كما كان متوقعاً لم يخرج المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي انهى أعماله للتو في مدينة رام الله,بمقاطعة كل من الجبهتَين.. الشعبية الديمقراطية ومعهما المبادرة الوطنية،بأي قرارات حاسمة او ذات أثر ملموس (باستثناء الكلمات والعبارات والمصطلحات ذات الضجيج الكلامي الفارِغ والمفتعَل), يُسهِم على الأقل في الحؤول دون انهيار المشروع الوطني الفلسطيني, الذي بات يواجه خطر التصفية, حيث يَصعب على منصِف او وطني إنكار مساهمة الحركتان اللتين إحتكرتا المشهد الفلسطيني, في ايصاله الى هذه الحال المُتردِّية، وما كان لاعداء القضية الفلسطينية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الاميركية والحركة الصهيونية, بما هي رأس الحربة في اقامة كيان العدو وارتكاب جريمة التطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني, فضلاً عن دور المتصهينين الجدد في المنطقة, الذين أخذوا على عاتقِهم مهمة الإجهاز على ما تبقّى من مقاومة ورفض للمشروع الإحلالي الكولونيالي العنصري الصهيوني في فلسطين.

ما كان لهؤلاء ان يصلوا لأعلى درجات الصلف لولا الوهَن وانعدام المسؤولية وارتفاع منسوب الأنانية وسيادة ثقافة الحقد وتصفية الحسابات والشخصنة,التي حكمت سلوك قادة فتح/ السلطة (وبالعكس) وخصوصاً قادة حماس, الذين استمرأوا طوال عشر سنوات نتائج وتداعيات الإنفصال وباتوا خصوصاً بعد التحوّلات التي طرأت على المشهدين الاقليمي والدولي,اقرب للقبول بالانفصال الجغرافي بين"محافظات"الشمال والجنوب,ولم تعد تُخيفهم او تثير لديهم القلق,الاهداف الخبيثة والمُعلنة التي تقف خلف محاولات العدو الحثيثة، المحمولة على بُعدين.. سياسي وميداني للتعاطي مع قطاع غزة على انه كيان"آخر"لا صِلة له بالضفة المحتلة، حيث يرومون (الحلف الصهيواميركي وبعض العرب) القول لرئيس السلطة/ فتح ان بمقدورِهم تجاوزه, والتعاطي مع حماس كأنه غير موجود، فيما الأخير من أسف، يواصِل سياسة رفع المزيد من"الجدران"والشروط التعجيزية وفرض المزيد من العقوبات على غزة وأهاليها. في وجه محاولات المصالَحة التي تزداد تعقيداً وشخصنة وتعجيزاً, كأن يطالب (عباس) مثلاً في خطابه في افتتاح دورة المجلس المركزية الاخيرة بـ"حلّ الميليشيات",قاصداً بالطبع فصائل المقاومة في قطاع غزة.وفي مقدمتها بالطبع حماس والجهاد الاسلامي. رافعاً شعاراً مُضلِلاً يُخفي ويستبطن أهدافاً مشبوهة، اكثر مما يسعى لاعادة المشروع الوطني الفلسطيني لسكته الأصلية, بعد انحراف"استطال"اربعة عقود ونيف منذ طُرِح مشروع النقاط العشر في العام 1974 وخصوصاً بعد اتفاق اوسلو الكارثي,وصولاً للتنسيق الأمني,رغم التهام سرطان الاستيطاني معظم اراضي الضفة الغربية المحتلّة.

يشترط الرئيس الفلسطيني مصالَحة كامِلة ليمضي قُدماً في المسعى المصري الذي امتدحه باقتضاب,ويُطالِب بحكومة واحدة وقانون واحد بل وسلاح"شرعي"واحد (في افتراضٍ غير موجود,يشي بأن لدى السلطة سلاح شرعي,يعرف سيادته انه في خدمة التنسيق الأمني) ويُصِرّ على ان ذلك يجب ان يتم بـِ"دون ميليشيات.. هنا او هناك",والرسالة واضحة لا تقبل الاجتهاد او التأويل.

ماذا عن حماس؟

هي الاخرى ماضِية في الطريق ذاته,وإن كان قادتها يشعرون ببعض القوة.. لا فائِضها.فهم باتوا تحت الاضواء,فيما هي تنحسِر عن رام الله.. سلطة وفتح,وهؤلاء في حماس لم يعودوا يُفرّقون بين الخلاف الفصائِلي مع فتح/ السلطة,وبين الانزلاق الى تهدِئة يكون عنوانها التعاطي الاسرائيلي الاميركي وبعض العربي,على ان"القطاع"منطِقة جغراِفية منفصِلة،قال الاميركيون على أعلى المستويات انهم "ماضون الى ذلك...مع عباس او بدونه".وإذ يبدو التحذير الاميركي محاولة لاستدراج عباس لصفقة القرن وعندها سيُسارعون إلى ركل حماس،فإن الاخيرة في عنادِها وتصميمها على مواصلة رقصة التانغو مع اسرائيل بتشجيع بعض العرب، فكأنها تُدير ظهرها لدروس وعِبر السنوات السبع التي انقضت على هبوب عواصف الربيع العربي العاتية, عندما سارَعت (حماس) بنقل بندقيتها لكتف آخر,ظناً منها ان تلك الرياح,مواتِية لأشرِعة منظومة الاسلام السياسي التي تنتمي اليها,فلم تحصد ومَن التحَقَت بهم سوى... الفشل والخيبة.

اللافت في نتائج اجتماع المجلس المركزي الاخير هو توعّد بيانِه بـ"اجراءات غير مسبوقة,سيتم اتّخاذها بعد خطاب محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في ايلول القريب".إجراءات تقول مصادر فتحاوية: انها "ستطاوِل حماس بالدرجة الاولى, لكنها ستكون مُوجّهة الى الولايات المتحدة واسرائيل".

فمَن يسبق مَن؟ إجراءات عباس.. أم تهدِئة حماس؟

الإنتظار... لن يطول.

kharroub@jpf.com.jo