لعلّ جزءاً من حالة التمزق التي تخبرها المجتمعات العربية وحالة فوضى الخطاب التي أخذت تسود في المجتمع الأردني اخيرا يعود إلى عدم تمكننا للآن من التعامل باحتراف مع التعددية وإدارة الاختلاف.

عالمياً، كانت المجتمعات الإنسانية تعيش تحت وهم أحادية التفكير والتجانس والتناغم وتتمسك بهذا الوهم بقوة ظانة أنه السبيل لتماسك المجتمع وتعاضد أفراده. ومع حلول النصف الثاني من القرن العشرين، وبعد تجارب غير سارة واختلالات كبيرة، بدأت معظم الدول المتحضرة تدرك أهمية الاعتراف بتعددية مكوناتها العرقية والاجتماعية والثقافية والدينية والمذهبية والسياسية، وبأهمية الاختلاف في الأفكار والرؤى والمواقف.

نقلة حدثت في الفكر الجمعي الإنساني تتمثل في أن الاختلاف في الرأي أمر صحي وأن التعددية بكافة أبعادها هي أمر طبيعي ومخزون إيجابي.

ومن هنا بدأ الاعتراف بالتعددية والتوعية بأهميتها وسن القوانين والتعليمات لحمايتها، ورسم طرق التعامل معها وإدارتها بحنكة وحكمة. نتيجة لذلك كله، ونتيجة التصالح مع الذات، تحقق السلم المجتمعي والاستقرار في العديد من المجتمعات شرقاً وغرباً ونجحت التنمية وكان الازدهار.

ونحن في الأردن وفي عدة دول عربية – بعكس دول عربية أخرى لا يزال الوضع فيها غير مقبول قط – قطعناً أشواطاً كبيرة في الاعتراف بالتعددية واحترامها، وفي التعايش والتسامح والانسجام بين مكونات المجتمع المختلفة، إثنياً واجتماعياً وثقافياً ودينياً ومذهبياً.

والحقيقة فإن عمّان العاصمة والعديد من المدن الأردنية من إربد إلى العقبة تجسد روح التعايش والتسامح واحترام التعددية والانسجام بين المكونات المجتمعية على نحو متميز؛ ونفخر دوماً بهذه الميزة. ومع ذلك فالمطلوب منا فعل المزيد لمعالجة بعض الاختلالات والبناء على المكتسبات.

أما بالنسبة لإدارة الاختلاف في الرأي، فالوضع على نحو عام أقل بكثير من المرجو، وبالذات في ظل المستجدات الكثيرة وتعاظم وسائل التعبير للأفراد والجماعات والتي أتاحت لهم الإفصاح عن أفكارهم على نحو غير مسبوق وأبرزت كما لم نخبَر من قبل حالة من فوضى الرأي وتنافر وجهات النظر والتشاحن والتوتر والتراشق.

وهذا أمر مضرّ بالمجتمع. فالأصل أن يعبّر الناس عن آراءٍ مدروسة مبنية على المنطق والملاحظة الدقيقة والتمحيص والكلمة المنتقاة بعناية والفكرة المسؤولة بهدف إثراء الحوار وإتاحة التوصل إلى اتفاق على نتائج أو قرارات أو خطوات تُحسم إما بالتزكية أو بالتصويت.

فقد أصبح جلياً أن أفضل القرارات هي ليست المبنية على الكبت أو الإسكات أو فرض وجهة نظر واحدة على الآخرين، بل التي تقوم على إتاحة المجال للجميع للتعبير عن آرائهم بحرية والإدلاء بدلوهم ثم التوصل إلى مواقف توافقية.

وعندما نتحدث عن الاختلاف بالرأي، فإننا لا نتحدث – كما قد يظن البعض – عن "الرأي والرأي الآخر"، فهذا تفكير ثنائي هو جزء من المشكلة، بل نتحدث عن "اختلاف الآراء"، أي الجمع لا المثنى.

المطلوب فعله كثير لتحقق المرجو. منه الاعتراف الصريح من قبل الجميع، رسمياً وشعبياً، بأن الاختلاف صحي؛ ومنه إتاحة مساحة آمنة للناس للتعبير عن آرائهم، على أن يوازي ذلك أو يسبقه توعية للأفراد وتهيئة لهم بامتلاك مهارات التعبير والتواصل الفاعلة التي تنميها المناهج المدرسية والجامعية وأساليب التعليم والتعلم المواتية التي لا تركز على الحفظ والتلقين وأحادية المعلومة "الصحيحة" والفكرة "الصائبة"، بل على تعددية المعنى واختلاف وجهات النظر ونسبية الحقيقة.

ومنه تهيئة الإعلام، الرسمي والخاص، للتعامل باحتراف مع التعددية بكافة مكوناتها ومع ثقافة الاختلاف في الرأي. فمع الأسف الشديد، فلقد أخفق الإعلام العربي عموماً، العام والخاص، في التعامل مع المستجدات وساهم في أحيان كثيرة، عن قصد أو جهل، في إثارة النعرات وتفاقم الأزمات وإشاعة الفوضى والتمزق والتشرذم، ولقد أدت "حواراته" وآراء "خبرائه" و"محلليه" إلى تسطيح القضايا وضبابيتها وإلى الجهل والفوضى. ومن هنا فلا بد من إعادة بناء وتأهيل العديد من الوسائل الإعلامية لتكون على قدر التحدي ولتتمتع بالآهلية والمهنية المطلوبتين.

amajdoubeh@yahoo.com