ثلاثتهم مأزومون ... ترمب، تيريزا ماي وماكرون. أوّلهم بدأ يستشعر خطراً على مستقبله السياسي،وإن في شكل متدحرِج قد لا يؤول الى محاكمته او عزله ولا ربما استقالته.فيما الثانِية في وضع لا تُحسد عليه,بعد ان بات ملف "البريكست" يسحب من رصيدها المتآكل أصلاً,والذي قد يكون سبباً في خسارة حزب المحافظين الحكم لصالح حزب العمال,وخصوصاً زعيمه جيرمي كوربين الذي يتعرّض لحملة تشهير صهيونِية ضارِية تتهمه باللاسامِية ودعم "الارهاب" الفلسطيني. اما فتى الإليزيه الأغرّ,فقد واصلت شعبيته التدهور،ولم يعد يحظى بِهالة الإعجاب التي رافقت وصوله الى موقِعه قبل عام ونيّف،بعد ان واصَل فشلَه في تنفيذ وعوده الخُلّبية التي مُنِحَ تفويضاً شعبياً بموجبها،ما بالك بعد انكشاف فساد تغوّل بطانتِه وخصوصا فضيحة مسؤول حمايته الشخصية,ما يعني ان قادة الدول الامبريالية الثلاث الأبرز،في صدد تصدير ازماتِهم الداخلية وصرفِ الانظار عمّا يواجِهونه امام جمهورهم,ولهذا بدأوا فجأة ودون سابق انذار بالترويج لأكذوبة السلاح "الكيماوي"الذي "يستعد"الجيش السوري لاستخدامه في معركة إدلب الوشيكة، ثم راحوا يحرِّكون اساطيلهم البحرية واسراب طائراتهم المُحمّلة بصواريخ توماهوك كروز،في استعراض فظ للقوة,محمولا على تصريحات متغطرِسة تتحدّث عن ضربات أشدّ قوّة ضد المنشآت والمواقع السورية العسكرية والاقتصادية,على ما قال داعية الحرب المتطرِّف جون بولتون مستشار ترمب للأمن القومي.

ليس مفاجِئاً والحال هذه,وامام العرقلة الغربية الاميركية البريطانية الفرنسية لمساعي ودعوات موسكو الى تسهيل عودة اللاجئين السوريين ودعم خطط الإعمار في سوريا،ان تسارِع وزارة الدفاع الروسية الى اصدار بيانات متلاحِقة تُحذِر فيها الدول الثلاث من مغبّة المضي قدما في فبركة حجة "كيماوية"جديدة،لتبرير عدوان جوي وصاروخي ضد دوائر ومنشآت الدولة السورية,في الوقت ذاته الذي "صعَّد" نائب رئيس الوزراء الروسي سيرغي ريابكوف من لهجته في فضح التهديدات الغربية,عندما قال: نسمع الإنذارات من واشنطن بما فيها العلنِية,لكنها لا تُؤثِّر على حزمنا مواصلة السياسة الهادِفة الى القضاء التام على المراكز الارهابية في سوريا وعودة هذا البلد الى الحياة الطبيعية،مذاهِباً الى"تحذير الاميركيين وحلفائهم من اتخاذ خطوات متهورة (او طائشة) جديدة".

تحذير يستبطن الإيحاء بأن العدوان الثلاثي,اذا ما وعندما يحصل,فإن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي،وبخاصة أن الاميركيين لم يتوقّفوا عن التأكيد بأنهم "لن ينسحبوا"من شمال وشرق سوريا بعد هزيمة داعش(تلك الذريعة/الأكذوبة التي طالما برّروا فيها مواصلة احتلالهم للاراضي السورية في تلك المناطق بالتعاون مع مرتزقتِهم في قوات سوريا الديمقراطية،ناهيك عن حديثهم المتجدّد عن تغيير السلطة في دمشق (اي إطاحة الرئيس السوري)..ما يدعو للإعتقاد (في نظر موسكو) ان الاميركيين قد انتقلوا الى الخطة "ب",بعد ان باتت لديهم قناعات بان قرار تحرير ادلب المدينة والمحافظة قد اتُّخِذ وان التوقيت سيأخذ في الاعتبار نتائج قمة طهران لقادة الدول الثلاث الضامِنة,والتي ستليها قمة "رباعية" تُعقد في اسطنبول بمشاركة قادة روسيا،فرنسا,المانيا وتركيا.

لهذا كله أخذت موسكو على عاتقها مهمة فضح وتعرية المخطط الغربي "الثلاثي",الرامي الى اعادة الاوضاع في سوريا الى ما قبل فشل مشروع إسقاط الدولة السورية وهزيمة مجاميع الارهاب التكفيري,التي راهنت عليها عواصم الغرب الاستعماري,وبدعم وسخاء من بعض العرب وخصوصاً تركيا اردوغان,التي فتحت حدودها أمام كل العصابات الارهابية الدولية ووفّرت لهم الملاذات الآمنة،كما تفعل الآن في إدلب بتنسيقها مع جبهة النصرة/هيئة تحرير الشام,ودفعِها لشن هجمات واسعة باتجاه مدينتي حلب وحماة،في محاولة مكشوفة للتخلص من التزاماتها – كدولة ضامنة – بسحب سلاح الجماعات الارهابية وعلى رأسها النصرة وتحييد عناصرها.

قد يتراجع ترمب عن تنفيذ ضربته الصاروخية التي يلوّح بها,اذا ما تأكّد ان موسكو عاقدة العزم على اسقاط صواريخه.سواء تلك التي ستطلقها بوارجه من منطقة الخليج او طائراته التي ستنطلق من قواعد "عربية" لضرب اهداف داخل سوريا،عبر استخدام منظومة صواريخ S400,وخصوصاً اذا ما كانت الضربة واسعة النطاق والأهداف,عندها قد تتدحرَج الامور الى حافة الهاوية,تلك الحافة الخطِرَة التي تحرص الاطراف المنخرطة في العدوان على سوريا(كما روسيا)على عدم الوصول اليها.وهو ما قد يشكّل فرصة للجم العدوان الثلاثي ودفع عواصم الغرب الاستعماري الثلاث لإعادة حساباتها,بعد ان لم تعد ذريعة الكيماوي تجد من يُصدِّقها,عبر الإعتماد على عصابة"الخوَذ البيضاء" التي بدأت بتخزين حاويات الكلور في مستودعات الحزب الاسلامي التركستاني,تمهيدا لبثّ مشاهد تمثيلية عن ارتكابات الجيش السوري المزعومة،كما فعلوا في غوطة دمشق الشرقية قبل سنوات خمس,وخصوصاً في خان شيخون والتي اتكأت عليها ادارة ترمب,لتوجيه ضربات غربية "ثلاثِية" لمطار الشعيرات السوري.

احتمالات المواجَهة "الساخنة" وارِدة,لكن الحذر سيكون سيد الموقف وبخاصة اذا ما تأكّد ترمب وماي وماكرون,ان رهانهم على الخوذ البيضاء وجبهة النصرة لن يفضي الى نتيجة, وأن مصير ادلب لن يختلف عن مصير الغوطة الشرقية,وخصوصا تحرير درعا والقنيطرة والسويداء.

kharroub@jpf.com.jo