أدارها: د.خالد الشقران حررتها وأعدتها للنشر: بثينة جدعون

خروج العرب من المأزق الحالي يتم عبر قراءة واضحة ومنطقية للمعادلات السياسية الإقليمية والدولية

وقفت الجلسة التي نظمها مركز "الرأي للدراسات" حول "روسيا وقضايا المنطقة" على معطيات حل الأزمة السورية، والتي أكد فيها المشاركون على أن انتهاء الدور العسكري بسوريا أصبح وشيكاً جداً، وبأن روسيا تعدّ الآن أهم شريك بصناعة المستقبل السوري.

ورأى المشاركون في الندوة التي شارك فيها من روسيا مدير مركز البحر الأسود للتحليل المعلوماتي د.أندريه موخوف، وأستاذة العلوم السياسية في جامعة القرم الفيدرالية د.تتيانا سينوشكينا، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة سيفاستوبل الحكومية د.عمّار قناة مع نخبة من السياسيين والاقتصاديين الأردنيين وبحضور نائب سفير روسيا الاتحادية في الأردن أوليغ ليفين، أن الوجود الروسي بالمنطقة يعيد التوازن لها في ظل حالة اختلال موازين القوى التي يعيشها العالم ومنطقة الشرق الأوسط بخاصة.

وناقش المشاركون في الندوة محاور عدة من أهمها: الدور العسكري الروسي في سوريا، والرؤية الروسية لصفقة القرن وتأثيرها على الأردن، إضافة إلى تأثير انضمام شبه جزيرة القرم لروسيا على قوّتها في المنطقة، وكذلك ملف عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، مؤكدين على أنهم ضد أي مفهوم للتمدد الجغرافي الطائفي المذهبي في المنطقة كونه يعدّ تهديداً وجودياً للمنطقة ككل.

مرحلة "التغيرات الجيوسياسية"

قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة سيفاستوبل الحكومية د.عمّار قناة إننا نعيش اليوم في مرحلة المتغيرات التي عادة في الإعلام والتحليل السياسي يطلق عليها اسم "التغيرات الجيوسياسية".

وأضاف أنه إذا نظرنا للأمر من وجهة نظر أخرى نجد أن هناك أيضا متغيرات جذرية اقتصادية وثقافية وفكرية وليست فقط جيوسياسية، وبرأيه أن هذه الحالة التي يمر بها العالم أجمع تعدّ نقطة تحول يمكن لها أن تشكل بالمستقبل الجديد حالة وعي سياسية جديدة، ومنظومة لم تعتد عليها البشرية من قبل.

وبالنسبة لعملية الانتقال من أحادية القطبية إلى التعددية القطبية، قال قناة إنه عند النظر إلى موقف روسيا كلاعب جديد في الشرق الأوسط نجد أنها ظهرت كقوة جيوسياسية وليست اقتصادية، كما أنها ظهرت كلاعب منافس للقوى التي كانت وما تزال موجودة في الساحة الدولية.

وأشار إلى أننا اليوم نرى أن هناك اضطرابات في منظومة العلاقات الدولية وردّ ذلك إلى أسباب منها: صعود روسيا وسطوع العملاق الاقتصادي الصيني وذلك إضافة إلى التخبط الداخلي في المنظومة السياسية الأميركية التي نرى تداعيات أخطائها اليوم والتي تتحملها منطقة الشرق الاوسط أكثر من غيرها، إضافة إلى أنه وحتى الآن يمكن أن نعدّ أن مسرح العمليات الجيوسياسية لإعادة توزيع النفوذ الدولي من جديد وتقاسم الحصص هي منطقة الشرق الاوسط.

وعن دور روسيا وعما إذا ما كانت تتدخل بالشرق الاوسط لمصالحها، قال قناة إن لكل طرف كان إقليمياً أو دولياً مصالح استراتيجية واقتصادية وسياسية في أي منطقة في العالم، مضيفاً أنه عندما نتكلم عن وجود صراع ما، فهناك تظهر التضاربات في المصالح الإقليمية أو الدولية.

ورأى أن دخول روسيا كطرف جيوسياسي في الشرق الأوسط لا يعدّ مسألةً اعتباطية أو أنها كانت تجربة من التجارب لإثبات الوجود ضمن منظومة العلاقات الدولية الجديدة وإنما هي أولاً: مسألة الاسقرار السياسي النسبي للشرق الأوسط إذ إنها تعدّ من أهم المصالح الاستراتيجية الروسية وذلك للحفاظ على توازن منظومة الامن القومي الروسية.

أما السبب الثاني فيتمثل في ارتباط المصالح الاقتصادية الروسية والشرق أوسطية، فاليوم من وجهة النظر الاقتصادية أي (النفط والغاز) نرى أنه يقسم بين روسيا والشرق الأوسط، داعياً إلى وجوب التواصل في هذه المرحلة على مستويات أكثر مما كانت عليه من قبل للخوض في المعادلة الاقتصادية الدولية الجديدة.

وبالنسبة لمسألة تحكم طرف دولي واحد (أميركا) بكل المداخل البحرية في العالم قال قناة إن هذا الأمر استمر أكثر من 40 سنة، في حين أننا اليوم نرى أن هناك معادلة بدأت تتبلور وهي المعادلة البرية فالتجارة الدولية الآن ستخرج قليلاً أو جزئياً من المفهوم البحري إلى المفهوم البري، لافتاً إلى أن هذه المعادلة ليست معادلة روسية ولكنها معادلة صينية بحتة، مؤكداً أن وجود الطرف الصيني بهذه المعادلة الجديدة يفرض على منطقة الشرق الأوسط أن تأخذه بجدية أكبر وبعين الاعتبار، فالخطوط التجارية البرية و التي ستُعتمد بالمرحلة القادمة أكثر من 30% منها ستمر بمنطقة الشرق الأوسط.

ونفى القول السائد من عدم وجود الصين كلاعب جيوسياسي واقتصادي بالساحة الدولية اليوم، مؤكداً أن الصين اليوم تستخدم أدواتاً وطرقاً خاصة فهي لا تشعر بضرورة أو وجوب التدخل الصارخ بالسياسة الدولية كما نراه الآن في شكل الصراع القائم بين روسيا والولايات المتحدة.

وأضاف قناة أن المعادلة البرية الاقتصادية القادمة تملي على الشرق الأوسط متطلبات أو صراعات قادمة شئنا ذلك أم أبينا، متسائلاً عما إذا كنا على استعداد لتقبل هذه المعادلة، وإمكانية التعاطي مع الأطراف الدولية القادمة.

