ما يزال السؤال حول مستقبل محافظة إدلب المحتلّة من قبل الجيش التركي،بالتعاون والتنسيق الكاملين مع المنظمات والفصائل الارهابية وعلى رأسها هيئة تحرير الشام التي تشكل جبهة النصرة الذراع السورية لتنظيم القاعدة..عمودها الفقري..قائماً.وما إذا كانت انقرة ستنجح في الوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها لكل من روسيا وايران كشريكتين في مسار استانا،بعد محاولات انقرة شراء المزيد من الوقت,لعرقلة تصميم الحكومة السورية على تحرير إدلب المدينة والمحافظة من رجس الارهابيين,بتعهدها(أنقرة) إنهاء الوجود العسكري لهيئة تحرير الشام أوإقناع قادتها إلقاء السلاح والإنخراط في الخطوة المشبوهة، التي اقدمت عليها تركيا تشكيل"جيش"من مرتزقة الجماعات المسلحة,اطلقت عليه"الجبهة الوطنية للتحرير",فيما تواصِل العمل على تكوين جيش آخر تحت مسمى"الجيش الوطني"الذي سيكون تحت إمرتها المباشِرة مُنفِّذاً مخططاتها للهيمنة على الشمال السوري،كما فعلت في غزوتيها "درع الفرات"و"غصن الزيتون"،عندما دفعت بمرتزقة الجيش الحر ليكونوا في مقدمة جحافلها الغازِية للشمال السوري,وآخرها مدينة عفرين التي تجري عملية تتّريكِها على قدمٍ وساق.

تصميم الحكومة السورية وضع حد لسيطرة الارهابيين على إدلب,تلخصه العبارة اللافتة التي اوردتها صحيفة الوطن السورية،في سياق حديثها عن التحضيرات الميدانية لمعركة إدلب المرتقَبة عندما وصفَت التعزيزات العسكرية للجيش السوري نحو إدلب بأنها "الأضخم في تاريخ الحرب السورية".ما يعني ان حشداً كهذا,لا يمكن ان يكون مجرد عرض للقوة,بقدر ما هو التاكيد للمحتل التركي على وجه الخصوص,بأن الأمور سائرة نحو المواجهة.وعليه الإختيار بين وضع حد لمناوراته ولعبة شراء الوقت التي يعتمدها,وبين المواجهة العسكرية المؤكدة التي يُدرك الاتراك انها لن تكون في صالحهم وصالح اتباعهم من الجماعات الارهابية وعلى رأسها هيئة تحرير الشام,التي لا عداء حقيقياً بينها وبين انقرة..بل تنسيق والتقاء على الأهداف والرؤى السياسية.

تركيا في وضع لا تُحسد عليه,فهي راهنت وما تزال على الجماعات الارهابية, لمواصلَة احتلالها وتكريس مشروع تتريك الشمال السوري,بل والابقاء عليه"جيباً"يمكن ان يُشكِّل"ورقة مساومة"مع دمشق,او من خلال المشاركة في الضغوط الاقليمية والدولية عليها لضمان"حصة"تركِية في سوريا ما بعد الحرب,التي كانت انقرة طرفاً رئيساً في إدارتها وتمويلها وتسليحها. وإن كان هامش مناوراتِها آخذ في التقلص الان,بعد ان حسمت موسكو موقفها من مسألة إدلب,وبخاصة مع تزايد عمليات اطلاق الطائرات المسيّرة التي تستهدف قاعدة حميميم,وطلبها الحازم من انقرة العمل الجاد والفوري لإنهاء الوجود المادي لهيئة تحرير الشام,او شروع الجيش السوري في عملية تحرير المحافظة,وهو جاهز لمُباشرَتها في أي لحظة.

ثمة اعتبارات سياسية ودبلوماسية يجب اخذها في الاعتبار على ابواب معركة إدلب,التي لم يعد السؤال حولها...ما إذا كانت ستنطلِق أم لا؟ بقدر ما هو متعلِّق بالتوقيت الذي ستختاره الحكومة السورية لإطلاقها ومفاجأة الجميع (وليس تركيا وحدها) بسرعة حسمها،على النحو الذي حدث اخيرا في محافظتي درعا والقنيطرة,وكيف سلّم كل من له علاقة بالجبهة الجنوبية,بالحقائق الميدانية والسياسية التي ترتبت على هزيمة الجماعات الإرهابية فيهما.

من هذه الاعتبارات القمة"الرباعية"التي ستعقد في اسطنبول,بمشاركة قادة روسيا وتركيا وفرنسا والمانيا,وهي قمة تُراقِبها عواصم اقليمية ودولية كثيراً نظراً لاستبعاد واشنطن منها، بافتراض انها كانت ستلبي دعوة كهذه,فضلاً عن التحسُّن النسبي الذي طرأ على علاقات موسكو بكل من باريس وبرلين,ناهيك عن الازمة الاقتصادية التي بدأت ترخي بظلالها على الاقتصاد التركي,جراء تدهور قيمة الليرة التركية وقرب استحقاق قروض خارجية كبيرة مُستحقّة من انقرة بالدولار الاميركي,ما يزيد من متاعِبها ويسهِم في إرباكها سياسياً,وإن كانت ما تزال تكابِر وتستحضِر نظرية المؤامرة، حداً دفع الرئيس التركي الى وصف ما يحدث بأنه"انقلاب اقتصادي"على غرار الانقلاب العسكري الفاشل في تموز 2016,متعهداً إفشالَه.

وإذ يلفت الانتباه تأكيد انقرة ان التوتر مع الجانب الاميركي,"لن"يؤثِّر على الخطط المشترَكة في مدينة منبج السورية،حيث يتواتر الحديث عن تسيير دوريات مشتركة في تلك المنطقة،فإن على انقرة الاجابة على سؤال إدلب وتصفية نفوذ ودور هيئة تحرير الشام قبل منتصف ايلول القريب، كما وعَدَت والتزمت أمام موسكو.وإلاّ فإن مستقبل خططها وسيناريوهاتها في الشمال السوري بدءاً من منبج وليس انتهاء بعفرين ستكون في مهب الريح،لأن ما بعد تحرير إدلب "المؤَكّد" سيكون مُختلفاً وفي شكل جذري عمّا هو عليه الان.

والميادين ستقول كلمتها الأخيرة,ومَن يعِش...يَرَ.

kharroub@jpf.com.jo