في الزمن الأغريقي القديم توصل أحد تلاميذ طاليس إلى نظرية افترضت أن الحياة في هذا الكون تشكلت من أربعة عناصر هي: "التراب والماء والنار والهواء". اسمحوا لي أن أستخدم هذه النظرية أو المعادلة لتفسير ما يجري داخل المشهد الفلسطيني كما أراه.

أرى أن في الضفة الغربية هواء و تراب محتل وماء راكد ولكن العنصر الرابع غير متوفر وهو النار. أما في قطاع غزة يوجد الهواء والنار والتراب المحاصر والكبرياء في غياب الماء، بل هناك من سعى إلى اطفاء نار القطاع بماء الضفة.

أردت التأكيد على المعادلة الحتمية وهي أن عناصر المشهد الفلسطيني القابل للحياة لا تنصهر إلا بتوحيد الضفة والقطاع في موقف موحد ولغة واحدة، ولكن بالوضع الراهن أراها مهمة مستحيلة، لأن عدداً من الأطراف العربية والإقليمية والدولية يمنع المصالحة ويضغط باتجاه ادامة تكريس الأنقسام وترسيخ نهجين مختلفين بالوسائل والخيارات والأهداف والمصالح.

في الضفة الغربية، نسمع ضجيجاً ونرى حراكاً سياسياً غاضباً غير مسبوق، لأن السلطة الفلسطينية بدأت تشعر بأنها مستهدفة لأسباب تتعلق بالمشروع الأميركي المشبوه (الصفقة الكبرى). هذا الغضب الطارىء زاده الحديث عن هدنة أو تهدئة بين حماس واسرائيل، في حين كانت القيادة الفلسطينية تطالب الفصائل في غزة، بل تمارس الضغط عليها، للقبول بالتهدئة والحلول السياسية عبر المفاوضات ضمن منظمة التحرير.

اللافت أن السلطة تواصل التصعيد السياسي والإعلامي ضد اسرائيل والولايات المتحدة وصفقة التصفية، كما أن البيان الختامي للمجلس المركزي حمل عبارات تصعيدية شديدة اللهجة ولوّح بخيارات لفظية عديدة، لكن ليس من بينها خيار الإنتفاضة أو المقاومة، لذلك لا أعتقد أن بيان المجلس المركزي سيقلق اسرائيل.

أما في القطاع، فالأمر مختلف لأن لدى غزة خيارات عديدة، أولها خيار الصبر والصمود والمقاومة وهي خيارات مقلقة وموجعة ومكلفة لإسرائيل. ولكن التطورات الأخيرة تثير تساؤلات حول نوايا وأهداف حكومة نتنياهو من البحث والتفاوض حول التهدئة مع القطاع!!

الحقيقة أن اسرائيل جرّبت الخيار العسكري ضد القطاع أكثر من مرة، ولجأت إلى فرض أطول وأقسى حصار من أجل تجويع وقهر غزة، ولكن كل خياراتها اللاانسانية فشلت رغم توحشها.

اليوم تلجأ اسرائيل إلى خيار الإنعاش الاقتصادي، أي أنها تقدم رشوة لجزء من الشعب الفلسطيني، لم يعش حياة هادئة عادية منذ عقود، وربما مع وعد بفتح الميناء والمطار واستثمار الغاز الكامن في الساحل المقابل للقطاع، ولكن الهدف الأهم هو فصل القطاع عن الضفة تمهيداً لتكون غزة هي الدولة الفلسطينية البديلة، ولكن نحن على يقين بأن فصائل المقاومة في القطاع واعية ومحصنة ضد هذا المشروع، ولكن هناك خشية من جر حركة حماس إلى الفخ بمغريات شهوة السلطة، وهو قلق فلسطيني مشروع.

في النهاية أرى أن الرد الوحيد على هذا المشروع هو الرفض الفلسطيني الكامل الموحد، نحن نراهن على ارادة وصمود الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع وكل شعبنا في فلسطين التاريخية.

Email m.yousefkawash@gmail.com