ورأى أن الدور الروسي كان منذ البداية إلى اليوم دوراً إيجابياً يكمن في حفظ الاستقرار النسبي لمنطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أنه منذ ما يسمى بـ"الربيع العربي" كانت هناك تداعيات كثيرة، ومواقف دولية وإقليمية متعددة، مضيفاً أن الأخطاء التي ارتكبت كانت من خلال مراهنة الأطراف الدولية والإقليمية على عدم قدرة روسيا بالسيطرة على الواقع السياسي والعسكري القادم في الجغرافية السورية.

وعدّ قناة هذه المسالة تعتبر خطأً استراتيجياً كبيراً، فمنذ البداية كانت المراهنة خطأ وبالتالي ولدت شبه المعادلة و التي رأيناها أو التصرفات غير المنطقية بالتعامل مع النظام السوري أو مع التنظيمات الارهابية، والمعارضة السياسية المسلحة وغير المسلحة، لافتاً إلى أنه من هنا جاء الدور الروسي كلاعبٍ أو ضابط استقرار في المرحلتين الحالية والقادمة.

وأوضح أن كثرة الصراعات والتناقضات بين مصالح الدول الإقليمية اليوم نراه جلياً بالشرق الأوسط وبخاصة في الأردن، وعلى سبيل المثال نذكر العلاقات الأردنية الإسرائيلية، والعلاقات الأردنية أو العربية (السعودية ومصر)-الإيرانية، فهناك الكثير من التفاعلات التي يمكن التعامل معها إلى اليوم كأسئلة فقط، متسائلاً: ما هو موقفنا كعرب من الأطراف الإقليمية ممثلة بتركيا وإيران، عما إذا كان التصعيد السياسي والعسكري من صالحنا ام لا.

ورأى قناة أن روسيا تعدّ الطرف الدولي الوحيد الذي يمكن أن يضبط هذه التفاعلات الإقليمية، وذلك أن روسيا تقف على مسافة ثابتة بين كل هذه الأطراف الاقليمية.

وقال إن روسيا أكدت منذ البداية وما زالت إلى الآن تؤكد على وجوب الانتهاء من الحالة العسكرية الإرهابية بسوريا، ومن ثم التوجه إلى تفعيل الحل السياسي، والذي كما كان معلناً منذ البداية ان الحل سوري-سوري، و بدون أي تدخلات اجنبية.

وشدّد قناة أن روسيا تعدّ اليوم في المنطقة جاراً سياسياً، وليس جاراً من نوع آخر، داعياً إلى وجوب التعامل مع واقع سياسي جديد، مضيفاً أن هذا الأمر بدا واضحا لدى الجميع، نافياً أن يكون كما يقال في الإعلام إن لروسيا فقط مصالح سياسية وغير واضحة تجاه الأزمة السورية، فالواقع أثبت أن هناك أطرافاً يجب أن تلتغي، مؤكداً أن الأهم اليوم هو عدم تمدد العمليات العسكرية خارج الجغرافية السورية.

وذكّر بالمفاوضات الروسية-الأميركية بالنسبة للأزمة السورية، وإنه وبعد فشل محادثات جنيف المتعددة، استمرت المباحثات الروسية-الأميركية لأكثر من ثمانية أشهر وانها قد دخلت في التاريخ السياسي كمباحثات كيري-لافروف ولم تفض باي نتائج ايجابية لحل الازمة السورية.

وأضاف أن هذه الجولات الحاسمة استحدثت إطاراً آخر لم يستثن إطار جنيف وهو إطار "استانة" وبرأيه أن هذا الإطار وضع بداية النهاية للأزمة العسكرية السورية حيث كان التفاوض سوري-سوري وبمظلة الدول الضامنة روسيا وتركيا وايران، لافتاً إلى أن أهم ما في الأمر هو أن التفاوض كان يتم مع من يملك القوة العسكرية على الأرض، وبالتالي رأينا نتائج هذه المفاوضات عبر إيجاد مناطق خفض التصعيد والتي توصلنا من خلالها للانهاء الجزئي للحالة العسكرية في سوريا.

وأشار إلى أننا رأينا الكثير من التصعيد الإقليمي على حساب مصالح الطرف العربي، كالتصعيد الإسرائيلي-الإيراني في المنطقة السورية، والتصعيد التركي-الأميركي وذلك من خلال عدم الاتفاق على المصالح في المنطقة.

وأكد قناة أن روسيا يمكن لها أن تلعب دوراً مهماً جداً في المعادلات السياسية والاقتصادية القادمة، وهنا تتقارب المصالح الاستراتيجية الروسية مع مصالح منطقة الشرق العربي.

وبخصوص مسألتي عودة اللاجئين لسوريا، وإعمار سوريا، قال قناة إن مسألة إعمار سوريا ليست بالمسألة التي يمكن التعامل معها بسهولة اليوم، مؤكداً على أهمية الدور الصيني هنا، فخلال سنة تقريبا عقد في سوريا والصين أكثر من 12 لقاء على مستوى عالٍ، داعياً إلى وجوب أخذ هذه المسألة بعين الاعتبار.

ولفت إلى أن الغرب كحضارة ودول وأطراف ومنظومات قيمية وإقليمية تحدثوا كثيراً عن اللاجئين وعن معاناتهم في الأردن ولبنان على سبيل المثال، كما استُخدم ملف اللاجئين كأداة ضغط للطرف التركي بعلاقته بالمنظومة الأوروبية، مضيفاً أن اللاجئين السوريين في الأردن وفي لبنان شكّلوا وما زالوا العبء الاقتصادي والاجتماعي على المنطقة، متسائلاً مَن غير روسيا في الوقت الحالي يحمل زمام المبادرة والسعي الحثيث لحل أزمة اللاجئين؟، مؤكداً أنها الدولة الوحيدة التي تقوم اليوم بطرح أدوات الحل ووضعها على الطاولة، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن ألمانيا ودولاً أخرى تتحدث أيضاً عن تحسين أوضاع اللاجئين ولكن في مناطق اللجوء.

ورأى قناة أن الدور العسكري في حل الأزمة السورية قد انتهى، مضيفاً أن هذا الدور أصبح اليوم سياسياً ويمكن له أن يتحول إلى دورٍ ثقافيٍ جديد في المرحلة القادمة متمثلا بإعادة النظر بكيفية التعاطي مع الأزمات المحدقة في المنطقة.

وشدّد أن كل ما تم ذكره يصب بالمصالح المشتركة الروسية (العربية-الشرق أوسطية)، مضيفاً أننا الان أمام حالة جديدة قد تكون محورية بالتعامل مع الأطراف الإقليمية والدولية القادمة.

