في الاسبوع الماضي رحل يوري افنيري داعية السلام الاسرائيلي عن 94 عاماً بعد حياة حافلة بالنشاط السياسي المُخْتَلَف على ((يساريته)) في اسرائيل، وقد ذاعت شهرته في البلاد العربية بعد أن قام في عام 1982 باختراق الحصار الاسرائيلي على بيروت الشرقية واجتمع بالرئيس ياسر عرفات في بيروت الغربية لمدة ساعتين ((لبحث امكانية السلام بين اسرائيل والشعب الفلسطيني )) !

كان افنيري نائباً في الكنيست اكثر من مرة واسس حركة ((غوش شالوم)) وكان يكتب في نشرتها مقالته الرئيسية كما كتب كثيراً في صحف هآرتس والغارديان وكذلك الاندبندنت التي نعاه مراسلها المقيم في بيروت روبرت فيسك وقال ((إنه أحد اصدقائي من ابطال السلام القليلين في الشرق الاوسط ))..

أما جدعون ليفي اليساري الاسرائيلي المعروف بجرأته في انتقاد الحركة الصهيونية والاحتلال الاسرائيلي فقد نعاه في صحيفة هآرتس قائلاً ((إن افنيري لم يكن يوما يساريا حقيقيا فلقد دعا دائما لحل الدولتين وهذا دليل على انه بقي صهيونياً فاليسار الحقيقي عند الطرفين العربي والاسرائيلي يدعو لحل الدولة الواحدة الديمقراطية التي يتساوى فيها جميع مواطنيها ولا تنكر حق العودة للفلسطينيين ))، ولمقارنته بالناشط اليساري الاكاديمي إيلان بابيه الذي طردته اسرائيل من جامعة حيفا حيث يحاضر الآن في جامعة اكستر البريطانية، قال ليفي (( إن بابيه اوضح بجلاء الحد الفاصل في اليسار الاسرائيلي بين اولئك الذين يعتبرون احتلال 1967 أم الكبائر لكنها ستؤدي الى إنهاء كل المشاكل، وبين اولئك الذين يعتبرون التطهير العرقي عام 1948 جذر الآثام كلها فهو مازال قائماً واذا لم تتم معالجته فلن يكون هناك سلام حقيقي قط.. وينتمي افنيري بالطبع للمعسكر الاول )).

ومما يذكر أن يوري أفنيري كان في مطلع شبابه عضواً في منظمة الأِرغون الارهابية لذلك فان علاقة حنين تشده لحرب ال 48 لكنه للانصاف ناضل ضد حرب ال 67 بحزم وبسالة وأسس حركته الداعية للسلام من منطلق جديد تبّدى واضحاً في مقالاته وهو يدعو للاتفاق مع الفلسطينيين قبل فوات الأوان وكأنه يخشى بعكس ذلك انهيار كل ما حققته الصهيونية تاريخيا بانشاء إسرائيل كوطن قومي لليهود..!

ومن ناحيتي لن اقارنه بالكاتب الاسرائيلي الراحل اسرائيل شاحاك الذي اهدى شعبه والعالم عدداً من أشجع ما كُتب عن حقيقة عنصرية الحركة الصهيونية ووقف الى جانب الحق الفلسطيني الذي اغتصبته اسرائيل، ولا اقارنه بنورمان فنكلشتاين الاستاذ الجامعي الاميركي والمحاور الجريء المعادي للصهيونية الذي كتب فاضحاً المتاجرة بالهولوكوست في كتابه The Holocaust Industry رغم ان امه كانت بين آخر الناجين منه، وكتب عن سياسة اسرائيل القمعية العدوانية كتابه Beyond Chutsba والكلمة عبرية تعني أنكى من الوقاحة ! فاغضب الاجهزة الأمنية الاسرائيلية ومنعته نفسه من دخول اسرائيل بعد زيارته لرام الله..

وبعد.. لا أنكر أني كنت معجبا بيوري افنيري ككاتب مقال حرصتُ دائماً على قراءته بالانجليزية اينما كنت أعثر عليه، وقد ظل هذا الصحفي رغم تقدمه في السن محتفظاً بألقه وباسلوبه البارع في شرح وجهات نظره كمعارضٍ لسياسة اسرائيل وتواطئها مع أميركا وامعانها في قمع الشعب الفلسطيني ما يزيد الكراهية والحقد بين الشعبين ويبتعد بهما عن طريق السلام المنشود..