في الثمانينات، كان لدينا طبقة من الوزراء مختلفة عن طبقة اليوم ..أتذكر حين كنت طالبا، في المرحلة الإعدادية..قام وزير التربية ذوقان الهنداوي – رحمه الله- بزيارتنا في مدرسة الربه الإعدادية، كانت الساعة تشير إلى السابعة والنصف صباحا وقد دخلنا الصفوف للتو ..والوزير جاء من عمان إلينا، وأتذكر أن الرحلة في السيارة من الكرك إلى عمان أو العكس في ذلك الوقت كان تأخد أكثر من (3) ساعات ...هذا يعني أن معاليه جاء مع صلاة الفجر، أو أنه غادر عمان قبل انبلاج الصباح .

دخل ذوقان الهنداوي، وحضر حصة معنا ...وناقش الأستاذ وحاورنا ...ثم غادر وترك في الصف، بعضا من بقايا عطره وهيبته، وكانت المرة الأولى في حياتي التي أشاهد فيها وزيرا وكنت أظن في لحظة أنهم يصنعون في الفضاء ويصدرون إلينا ..لكن تبين لي بعدها أن الوزير هو مواطن عادي مثلنا مثله .

لأنه كان طويلا، لم تتسعه (الرحلاية) فأحضروا له كرسيا وجلس بجانبي، ظل يقلب في دفتري، الذي كنت أدون عليه بعض الملاحظات من شرح الأستاذ (علي جراد) ...للقصائد، وكنت أيضا أنسخ على أوراقهن بعضا من قصائد نزار قباني ..في الغرام ..وأرسم قلوب حب غير متقنة هندسيا، وعبارات ..سرقتها من الكتب ..لم أعرف هل أعجب دفتري الوزير أم أنه امتعض منه؟ ولكني أظن أنه أعجبه، فقد كان يبتسم مع كل صفحة يقلبها، وكان يضحك ..وقال لي عبارة واحدة ما زلت أذكرها وهي : (خطك جميل يا إبني، وقلبك جميل)...

حين كنت في الصف الأول الإعدادي، قلب ذوقان الهنداوي دفتري ..وربما اكتشف اني مبتلى بالحب وبالشعر..

وزراء اليوم كما قلت يختلفون عن وزراء ذلك الزمن، فهم يغادرون دون أن يتركوا ..ولو بقايا عطر في المكان، ولا أظن أن واحدا منهم على استعداد لأن ينطلق فجرا إلى الجنوب كي يقلب دفتر طفل ...يخاف أن مر يوم عليه دون أن ينام على كف أمه ...وزراء اليوم كل مافعلوه هو : أنهم قلبوا مواجعنا فقط ..فقط قلبوا المواجع .

Hadi.ejjbed@hotmail.com