وذكر قناة أن هناك أخطاراً كثيرةً قادمة لا محالة، مشيراً إلى أن عدم استقرار أكثر من منطقة في العالم ستلعب الدور الأهم في شكل الخطر القادم، مؤكداً أننا كعرب باستطاعتنا الخروج من هذا المأزق، وذلك عبر قراءة واضحة ومنطقية للمعادلات السياسية الإقليمية والدولية والتي تتبلور في المرحلة الحالية.

القرم

وفي مداخلتها قالت أستاذة العلوم السياسية في جامعة القرم الفيدرالية د.تتيانا سينوشكينا إن العام 2014 شكّل حالة وجودية لأهل القرم وروسيا، وحالة جديدة في منظومة العلاقات الدولية، حيث انضمت شبه جزيرة القرم إلى روسيا، وذلك بناء على الاستفتاء الذي استكمل في الجزيرة وكانت نتائجه بنسبة تصويت 97.7% بالانضمام لروسيا.

وأضافت أنه لأول مرة في تاريخ القرم السياسي و الانتخابي تصل نسبة المشاركة في العملية الانتخابية إلى 86%.

وأشارت سينوشكينا إلى أنه ومنذ انضمام القرم تشكلت حالة شبه عدائية ما بين روسيا والعالم الغربي والتي ما زالت مستمرة إلى الآن، مؤكدة أن ما حدث كان قراراً شعبياً بحتاً وليس عبثياً، ومبينةً أن سكان القرم تربطهم نفس العلاقة والمنظومة الثقافية والدينية والتاريخية بروسيا، وبالتالي فإن عملية انضمام القرم لروسيا عملية منطقية طبيعية، ولذلك نرى اليوم أن شبه جزيرة القرم هي أكثر من يعاني من العقوبات الاقتصادية نتيجة لهذا القرار.

وأوضحت أن منطقة القرم تعدّ منطقة متعددة الإثنيات والثقافات على مدى التاريخ، مضيفةً أن الدراسات و التاريخ الموثق يبدأ بمنطقة القرم من القرن الخامس قبل الميلاد، إذ كانت تعدّ القرم وبخاصة مدينة سيفاستوبل كيانا كاملا متكاملا.

وقالت سينوشكينا أن أهم محطة بتاريخ القرم هي علاقته بالإمبراطورية البيزنطية وبخاصة عام 1889، حيث تمت عملية انتقال الروس كإثنية من الديانة الوثنية إلى المسيحية، ففي هذه الفترة بدأت منطقة القرم وروسيا باعتناق المسيحية الأرثوذكسية.

وتابعت أنه بعد هذه الفترة جاءت حقبة الدولة العثمانية ومن ثم أُنشأ في المنطقة الجنوبية بالقرم الحكومة التترية، مضيفةً أن الحدث الذي يمكن تثبيته كتاريخ هو الإتفاق الرسمي وتوقيع المعاهدة ما بين الدولة الروسية برئاسة الإمبراطورة كاترينا وتتار القرم في العام 1737 والتي نصت على انضمام منطقة الجزء الجنوبي من القرم إلى الإمبراطورية الروسية.

وذكرت سينوشكينا أنه مرت بعدها مراحل تاريخية عدة على القرم إلى أن تمّ ضم القرم إدارياً ونقلها من روسيا السوفياتية إلى أوكرانيا السوفياتية وذلك في العام 1954 بقرار من الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي انذاك نيكيتا خروتشوف.

ولفتت إلى أن القرم منذ تلك الفترة كانت تعدّ محافظة سوفيتية، مؤكدة أن المسألة لم تكن على ذلك القدر من الأهمية، فالجميع كان لديهم قناعة بأنهم يعيشون بالاتحاد السوفياتي، مبينة أن هذه المسألة تعدّ مسألة إدارية ولا اكثر.

وأوضحت أن الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي وعودة تتار القرم في التسعينات كانت تعدّ من الفترات الصعبة لتتار القرم وأيضاً للدولة الاوكرانية انذاك، وبرز ذلك من عدم قدرة الحكومة الاوكرانية بالتعاطي مع الأزمات الاقتصادية وتوازياً مع عودة تتار القرم إلى شبه الجزيرة لم يكن هناك برامج معينة وظهرت الكثير من المشكلات من أهمها المشكلات الاقتصادية، كما أنه ومنذ تلك الفترة بدأت عملية تفعيل العنصر الديني كاداة سياسية وذلك لخلق توازنات تصب في المصلحة الاوكرانية.

وأشارت سينوشكينا إلى مسألةٍ قانونيةٍ الاستفتاء كانت مناطة بالقانون الأوكراني القرمي وهي أنه عند بدء تزعزع المنظومة السياسية الأوكرانية عام 2013 كانت هناك مطالب رسمية مجتمعية داخل أوكرانيا وبخاصة من قبل محافظ المدينة بالعودة لدستور شبه جزيرة القرم لعام 1992، حيث كانت النقطة الأساسية لتفعيله هو حق إجراء الاستفتاء.

وقالت إنه خلال الأربع سنوات التي خلت يمكن النظر اليوم إلى أن هناك حالة اقتصادية جديدة ومشاريع عديدة، فالناس بدأت تشعر أن هناك دولة ونظاماً جديداً، وأن الحياة بدأت تتبلور أفضل مما كانت عليه من قبل.

وذكرت سينوشكينا أن الجميع يعلم أن التاريخ الرسمي لانضمام شبه جزيرة القرم لروسيا والاعتراف من قبل روسيا وتعديل دستور روسيا الاتحادية كان يوم الثامن عشر من آذارمن عام 2014، كما أنه في يوم 21 من نيسان كان القرار الرئاسي برد الاعتبار الرسمي والمعنوي من قبل الدولة الروسية تجاه تتار القرم، والأرمن، والألمان، واليونان الذين هجروا قسراً، بقرار من القيادة السوفياتية أواسط القرن العشرين.

وأضافت أنه في الثامن عشر من عام 2018 شارك القرم ولأول مرة في تاريخه في انتخاب رئيس روسيا الاتحادية، حيث شارك بالعملية الانتخابية ما نسبته 71.5% من سكان القرم و92.5% منهم صوتوا لمرشح الرئاسة فلاديمير بوتين.

وتابعت أنه في سنة 2014 اجريت عملية احصاء لسكان القرم، فالنتائج الاحصائية لم تكن فقط بتعداد السكان ولكنها تعرضت أيضاً للتعداد الاثني والثقافي ، فكانت النتائج أنه يعيش بجزيرة القرم 175 إثنية، يشكل منهم الروس نسبة 68%، والأوكرانيين ما نسبته 15%، وتتار القرم يشكلون 10.6%، وهم يعدّون إثنية يدينون بالإسلام السني.

