عمان - إبراهيم السواعير

ينزاح المثقفون إلى أن يكونوا متشائلين في العيد( متشائمين ومتفائلين)، في حين أنّهم أنفسهم يعترفون بأنّ الأَولى بهم أن يوزّعوا الأفراح على الآخرين، وأن يقدّموا باقةً من أمل في العيد، وربّما لو سألت شاعراً عن العيد لبادرك بمطلع قصيدة المتنبي الشهيرة "عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟!"، ومردّ ذلك، ربّما، إلى أنّ المثقف أو النخبويّ دائماً يظلّ يرى كثيراً ويكتم همومه وأحزانه، أمام مستجدات وظروف، ومع ذلك، فلا يملك إلا أن يندغم في الحياة العامّة ويشارك في مقتضيات هذه الحياة.

وقد أصبح العيد للأدباء على وجه العموم وسيلةً مواتيةً لاستذكار الأحبة أو للاحتفال بالفقد أو للتباكي على العمر، وجميع هذه الثيم والموضوعات جعلت من العيد بطلاً في الاتكاء عليه أو للنفاذ من خلاله إلى كثيرٍ من الآلام والهموم والطموحات بطبيعة الحال.

وكما في الشعر الفصيح، أصبح العيد أرضاً خصيبةً للشعر النبطي أو الشعبي أو العامّي، به يتألم الشاعر لحال الأمّة وربّما قايس بين زمنين أو استذكر الخوالي من أيّام الفرح أو العيد الحقيقي، وربما انقلب الشاعر على العيد بشيء من العتاب والقهر وربما الخوف من هذا القادم الذي لا يجلب معه غير الذكرى الحزينة والآلام المريرة والزمن الصعب.

وإذا كان الرعيل الأوّل أو من اتصل بهم ما يزال يفرح بأغنية الفنانة سميرة توفيق "يا خالي قرّب العيد"، وإذا كان الأطفال على براءتهم يجدون أنفسهم في خضمّ الفرح، فإنّ أغلب الشعر الذي بين أيدينا أو كلّه لا تجد فيه إلا وجهاً مجاملاً يصطنع الابتسامة في حين أنّه وجهٌ- كما تنبئ عن ذلك القصائد- يتغضّن بالهم ويخفي الكثير ويظلّ صاحبه جسداً بلا روح بين الناس.

لكنّ العيد يبقى مناسبةً عذبةً، ربّما لو سمح الشاعر لنفسه أن تنخرط بين المحبين والفرحين لتخلّت عن كثيرٍ من معاناة اشتملت عليها طوال كلّ هذا المشوار البعيد الذي يراكم فيه الشاعر والمثقف والنخبوي الكثير من الآلام، ليحزنوا نيابةً عن الناس، وهو دأب الكتّاب والمثقفين على الدّوام.

ومع كلّ ذلك، فإنّ أدباء يجدون أنفسهم وهم يعاينون طقوس العيد الجميل وما يشتمل عليه من تجديد للمحبة والتسامح والعطف، وكذلك وهم تعلوهم سحابة من "لبيك اللهم لبيك"، في وضعٍ ينسابون فيه ليعيشوا حلاوة الطقس وعِظم المناسبة مع كلّ ما تكتوي به أنفسهم من أحلام وأوهام وأحزان، فهي دعوةً إذن لكلّ الشعراء لأن يفرحوا فيستمدوا طقوس مجتمعاتهم شعراً وفرحاً بالرغم من كلّ هذه السوداوية التي تكتنف الحياة والناس.

يقول أستاذ الأدب والنقد الدكتور سالم الدّهام إنّ الناس بالفعل يسقطون حالة المتنبي في سياق مملوء بالحرمان والفشل في إنجاز ما هو مُتصوّر أو ما هو قيد الحلم، وربما العودة بخفي حنين، كما حدث مع المتنبي مع كافور، فهذه الحالة مبررة موضوعاً وإسقاطاً أبعد من ذلك ربّما كما يرى الدهام الذي يؤكّد أنّ قراءة مزاج أيّ أمّة أو واقعها يكون من خلال مثقفيها، ومنهم الشعراء، الذين يعبرون عنها، فهؤلاء ضمير الأمّة وأحرى بنا أن نقرأ واقعنا من منظورهم، فنحن لا نقرأ شعراً فقط وإنّما موروثاً وأسلوب حياة وطموحات شعوب وواقعاً مستلباً أو طموحاً لا يتحقق، ولذلك فإنّ ذلك كما يرى تعبير عن حالة الانكسار والتبرّم والضيق، فالواقع ليس كما يقول الدهام جميلاً إلى الحدّ الذي يجعلنا نستنكر فيه أن يستعيد الشعراء صدر بيت المتنبي، مع أنّهم ربّما وهم يظهرون أسفهم وأحزانهم لن يصلوا إلى حالة المتنبي وهم يسقطون حالته النفسية في حالة شبيهة بعجز الكريم أمام اللئيم أو في حالة مواجهتهم حسرة الحرمان.

ويستدرك الدكتور الدهام بأننا لن نعدم بالمقابل شعراء يصدرون عن تيارات فَرِحة، فمن الشعراء من يكون خطابه إسلامياً ومنهم من يكون عروبياً ومنهم من يتداخل لديه هذا بذاك ومنهم من يجد في العيد مناسبة عظيمة ضمن نص فلسفي عميق يختزل الكثير من التجارب والنصوص المؤلمة في هذه الحياة.

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ

بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ

أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ

فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ

لَوْلا العُلى لم تجُبْ بي ما أجوبُ بهَا

وَجْنَاءُ حَرْفٌ وَلا جَرْداءُ قَيْدودُ

وَكَانَ أطيَبَ مِنْ سَيفي مُعانَقَةً

أشْبَاهُ رَوْنَقِهِ الغِيدُ الأمَاليدُ

لم يَترُكِ الدّهْرُ مِنْ قَلبي وَلا كبدي

شَيْئاً تُتَيّمُهُ عَينٌ وَلا جِيدُ

يا سَاقِيَيَّ أخَمْرٌ في كُؤوسكُما

أمْ في كُؤوسِكُمَا هَمٌّ وَتَسهيدُ؟

أصَخْرَةٌ أنَا، ما لي لا تُحَرّكُني

هَذِي المُدامُ وَلا هَذي الأغَارِيدُ

إذا أرَدْتُ كُمَيْتَ اللّوْنِ صَافِيَةً

وَجَدْتُهَا وَحَبيبُ النّفسِ مَفقُودُ