصلة تغوِّلها والسيطرة على ما تبقىّ من رموز سيادية، كانت ذات يوم"مفخرَة" للدول الوطنية التي تحرّرت من الاستعمار، وراحت تؤسِّس لقطاع عام تنهض مهمته على توفير الحد الادنى من الخدمات الأساسية وخصوصاً قطاعات الصحة والتعليم والمواصلات والخدمات والمرافِق العامة.

كل ذلك بات من الماضي في بلاد العرب، وباتت الأزمات مُتدحرِجة وخصوصاً عميقة، تُؤشِر لفشل ذريع في المحافظة على أدنى مُقوِمات العلاقة المفترضة بين الحاكمين والمحكومين. ما أسهم في بث روح اليأس والإغتراب في نفوس الغالبية العظمى من الشعوب العربية، التي شهدت تصاعداً مُريباً ونمواً غير طبيعي في علاقة السلطة بأصحاب رأس المال، وبخاصة الخواء والهزال الذي اصاب النخب السياسية والحزبية التي ظن كثيرون انها (وقد نجح بعضها في التمسّك ببعض خطابه الذي كان ذات يوم ثورياً، أو بدا وكأنه استفاد من تحوّلات النصف الثاني من القرن العشرين، وبخاصة بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي وانفراط عقد منظومة الدول الاشتراكية وبروز الولايات المتحدة كقطب أوحد، يُمسك بقيادة العالم ويُروّج"واهِماً"للقرن الأميركي الجديد).

نقول: بدت بعض النخب السياسية والحزبية العربية – قادرة على خوض صراع سِلمي مع بعض الأنظمة العربية، التي راحت تتفلّت وتتحلّل من التزاماتها، وبخاصة الإلتزامات السياسية والاقتصادية، وزادت من قبضتها الأمنِيّة، كَسِمة رئيسة من مشهد عربي رديء وبائِس، حفلت محطاته المختلفة بسيادة قوانين الطوارئ وتكميم الأفواه والحدّ من الحرِيّات العامة وخصوصاً تزوير الانتخابات وخنق الصحافة ودائماً في اختراع قوانين انتخابية تنتمي في معظمها الى العصور الظلامية، التي لم تغادرها بعض الدول العربية حتى الآن. دون ان ننسى او نهمِل الفشل الذي سجّلته دول عربية في تبعِيّتها للقوى الأجنبية، التي لم تُقِم وزناً أو أهمية للمصالح الوطنية والقومية العربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي بات معظم"البيض"العربي (ثروات وقرار سيادي) في سلّتِها.. تتحكّم به كما تشاء، وقت تشاء وحيث تريده أن يكون.

ما علينا..

للمرء أن يُدقِّق جيداً في المشهد العربي الراهن، ليرصد ما هي عليه أوضاع عرب اليوم، من أزمات مُتدحرِجة تعكسها قرارات وإجراءات حكومات مأزومة، معظمها غير مُنتخَب، بل حتى تلك المُنتَخَبة، تبدو في قطيعة مع شعوبها غير قادرة على توفير الحدود الدنيا من الخدمات، ما بالك الوفاء بوعودها في تحقيق العدالة الاجتماعية وتكريس ثقافة احترام القانون وسيادته، وفي المقدمة محارَبة الفساد وتطوير ما تبقّى من القطاع العام، أو الأدق الإدارات الحكومية المترهِّلة، فضلاً عن المُسارعة الملحوظة في عمليات خصخصة ما تبقّى من هذا القطاع، وغير المعني بالاجابة على شكاوى واحتجاجات الجمهور. لهذا تكثر في معظم بلاد العرب الإضرابات والإعتصامات وتتفاقم معضِلة البطالة وتتّسع هوامش الفقر، ويسقط المزيد من أبناء وأُسر الطبقة الوسطى تحت خط الفقر، فيما يُواصِل الأغنياء مراكمة ثرواتهم وتهريبها الى خارج"أوطانِهم"، ولا تخجَل معظم الحكومات العربية من التغنّي بالإنجازات (الوهمية كما يجب التذكير) وإحياء خطاب الدعاية القديم المعروف جيداً في ستينيات وسبعينيات القرن الفارط, في مسعى لإلهاء الجمهور واستنفارِه.

يمكن للمرء أن يأخذ العِبرة مما يحدث في لبنان والعراق (دعك من الجدل الدائر في تونس, وتطورات الحال الصعبة في السودان حيث عادت طوابير الخبز، فضلاً عن أقطار عربية أخرى لا داعٍ لتسميتها) كي يكتشف "العربي" أن آليات الديمقراطية (المختزَلة في اجراء الانتخابات) لا تعمَل, وإن عمِلت فدائماً وفق آليات وثقافة الطائفية والمذهبية ومنح الأولوية للتدخلات الخارجية ومعظمها عربي بتوجيه غربي. وإلاّ كيف نُفسِر ان حكومات جديدة لم تتشكّل بعد في هذين البلدين، رغم أنهما أجريا انتخابات برلمانية في شهر أيّار الماضي. أولها في لبنان يوم السادس من أيّار، والثانية في العراق بعد ستة أيام (12 أيّار), وما يزال مُستبعَداً أن يرى اللبنانيون (كما العراقيين) حكومة جديدة في بلدهم, تقوم بتنفيس الإحتقانات وردم الهُوّة هائلة الإتّساع بين النُخب السياسية والحزبية ذات الخطاب الطائفي المذهبي، وبين الشعب الذي لا يثِق بسياسيِّيه وحزبيِّيه، كما يفتقد ادنى الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وخدمات عامة، ناهيك عن غياب العدالة والحقوق وثقافة المواطَنة؟.

kharroub@jpf.com.jo