وأكدت سينوشكينا أن انضمام شبه جزيرة القرم لروسيا يعدّ مسألة شرعية، وتؤخذ من اعتراف المجتمع والناس، مضيفةً أنه بالسنوات الاربع الأخيرة حدثت الكثير من التغيرات الاقتصادية والثقافية والمجتمعية، وكذلك من ناحية تهدئة العلاقات أو رسم السياسات الإيجابية للمجتمع، إذ يمكن القول اليوم أن الحالة الاجتماعية والدينية في شبه جزيرة القرم هي حالة مستقرة.

الاستثمار في القرم

وبدوره تحدث مدير مركز البحر الأسود للتحليل المعلوماتي د.أندريه موخوف عن البيئة الاستثمارية بمنطقة القرم واصفاً القرم بأنها أرض كريمة ومعطاءة.

وقال إن من أهم الأمور بالنسبة للقطاعات الاستثمارية التي يمكن النظر إليها بالقرم هو وجود أكثر من ميزة فيها منها: الجو البيئي المعتدل واللطيف، ومسألة المواصالات البرية حيث تم انجاز الجسر الذي يربط القرم بروسيا البرية، إضافة إلى وجود كوادر بشرية مهمة، تتمثل بجامعة القرم الفدرالية وجامعة سيفاستوبول الحكومية.

وأشار موخوف إلى وجود الكثير من المصانع في القرم منها: مصانع إعادة بناء السفن وتصليحها، وصناعة النبيذ، إضافة إلى وجود قطاع مهم له علاقة بالأمور البحرية وهو صيد السمك وتقنيات التجميد والتقطيع التي يتم التعامل بها مع السمك بعد الصيد.

وأضاف أنه لتفعيل هذه القطاعات يجب أن تكون الحالة البيئة الاستثمارية مؤهلة لذلك، وبالتالي أعلنت جمهورية القرم عن السياسة الواضحة للتعامل مع البيئة الاستثمارية بشكل قانوني عبر لجنة للإشراف على الاستثمارات البيئية والتي يرأسها رئيس جمهورية القرم، كما تم حديثاً إنشاء هيئة عامة للاستثمار.

وأوضح موخوف أنه منذ عام 2015 تم إنشاء منطقة اقتصادية حرة في منطقة القرم مشيراً إلى أن المشاركين في هذه المنطقة عندهم العديد من الامتيازات مثل: الانخفاض الضريبي لأكثر من 2%، فالمدفوعات التي تدفع للحكومة لمؤسسات الضمان الاجتماعي مخفضة لهم، فالمستثمر في العشر سنوات الأولى معفى من الضرائب الحكومية كافة، إضافة إلى الاعفاء الجمركي للآلات والمواد المستخدمة خلال هذه السنوات العشر، وكذلك عرض بدون المزايدة على أراضٍ للاستثمار لبناء المصانع تعطى بالإيجار لفترة طويلة جداً، لافتاً إلى ان المواد المنتجة من خلال هذه المنطقة الاقتصادية معفاة من الضريبة الداخلية للتصدير.

وأضاف أن الشيء الممنوع من الاستخدام في هذه المنطقة هو البحث أو التنقيب عما في باطن الأرض للاستخراج وتصنيع المواد الخام، والأهم في هذه المعادلة هو أن تكون الشركة مسجلة في منطقة شبه جزيرة القرم.

وأشار موخوف إلى الحدث الاقتصادي السنوي الذي يعقد في مدينة يالطا ممثلاً بمؤتمر يالطا الاقتصادي المرتبط مباشرة بالمنتدى الدولي الذي يعقد سنوياً في مدينة سانكت بطرسبرغ، والذي يجذب المليارات من الاستثمارات لروسيا، فهو يعدّ اليوم من أهم المنتديات الاقتصادية في العالم على غرار مؤتمر دافوس.

وتابع أنه على سبيل المثال في المؤتمر السابق والذي جرى بين القرم وسوريا حول عملية الإعمار تم التوقيع على اتفاقيات مبدئية لبداية التعامل بحوالي 900 مليون دولار.

وقال موخوف إن هناك الكثير من الدول التي بدأت تهتم بمنطقة القرم مثل اليونان وقبرص وإيطاليا، إضافة إلى الصين والتي بدأت بالاستثمار السياحي وبصناعة النبيذ وغيرها من الصناعات.

الدستور السوري الجديد

ومن جهته بدأ الكاتب والمفكر السياسي عدنان أبو عودة حديثه عن التخوف الغربي الذي وجده مؤخراً في مقال لكاتب غربي من انتقال الحضارة الغربية والحضارة العالمية من الغرب إلى الشرق أي من أوروبا إلى آسيا ومن الغرب إلى الصين وروسيا، فمن المعروف أن العالم يعيش في الحضارة الغربية منذ القرن الـ18.

ويربط أبو عودة من تخوف الغرب بانتقال الحضارة مع حديث قناة الأمر الذي جعله يتساءل عن قدرة روسيا على استخدام الفيتو بشأن القضية العربية، موضحاً أنه بعد أن انتهت تقريباً القصة العسكرية بسوريا، فإن روسيا الآن تعدّ أهم شريك بصناعة المستقبل السوري، مضيفاً أنه بحسب قراءته الشخصية فإن أميركا وبخاصة روسيا تنتظران نتيجة الانتهاء من عمل دستور جديد لسوريا يقوم على عمله دي مستورا، معتبراً إياه يلبي رغبات معينة بالمنطقة ومنها الرغبات الإسرائيلية.

وأضاف أننا بالعالم العربي سعدنا لدخول روسيا المنطقة، لسبب بسيط وهو بالمقارنة بين أداء روسيا وأميركا، فالناس ليست راضية من أداء أميركا، وبخاصة في ما يتعلق باستخدامها الفيتو بمجلس الأمن لتعطيل أي شيء بالقانون الدولي ضد إسرائيل، متسائلاً: عما إذا كان يمكن للعرب الاعتماد على روسيا أن توظف كونها واحدة من حملة الفيتو من أجل القضية العربية.

ورأى أبو عودة أن الحديث عن تقسيم سوريا سيظهر بالدستور الذي سيتشكل، فسوريا الآن يشكلونها وفقاً لروسيا وأميركا، مشيراً بحديثه إلى أن أكبر حماقة سياسية بالتاريخ العربي الحديث تتمثل بتبديل إيران بإسرائيل كعدو لنا، مؤكداً أن العدو الرئيسي الذي يهددنا هي إسرائيل فقط.

وتابع أنه ليس غريبا أن تبادر روسيا بشكل إيجابي للعمل مع دول الشرق الأوسط، لأن الجميع يعرف أن اللاعبين كثر وروسيا تعدّ من أهم اللاعبين بسبب سوريا.

