قد لا تكون إطاحة الرئيس الاميركي عبر إحالته للمحاكمة وبالتالي الشروع"الدستوري"باجراءات عزله قريبة،وربما لا تكون واردة في المديين الوشيك والمتوسط نظراً لبطء وتعقيدات الاجراءات الاميركية والعوائق والمذكرات القانونية ذات الصلة،التي تجعل من محاكمة رئيس اميركي خلال ولايته مسألة صعبة وربما مستحيلة.إلاّ أن المحنة التي بات فيها ترمب تزيد من ارتباكه وتشلّ قدرته على المضي قدماً في بعض قراراته،وبخاصة تلك المتعلِّقة بعملية المُطاردة والإنهاك التي يُمارسها المحقق الخاص روبرت مولر,بعد تسجيله نقطتين مهمتين,في محاولته إطباق الطوق على الرئيس الاميركي,بـِ"اثبات"التورط الروسي المزعوم(صُلب مهمته وعنوان الملّف الاخير,الذي يتمسك به خصوم ترمب لإخراجه من البيت الابيض او إلحاق الهزيمة بالحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية التي ستجري في تشرين الثاني المقبل,وخصوصاً حرمان ترمب من فرصة الفوز بولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية,المقرر إجراؤها في العام 2020).

وإذا كان ساكن البيت الابيض الذي يحمل رقم"الرئيس 45"،قد بدأ يشعر أن بطانته التي ظن انها مؤمنة به وبنهجه الشعبوي,بدأت تنّفضّ من حوله,بل وبعضهم ابدى استعداداً لعقد صفقات مع المحقق الخاص مولر او مع المحكمة كشاهد إثبات مقابل تخفيف العقوبة او الحصول على حصانة ما،مثل محامي ترمب السابق مايكل كوهين,الذي اتهمه ترمب بـ"إختلاق قصص"فيما أسبغ على المدير السابق لحملته الانتخابية بول مانافورت صفة "الرجل الشجاع جداً" فإن اللافت في كل ما جرى ويجري,التصريح المثير وغير المسبوق الذي ادلى به رودولف جولياني محامي ترمب,عندما حذّر من"انتفاضة" في اميركا في حال عزل الرئيس قائلاً في عبارة تؤشّر ضمن أمور اخرى,الى ما بات عليه الإستقطاب في المجتمع الاميركي،هذا الاستقطاب الذي بلورّه وعجّل في بروزه على نحو لم يكن مسبوقاً في الساحة الاميركية منذ الحرب الفيتنامية بقوله: في حال عزل الرئيس الاميركي من منصبه لأسباب سياسية فقط،فإن الشعب الاميركي سيتمرد ويقوم بانتفاضة.قال جولياني الذي لا يقِلّ تهوراً ويمينية وعنصرية.فيما على المقلب الاخر كان ترمب"يتنبأ"بأنه:"في حال فوز الديمقراطيين بالاغلبية في انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني القريب،فسوف يبدأون بإجراءات عزله من منصبه،وسيلي ذلك – استطرد فخامته – انهيار اسواق المال في الولايات المتحدة".

حملة تخويف تكاد تكون مُبرمَجة,تستهدف استنهاض هممّ انصاره الذين أثبتوا ولاءهم له ولنهجه الشعبوي,وكانت مظاهراتهم التي تميّزت بالعنف ضد معارضي ترمب,قد سجّلتها عدسات التلفزة وسقوط ضحايا في الطرفين،ما يعني ان حملة الانتخابات النصفية قد أخذت منذ الان طابعاً تعبوياً قد تترجمه الشوارع والميادين,وبما ينذِر بمخاوف من تدحرُجها لمزيد من الاستقطاب,الذي سيستفيد منه ترمب بالتأكيد,في"إرهاب"وربما عرقلة مهمة المحقق الخاص مولر.وقد يذهب"ترمب"لحماقة ربما تُسهِم في إغراقه بمزيد من المشكلات والازمات,إذا ما وعندما يقوم بعزل مولر.وهو أمر قد يغضِب بعض النواب والشيوخ الجمهوريين ما يزيد من إرباكه.

ما يعنينا نحن هنا في الشرق الاوسط,الذي تأثّرت كل ملفاته وقضاياه سلباً من صعود نجم رجل الاعمال وبطل تلفزيون الواقع في الفضاء الدولي،هو"الهَلَع"الذي أخذت تُبديه عواصم اقليمية عبر ردود افعالها على محنة ترمب,والتي برزت في مقدمتها ردود فعل وتحليلات المعلقين والمحللين في دولة العدو الصهيوني,الذين لم يتردّدوا في القول:"ان سقوط ترمب سيضُر باسرائيل استراتيجياً",وفي ذلك كثير من المبالغة.إذ ورغم ان وجود ترمب في البيت الابيض أسهم في اراحة الكيان الصهيوني,وأظهر انه"الأوفى"لدولة الاحتلال,والمتماثل مع ايديولوجيتها العنصرية الإحلالية الإستعمارية حدود التماهي.ليس فقط إعترافه بالقدس عاصمة لليهود ونقل سفارة بلاده اليها,بل وتبجّحه "إزالة"المدينة المحتلّة عن جدول الاعمال،وانما ايضاً في عمله الذي لم تتوقّف تسريباته،رغم"الغموض البنّاء"الذي يفرضه على مشروعه لتصفية القضية الفلسطينية المسمّى"صفقة القرن",والذي وجَد ويجِد من اسف وغضب,دعماً وتأييداً وهوَساً لدى بعض العرب,الذين باتوا في وضع لا يقِل"هلعاً"عن اسرائيل,رغم ان الاخيرة تُهوّل الأمور كعادتها وتدرك انها لن تخسِر كثيراً,بل ربما لن تخسر شيئاً إذا ما اطيح ترمب وجاء نائبه الأفنجيلي المُتصهّيِن مايك بنس مكانه,كون الاخير هو المحرِّك والمؤثِّر الاول والرئيس لسياسة ترمب الصهيونية ودعم دولة العدو.

"عربُ ترمب"في وضع لا يحسدون عليه,فالرجل وإن لم"يحظَ"بعد بلقب"البطة العرجاء"، إلاّ ان ما يجري في واشنطن من عملية مطاردة وإنهاك(وصفَها ترمب بأنها مُطارَدة ساحرات",ربما تُسهِم في كبح خطوات الرئيس الشعبوي وتُبطئ من عملية دعمه لبعض الانظمة في المنطقة,حيث ستجد نفسها في وضع لا يقل إرباكاً وانعدام يقين,كما هي حال ترمب هذه الايام.

الرهان على شخص واحد مهما كانت وظيفته ومكانة دولته,عبر وضع كل"البيض"في سلة هذا الرئيس,وخصوصاً ان كان من قماش ترمب،لن يُسهم في توفير مظلَّة حماية لبعض الأنظمة,بل تعيش اوهاماً مُصطنَعة على نحو الهشاشة الذي هي عليه بعض دول المنطقة .

kharroub@jpf.com.jo