في خضم الحرب التجارية المُتدحرجة بين بيجين وواشنطن، ووسط المخاوف الدولية من احتمال انزلاق العالم إلى أزمة اقتصادية مفتوحة، جراء العدوانية المُنْفَلِتة التي يبديها الرئيس الأميركي ضد معظم دول العالم، وبخاصة تجاه الصين في محاولة لكبح صعودها ومزاحمتها الولايات المتحدة على قيادة العالم أو أقلّه تكريس نظام دولي جديد، متعدد الاقطاب، ودفناً للتفرّد الأميركي الذي امتد لربع قرن تقريباً، بعد انتهاء الحرب الباردة، برز للسطح التقرير الذي اصدرته وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) والذي يتحدّث عن"خطر صيني تواجِهه الولايات المتحدة،حيث باتت بيجين قادرة على ضرب أميركا وهزمها".

تقرير البنتاغون الجديد يكاد يكون نسخة منقحة عن تقرير العام الماضي، الذي تحدث عن خطر صيني مماثِل،وصفته بيجين حينذاك بانه"غير مسؤول"،فيما جاء الرد الصيني على التقرير الحالي،حاداً ناعتة اياه بــ"تكهنات مُضلّلة"،بل ذهبت للقول:إنّ تقرير البنتاغون اساء تفسير نوايا بيجين الاستراتيجية،وضخّم ما يُسمى"التهديد العسكري الصيني".مُعيدة التذكير بأنّ"الجيش الصيني يُبدي اعتراضه"التام على هذا الطرح،وقدّم احتجاجات قوية للجانب الأميركي".

ارتفاع منسوب الغضب الصيني إزاء التقرير الاميركي، يستبطن تحذيراً واضحاً لواشنطن من المضي قدما في عملية التحريض على السياسات الصينية الدفاعية,وفقاً لما جاء في بيان وزارة الدفاع الصينية.الذي تحدّث عن "قيام الصين بتنمية سِلمية لجيشها،منتهجة استراتيجية وطنية دفاعية تساهِم بشكل دائم في السلام العالمي"،ما يعني ان بيجين تستشعر اتجاها متصاعدا لدى دوائر التخطيط العسكري والاستراتيجي الأميركي،مواصلة ادارة ترمب خطواتها الإستفزازية وتحرّشاتها "العسكرية"وخصوصا في بحر الصين الجنوبي,حيث تُحرِّض واشنطن حلفاءها في تلك المنطقة الذين ينازعون بيجين على"ملكية"بحر الصين الجنوبي,مثل فيتنام والفلبين و"تايوان"وماليزيا وبروناي وقيامها (واشنطن) بتنظيم مناورات عسكرية في تلك المنطقة,فضلاً عن اقتراب قطع بحرية عسكرية أميركية من الجزر,الذي تقول الصين انها جزء من جغرافيتها منذ قرون.

صحيح ان باراك اوباما هو الذي دشّن الاستراتيجية الأميركية الجديدة,التي رأت ان منطقة المحيط الهادئ وليس كما جرى القول إن الشرق الأوسط هو مختبر الصراعات الدولية,هي التي ستحسم شكل وطبيعة النظام الدولي الجديد.كذلك صحيح ان ادارة ترمب لم تتخلّ عن"رؤية"اوباما,وإن كانت لم تُهمِل الشرق الاوسط,بل اعتبرته مصدر الثروات والعقود والصفقات،التي ستسهم في توفير المزيد من الوظائف للاميركيين,على ما دأب تذكير جمهوره المتعصِّب في حملته الانتخابية,وخصوصاً بعد وصوله للبيت الابيض رافعا شعار استعادة عظمة اميركا وان اميركا... اولا,لكن ملف التحقيقات حول التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الرئاسية ما يزال يطارِده ويثير ردود افعاله المرتبكة,واخرها التغريدة التي اطلقها يوم امس عندما "نصَح"جميع الأغبياء الذين يراقبون بانتباه روسيا،ان ينظروا في اتجاه آخر...الى الصين".

ربما يكون ترمب أخذ بنصائح ثعلب الدبلوماسية الاميركية هنري كيسنجر,الذي اشار عليه استمالة روسيا ضد الصين،في محاولة لكبح الاخيرة تماما (ولكن في شكل معكوس لما فعله,عندما كان مستشاراً لشؤون الامن القومي (ولاحقا وزيرا للخارجية) في عهد ريتشارد نيكسون,عبر"دبلوماسية البينغ بونغ"والتي ادّت لقيام علاقات مع بيجين ,أفضت ضمن امور اخرى,لقطيعة نهائية بين قطبي الشيوعية العالمية،اللذين بذلا قصارى جهدهما لهزيمة الآخر، ونزع صفته التمثيلية كمركز للشيوعية العالمية.

اكثر ما يؤكّد حملة التضليل الاميركية،التي تستهدف تصوير الصين (وروسيا ولكن بدرجة اخرى),وكأنها تأخذ العالم لمواجهة عسكرية,هو تهافت الطرح الاميركي حول الإنفاق العسكري الصيني وخصوصا القول ان ميزانية الدفاع الرسمية في الصين,ستتجاوز"240"مليار دولار بحلول العام 2028.. اي بعد عشر سنوات من الآن،فيما يُغفل الاميركيون عن عمد,ان ترمب نفسه وقّع قبل اسبوع فقط موازنة الدفاع الاميركية لهذا العام والتي بلغت"763"مليار دولار.,ما يعني انها ستتجاوز تريليون دولار قبل العام 2028,عندما تكون موازنة الدفاع الصينية قد بلغت رقماً متواضِعاً (مقارنة بالموازنة الاميركية) يصل وفق التقديرات الاميركية الى"240"مليار دولار.

ثمة حقيقة تُدركها الدوائر السياسية والعسكرية,وخصوصاً اؤلئك الذين يقودون المجتمع الصناعي العسكري الاميركي,وهي ان الحصول على مزيد من الاموال المُخصَّصة للجيوش والاساطيل والتسليح,يستدعي تضخيم قوة العدو الحقيقي او المُحتَمل او المُتخَيّل,ولهذا لا يجد رموز"حزب الحرب"في البنتاغون ووكالات التجسّس الاميركية,سوى الصين تهديداً ماثلاً (بالطبع لن تسقُط روسيا بوتين,عن لائحة الأعداء او المنافسين كما صنفتها الاستراتيجية الدفاعية الجديدة,التي اعتمدتها ادارة ترمب.

في السطر الأخير... ليس في وارد بيجين أو موسكو ضرب أو الذهاب الى حرب مع واشنطن، لكن سياسة ترمب في عسكرة العلاقات الدولية، وخلق المزيد من بؤر التوتر والأزمات,تسير قدماً وبخطوات ثابتة وهذا ما يُميز السياسات الإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة.

kharroub@jpf.com.jo