وأشار أبو عودة إلى أنه خلال العامين الماضيين زار نتنياهو بوتين أكثر من ثماني مرات، مضيفاً أن ما تدعيه إسرائيل في أنها تطرح موضوع الخروج الإيراني لا يتطابق مع الموقف الروسي من إيران، فالجميع له مصالحه، متسائلاً: عما إذا كانت ستسمح روسيا لأميركا أن تلعب لعبتها مع إيران كما تريدها إسرائيل باسم الحرب التجارية، وعن موقف روسيا من الحرب التجارية علماً بأنها قد تكون أحد الضحايا.

وبخصوص الاستثمار في منطقة القرم، تساءل أبو عودة عن نوع الأعمال التي بحاجة إليها منطقة القرم، وعن نوع العمالة التي يحتاجونها.

النفوذ الروسي

رأى الأمين العام لحزب الوسط الإسلامي م.مدالله الطراونة أن روسيا كانت تعدّ حليفاً استراتيجياً للعراق، وكانت تشكل مورداً رئيسياً له بالأسلحة، وفي لحظة ما عند احتلال العراق من قبل أميركا وإيران تخلت روسيا فجأة عن العراق وخلت الساحة منها، كما أنها حاولت أن تثأر لنفسها في سوريا، وبرأي الطراونة أن روسيا تحتل سوريا وتقتل وتشرد السوريين وبخاصة المعارضة السلمية، وبالتالي يوجد في سوريا دمار شامل سببه روسيا.

وبحسب رأي الطراونة أيضاً أن سوريا أصبحت مسرحاً للنفوذ بين روسيا وإيران، لافتاً إلى موضوع تدخل الأميركيين بالانتخابات الروسية، ومؤكداً أن موضوع شبه جزيرة القرم ليست قضية سهلة وأنها أكبر من ذلك، فهي منطقة للنفوذ مهمة للجانبين الروسي والأميركي.

كما تساءل عن دور روسيا تجاه القضية الفلسطينية وبخاصة أن الأردن هو الدولة الوحيدة بالمنطقة التي تؤيد حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره وبدولة فلسطينية عاصمتها القدس.

العلاقات العربية-الروسية

أكد وزير الخارجية الأسبق وأستاذ العلوم السياسية د.كامل أبو جابر أن العلاقات العربية الإسلامية مع روسيا قديمة جداً، مشيراً إلى أنه بالقرن التاسع أرسل خليفة بغداد بعثة لروسيا بقيادة أحمد بن فضلان وكتب كتاباً من أورع ما يكون عن الثقافة والمجتمع الروسي بتلك الفترة، واصفاً إياه بالنادر، مضيفاً أنه مترجم لعدد من اللغات والنسخة الأساسية منه موجودة في جامعة سانت بطرسبرغ.

وأشار أبو جابر إلى أنه كان له شرف مقابلة عدد من الشخصيات الروسية بصفته وزير خارجية أردني سابق منهم بانكين وغورباتشوف مرات عدة، وبرأيه أن الوجود الروسي بالمنطقة يعيد التوازن لها، مؤكداً بأسف أننا كعرب فقدنا وزننا في العالم، وبالتالي إننا بحاجة إلى من يعيد التوازن إلى المنطقة وبخاصة بعد تمادي إسرائيل بشكل غير معقول، لافتاً إلى الصداقة التي تربط نتنياهو مع بوتين والتي هي من حقه، كما أنه من حقه التصرف كما يشاء، وبرأيه أن لدى الرئيس بوتين ما يكفي من الحكمة ليمحّص ويقود الأمور.

وقال إننا نرحب بروسيا كونه لا تاريخاً استعمارياً لها بالنسبة لنا، إضافة إلى أن هناك الآلاف من الشباب الأردني الذين درسوا في روسيا يفوق عددهم الذين درسوا في أميركا وأوروبا.

وذكر أبو جابر أن حلم روسيا بالوصول إلى المياه الدافئة موجودة من أيام بطرس الأكبر، وتحقق الآن هذا الوجود في فترة الاسد الأبن وقبله الأب.

ورأى أن على الدولة الروسية أن تنتبه للأردن بشكل خاص كوننا الدولة العربية المسلمة الوحيدة التي حافظت على توازنها خلال ما يسمى بـ"فترة الربيع العربي"، فقد حافظنا على علاقات مميزة مع الاتحاد السوفياتي سابقاً ومع الدولة الروسية.

وتساءل أبو جابر عما إذا بالإمكان الاعتماد على روسيا كدولة عظمى مؤازرة لها مصلحة ومصلحة أساسية في منطقتنا؟ كما تساءل عن الثمن الذي دفعته روسيا لأميركا وإسرائيل حتى تسمح لها بالدخول للمنطقة؟

وفي ختام حديثه أكد أبو جابر أن روسيا تعدّ دولة عظمى ومن مصلحتنا كعرب بقاء هذه الدولة عظمى، ومن مصلحتنا وجودها، فروسيا كدولة عظمى لها علاقاتها مع إسرائيل وأوروبا وأميركا، ولها مصالح مع الجميع، وهي دولة تتعامل مع الواقع وليس مع الأحلام والصداقات، مؤكداً أنها دولة عظمى ولها مصالح في العالم كافة.

روسيا والمجتمع الدولي

وفي مداخلة له وصف نائب السفير الروسي في الأردن أوليغ ليفين هذه المبادرة مهمة كونها تلقي الضوء على منطقة القرم والفرص الجديدة الموجودة فيها.

وأكد أن استرجاع روسيا الاتحادية للقرم يعدّ حق في تقرير المصير، فهذا القرار متخذ للأبد، مشيراً إلى أن روسيا ترحب باستقدام الفرص للاستثمار وبناء العلاقات مع القرم.

وقال ليفين إن الاستفزازات موجودة لدى الغرب حول ما يسمى بالعقوبات ضد روسيا بموضوع عودة القرم، مضيفاً أنه وبصرف النظر عن هذه الحالة فهناك علاقة بين الاتحاد الروسي وشبه جزيرة القرم، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن أكثر من 700 طالب أردني يدرسون بالقرم.

وشدّد أن روسيا جزء لا يتجزأ من المجتمع الدولي، روسيا كانت وستكون دولة كبيرة ومؤثرة في مختلف مناطق العالم، وأن الشعوب العربية لها مكان في دائرة الاهتمام الروسي، وكذلك الأمر بالنسبة للشعب الإسرائيلي حيث أن ربع المهاجرين إلى إسرائيل كانوا من روسيا.

وأضاف أن روسيا ليس لديها تاريخ استعماري، ولهذا السبب هي محبوبة من قبل الشعوب العربية.

وبخصوص الدور الروسي في سوريا قال ليفين إن تدخل روسيا في سوريا جاء بناءً على دعوة الحكومة السورية بذلك، فمشاركة روسيا في سوريا هو في إطار الشرعية.

إمكانات القرم السياحية

قال أستاذ القانون الدولي العام والدبلوماسي السابق د.عيسى دباح أن روسيا ليست جارة على الإطلاق، إنما هي موجودة بمنطقتنا بصورة مؤقتة وجاءت بدعوة من حكومة شرعية بحسب قوله .

وأشار دبّاح بخصوص منطقة القرم إلى أنه منذ عامين قام بزيارتها مع وفد أردني، مبيناً أنهم لاحظوا في القرم إمكانات سياحية هائلة، وبلادا جميلة ذات طبيعة رائعة، داعياً إلى تحسين الخدمات الفندقية والجامعية فيها لتجذب عدداً أكبر من السيّاح والطلبة.

القوة الروسية

وبدوره قال الباحث الطالب عبد الرحمن العساف إن السبب وراء عدم وجود استعمار روسي بالمنطقة هو وجود حلف بغداد في العام 1955 برئاسة بريطانيا لمنع المد الشيوعي، متسائلا: لماذا لم تستطع قوة روسيا الضاربة في القضاء على داعش إلى الأن؟.

روسيا وصفقة القرن

أكد أمين عام الحزب الوطني الدستوري د.أحمد الشناق أن سوريا ليست قضية منفصلة عما يجري بالإقليم، فهي من ضمن التحولات التاريخية العالمية، إذ إن القضية ليست سوريا فقط إنما هي جزء من إعادة صياغة المسرح العربي وإدخاله لمفهوم منظومة شرق أوسط جديد.

وقال إن روسيا أحدثت توازناً على الأرض بداية ببقاء النظام السوري ودخول إيران ووجود قواعد تركية وأميركية وفرنسية وبريطانية، متسائلاً عن الرؤية الروسية أو السياسة الروسية في هذا الموضوع.

وأشار الشناق إلى أن الأردن ممثلاً بجلالة الملك والدبلوماسية الخارجية الفاعلة أساس التوازن بالعلاقات الدولية، مؤكداً أن هذه تعدّ رؤية أردنية كبرى بعيداً عن التفاصيل الجزئية، كما أن الأردن له رؤية للإقليم برمته والمنطقة العربية برمتها أيضاً.

وقال إننا نعرف أن هناك نظام أمن إقليمي جديد، وقد يكون الوجود الروسي لا يشكل تهديداً لأن له رؤية سياسية، لافتاً إلى أن مجيء الإيرانيين مع روسيا يزعجنا طائفياً، لأن هناك بعداً جغرافياً كما هو الحال بالعراق.

وأضاف أننا مع المصالح السياسية للدول بنفوذها، مشيراً في الوقت نفسه إلى أننا لسنا مع مفهوم التمدد الجغرافي للمفهوم الطائفي المذهبي في المنطقة وهذا يهددنا وجودياً.

وتابع أننا نقدر لروسيا موقفها ومساهمتها بخفض التصعيد في الجنوب السوري المتاخم للحدود الأردنية والمهدد للأمن الوطني الأردني.

وبرأي الشناق أن روسيا دخلت إلى سوريا بعد تهيئة المنطقة وصناعة داعش والإرهابيين، مؤكداً أن ما يعنينا بالأردن هو معرفة رؤية الاتحاد الروسي الصديق نحو صفقة القرن ومستقبل الحل للقضية الفلسطينية في شكل الإقليم الجديد، متسائلاً إذا ما كانت روسيا قادرة على ايجاد معادلات توازنية في المنطقة كما أوجدتها على الأرض السورية، وعما إذا ما كان لها علاقة بصفقة القرن وتهديداتها على الأردن.

كما تساءل عن الموقف الروسي بالسياسة الإقليمية في ما يتعلق بالوجود الإيراني على الأرض السورية والذي برأيه يعد تهديداً طائفياً وليس مفهوم دولة بالبعد السياسي، وما هو شكل نظام الأمن الإقليمي ومن هي الدول التي ستجلس على الطاولة بخاصة وأن العرب أصبحوا ضمن ورق الأميركيين والاتحاد الأوروبي والروس والأتراك.

الحالة الثقافية والأيدولوجية

واستهجن النائب د.مصطفى العساف على ما ورد خلال حديث د.قناة وكأن روسيا قدمت الورود للوطن العربي، متسائلا بسبب من هُجّر الشعب السوري؟ ولماذا تتدخل روسيا، عاداً أن الإعمار سيكون إعماراً روسياً على حساب الشعب السوري، مضيفاً أنه لو ترك الحل سورياً مع الحكومة السورية لكانت النتائج غير ذلك.

وقال إن الحالة الثقافية والايديولوجية هي التي دفعت بروسيا وغير روسيا للتدخل، لافتاً إلى أن داعش صنعت لتكون سبباً للتدخل والتنسيق الروسي والأميركي في سوريا، وبرأيه أن روسيا لن تكون يوماً من الأيام مع العرب.

اختلال موازين القوى

رأت أمين عام حزب الشعب الديمقراطي الأردني عبلة أبو علبة أن المشكلة الأساسية هي بالاختلال الفادح في موازين القوى العالمية والمحلية، وأن السبب الرئيسي يكمن بالأنظمة التي منعت التعددية والتي حاربت الأحزاب وحاربت القوى الأخرى من غيرها، مؤكدة أن روسيا ليست هي السبب، الأمر الذي أحدث اختلالاً في موازين القوى الداخلية، وبناءً عليه اختل ميزان القوى العالمي، مضيفة أن روسيا جاءت نتيجة هذا الاختلال وأن لديها مشروع مثل أي دولة كبرى، فهي تعدّ قوة اقتصادية وحضارية كبرى ولديها تاريخ عريق في الصراعات الدولية... وغيره.

وحول قول نائب السفير الروسي أوليغ ليفين من أن روسيا جاءت بطلب من النظام السوري، رأت أبو علبة أن مثل هذه التفسيرات القانونية قد تكون مفيدة بالإعلام العالمي ولكنها ليست مفيدة كثيراً عندما نتحدث عن موازين القوى، مشيرة إلى أنه إذا لم يكن لروسيا مشروع استعماري في المنطقة وليس لديها مشروعاً استعمارياً الآن، إذن ما علاقة روسيا بحقول الغاز في سوريا؟.

وأكدت أن الصراع العربي الصهيوني دائماً يشكل محوراً رئيسياً بوعينا وهو أداة قياس، فالجميع يعرف أن روسيا ليست الاتحاد السوفياتي وأن لديها نظاماً مختلفاً وتحمل إرثاً، بالتالي فإنني لا أنظر لعدد الزيارات بين نتنياهو وبوتين، وإنما لحجم الميزان التجاري والتبادل العسكري بين روسيا وإسرائيل.

وقالت أبو علبة إذا كان هناك جواب واضح للعلاقة التجارية والعسكرية بين روسيا وإسرائيل، حينها نستطيع أن نستنتج كيف سيكون موقف روسيا من صفقة القرن، الأمر الذي يعدّ مؤشراً مهماً لنا، مؤكدة أن روسيا بالنسبة لنا ليس لديها مشروعاً استعمارياً، وإنما جاءت حصيلة اختلال حاد في موازين القوى، داعية إلى وجوب الاتعاظ وأخذ العبرة مما حدث في العراق وما زال يحدث حتى الآن.

القرم والتراث العربي الإسلامي

ورأى الباحث في الشأن الروسي إبراهيم نفّاع أن تقييم الدور الاستعماري من عدم وجوده لروسيا، مرده إلى الحوار داخل روسيا بمدرسة بطرسبرغ التي انتجت المستشرق الروسي كراتشكوفسكي، مشيراً إلى أن روسيا كانت محايدة كثيراً بالتعامل مع العرب ومخطوطات طشقند والتعامل مع المسلمين في آسيا الوسطى، فقد تم اكتشاف الكثير من المخطوطات وإظهارها للعلن.

وأشار إلى رحلة المطران مكاريوس الحلبي لروسيا، ودوره بوضع تجمع مقدس هناك في العام 1659، وفصل الدين عن الدولة.

ودعا نفّاع أن يكون هناك دور ثقافي في جمهورية القرم وجسر للعبور بينها وبين التراث العربي الإسلامي، كما دعا إلى إظهار ما تبقى من التراث العربي المخطوطي الموجود في روسيا إلى العلن، ومطالباً بأن يفتح المجال هناك للدراسات الشرقية.

ولفت إلى أن روسيا في العام 1804 وضعت مرسوماً حكومياً لتدريس اللغات الشرقية وكانت هي أول دولة تدرس اللغة العربية بينما كان التركيز في أوروبا على اللغة العبرية.

روسيا وأحادية القطبية

قال الباحث والخبير في الجماعات الإسلامية د.مروان شحادة إننا ربما نكون أقرب إلى روسيا من الغرب بسبب التنوع الحضاري بين الشرق العربي الإسلامي وروسيا.

وتساءل إذا ما كانت روسيا جادة لتكون قطب فاعل وجاد في وجه أحادية القطب الذي مارسته الولايات المتحدة منذ بداية التسعينات، وعما إذا كان تدخلها هو لتحقيق مصالحها في صراع الهيمنة والنفوذ واقتسام الثروة، كما تساءل عما إذا ما سيكون هذا التدخل استعمارياً بالمستقبل وما سيترتب عليه من موقف تجاه قضية القرم وغيرها من التدخلات.

التقسيم في سوريا

وتساءل الزميل مدير وحدة الدراسات هادي الشوبكي عن أطروحات التقسيم في سوريا ومواقف الدول منها وهل سيواجه التقسيم الأزمات الطائفية التي تنشأ في فترة ما بعد الحرب والأزمة في سوريا، وعن مدى التزام روسيا وإيران وكل القوى الدولية والإقليمية بالانسحاب من سوريا.

الحوار الروسي-العربي

قالت سينوشكينا إنه من المعلوم أن الشرق الأوسط مليء بالتناقضات، مؤكدةً أن هذا جاء نتيجة لانهيار أحادية القطبية، ومشيرة إلى أننا وللأسف نشعر بارتدادات هذا الأمر، مضيفةً أننا نشاهد أن هناك انعكاسات وارتدادات لجميع الأطراف وكل طرف من هذه الأطراف الدولية والإقليمية يحاول تحصيل المصالح الأكثر من خلال هذه الارتدادات والانعكاسات.

وأكدت أننا اليوم نشاهد أن هناك نظاماً دولياً جديداً يتشكل، مضيفةً أن المهم هو أن نعرف دورنا وكيف سنكون جزءاً من هذا العالم، والأهم من ذلك هو الحوار بشكل منتظم، داعية الجميع للمشاركة في هذا الحوار وأن تكون منطقة القرم ساحة له على سبيل المثال.

وأشارت إلى أنهم في القرم بصدد إطلاق "المنتدى الروسي العربي" والذي سيكون في شهر تشرين الأول المقبل في القرم، مؤكدة أن هذه اللقاءات هي فقط جزء من العمليات التي سنصل بها لمنتدى ايجابي يمكن من خلاله تعميق العلاقات بيننا وفهم بعضنا البعض.

ردود قناة

قال قناة إن موقف روسيا منذ البداية تجاه القضايا العربية أو القضية الفلسطينية الإسرائيلية كان واضحاً قانونياً، فروسيا كانت وما زالت تدعم القضية الفلسطينية ووجهة النظر الفلسطينية من حيث مبدأ الدولتين في جميع القرارات الرسمية والشعبية.

وحول موقف روسيا من صفقة القرن، تساءل قناة مستنكراً عن ماهية صفقة القرن، وعما إذا كانت تعدّ مشروعاً سياسياً، مشيراً إلى أنه لا يوجد حتى وثيقة تثبت وجود هذه الصفقة، وأنها ليست سوى وجهة نظر سياسية تعبر عن جزء من السياسة الخارجية الأميركية.

وبالنسبة لموقف روسيا من العراق سنة 2003 انها كانت بدايات التكوين لروسيا الاتحادية كقطب جيوسياسي ، مؤكداً أنها لم تعدّ جزءا من الاتحاد السوفياتي، مضيفاً أن الجميع يذكر أنه عند انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في 8/8/1988 كانت المعادلة الدواية آنذاك تختلف تماماً وبالكامل.

وتعقيبا على سؤال ما هو الثمن الذي دفعته روسيا لأميركا، قال قناة إنه بعد فشل المشروع الأميركي الجمهوري والذي كان يسمى بـ"الشرق الأوسط الكبير" بدأ التخبط بالسياسة الأميركية، وكان الهدف الأميركي تمديد أي أزمة بالشرق الأوسط، وذلك لعدم وجود أي برامج أو رؤية مستقبلية لهذا الدور في المنطقة، مؤكداً أن هذا جاء بعد التحول السياسي الخارجي من الخروج الجزئي للولايات المتحدة من الشرق الأوسط والتوجه شرقاً إلى الصين وغيرها.

وبخصوص زيارات نتنياهو لموسكو والتي هي كانت أكثر من 8 مرات ، أجاب قناة أنه بالمقابل لم نر الزيارات المكثفة للقادة العرب لروسيا وهذا ان دل على شئ فهو يدل على التفهم الاسرائيلي لخطورة الموقف والوعي المستجد لدور روسيا في المنطقة وضعف الرؤية العربية للمستجدات في الشرق الاوسط

وفي خلال الازمة السورية راينا التخبط العربي والاستدارات في المواقف السياسية وتناقض وجهات النظر وهذا كله شكل حالة غير عقلانية في التعاطي مع الواقع السياسي الجديد.

ولفت إلى أن الأردن اليوم يمر بحالة مفعمة بالمتغيرات وهي التحول لمرحلة اخرى وواقع جديد وذلك بالتوازي مع الضعف في المنظومة الاقتصادية وعدم وجود برامج سياسية مستقبلية .

وبخصوص العلاقات الروسية-الإيرانية، قال إن المصالح الروسية الإيرانية يمكن لها أن تتقارب ولكنها ليست مصالح استراتيجية بالمجمل حتى في سوريا، مضيفاً أن إيران لها علاقات استراتيجية أكثر مع الطرف الصيني من الطرف الروسي، فهي تعد البوابة الصينية للشرق الأوسط، مؤكداً أنه لا يمكن استثناء إيران في أي معادلة شرق أوسطية قادمة، فهذا واقع سياسي يجب التعامل معه.

وبخصوص الطائفية التي تطرق لها البعض قال قناة إننا اليوم لا نتعامل مع إيران كمشروع ديني، او على أنها إيران الشيعية أو الفارسية، وإنما نتعامل مع مشروع إيراني سياسي له جذور وبرامج محددة.

وأضاف أنه في الوقت الحاضر هناك حلفاء لايران ويشكّلون أكثر من طرف، وبالمقابل فإننا نرى هناك تصعيداً بين أكثر من قوى مع إيران، ومنها إسرائيل والتي حاولت في بداية الازمة السورية تغيير الواقع السياسي في المناطق المحتلة من هضبة الجولان والان نراها متمسكة بالعودة للاتفاقية الدولية لعام 1974 وعودة قوات هيئة الامم المتحدة وهذا باعتقادي يعتبر نصراً جزئيا للطرف العربي.

أشار قناة إلى إن مسألة العلاقة الروسية-الإيرانية بالمنطقة تشابه حال العلاقة الروسية-التركية، فهي عبارة عن مصالح سياسية استراتيجية مرتبطة بواقع سياسي على الأرض السورية، مؤكداً أن ميزة روسيا في كونها الطرف الوحيد الذي يقف على مسافة واحدة بين الأطراف الاقليمية المتنازعة وغير المتنازعة، مشدداً أنه يتحدث كمحلل سياسي وليس باسم الرئيس فلاديمير بوتين او الحكومة الروسية، وإن جميع القوات الأجنبية الموجودة على الأراضي السورية ستخرج وستبنى سوريا من جديد.

وأكد أننا الآن نرى أن المعادلة السورية شاء من شاء وأبى من أبى هي في طريقها إلى الحل السياسي، فإما أن تكون هناك المشاركة السياسية او الخسارة، مشيراً أن ما حدث في الجنوب السوري خلال الفترة الأخيرة يعدّ انتحاراً سياسياً للمعارضة السياسية السورية، فعندما تكون في موقف أن المعادلة انتهت، والخيار إما أن أموت أو أدافع، متسائلاً أدافع عن ماذا؟ تابع أن المعادلة القادمة هي اتفاق دولي صرّح به من خلال اجتماع هلسنكي بين بوتين وترمب وليس فيه أي مفهوم للتقسيم، إذ يجب النظر للمعادلة الدولية التي تتشكل بطريقة عقلانية، فهناك مبادرات وطروحات ويمكن للشارع العربي أن يفرض ويغير الكثير بالمعادلة، مشيراً إلى أنه في السنوات الخمس القادمة ستتبلور المصالح الاستراتيجية للاطراف الدولية وويجب على دول الاقليم التكيف واخذ زمام المبادرة في المرحلة القادمة ، مؤكداً أن القوات الاجنبية كافة الموجودة على الأراضي السورية ستخرج بلا منازع وأولها إيران.

وحول تهجير الشيشان والشركس، بيّن قناة أنهم لم يُهجّروا، فهذه معادلة سياسية تاريخية، مطالباً الجميع بإعادة قراءة ما حدث للشيشان بمنطقة القوقاز التي كانت منطقة نزاع بين العثمانيين والفرس والروس تاريخيا، وبالتالي كانت هذه مسألة سياسية ولم تكن تهجيراً، بل خروج طوعي وهناك الكثير من الاثنيات المسلمة في تلك المنطقة والتي لم يخرج منها احد.

وبخصوص موضوع السياحة في القرم ذكر قناة أنه يجري العمل على تحسين التقنيات السياحية.

وقال قناة إنه عند الحديث عن روسيا وأميركا نجد أنها حالة تنافسية، فروسيا لا تريد التصعيد مع أي طرف دولي، كما أن روسيا الجديدة تبدأ حياة متجهة نحو التعددية القطبية والاقتصادية، مشيراً إلى أنها طرحت مؤخراً خلال مجريات المباحثات في جوهانسبورغ في قمة بريكس ، وجهات نظر اهمها التركيز و التوجه للتعددية الاقتصادية، ونوه لها من قبل الإدارة في موسكو وعلى ان العقوبات الاقتصادية هي أدوات جيوسياسية تستخدم للضغط على الدول لتحقيق مصالح بعض الاطراف الدولية.

وأكد أن روسيا اليوم أمام ائتلافات اقتصادية وجيوسياسية مهمة، وأنه يرى حتى الآن أن العالم ما زال يفكر أن الولايات المتحدة هي من تمتلك القرار الدولي الوحيد، وهناك اليوم ضعف في الأداء الأميركي وهناك عدم رؤية مستقبلية، في حين أن روسيا تسعى للتواصل مع العالم العربي ومع جميع الأطراف بالعالم بهدف التوصل لمعادلة أو لمشروع أو حتى خارطة طريق جديدة.

وحول المشاريع الروسية بالمنطقة أو تجاه الشرق الأوسط، قال قناة إن المسائل واضحة حتى الآن ولا يوجد مشروع متكامل، فالمشروع بالنسبة لروسيا هو حالة تشاركية مع الأطراف الإقليمية، مضيفاً أننا اليوم في حالة أداء سريع للعمليات السياسية، مؤكداً أن الأخطر من ذلك هو عملية تسريع هذه العمليات السياسية، ولذلك يكرر أنه لا يوجد بالمنطقة مشاريع، وإنما هناك إرادة وقوى سياسية تتنافس ومن الممكن التعاطي معها لصياغة رؤية مستقبلية.