أحمد علي هلال

كاتب وإعلامي وأكاديمي سوري


لعل ثنائية الروائي-الإعلامي، ستضعنا أمام جدلية مثيرة، جدلية الروائي الذي يعمل في حقل الإعلام، كيف يوظف تقنية الإعلام -ولا سيما المرئي منه- لخلق فضاءات جديدة للرواية، فضلاً عن إحراز التوازن المفقود ما بين لقمة العيش والكتابة الأدبية، وبطبيعة الحال دون تجاوز الشروط الإبداعية في التجريب والتجديد، ومصالحة الفن بالحياة!

بل يمكن القول إن ما ينجزه الروائيون الإعلاميون، سيبقى لافتاً للنظر، ليس لجهة اتكائهم على موادهم الإعلامية كمعطيات لفنهم الروائي فحسب، بل لطريقتهم الخاصة بتطوير أدائهم والانفتاح على ما يحاكي الحياة بواسطة الفن. هنا يكمن جوهر تلك الجدلية، في مضاعفة وعينا الجمالي، وتعميق معرفتنا بالحياة نفسها، في تغذيتها للفن، وبصفتها مرجعاً لا ينضب.

تقنية غير مسبوقة

تسجل الروائية والإعلامية ليلى الأطرش ريادتها لتقنية الإعلام المرئي، في رواية عُرفت باسم "مرافئ الوهم" والتي تضاف إلى مجموعة أعمالها الروائية والقصصية: "وتشرق غرباً"، "يوم عادي وقصص أخرى"، "امرأة للفصول الخمسة"، "ليلتان وظل امرأة"، "صهيل المسافات"، "نساء على المفارق"، و"رغبات ذاك الخريف" التي كانت حصيلة تفرغها الإبداعي في منحة من وزارة الثقافة الأردنية.

عملت ليلى الأطرش في تلفزيون قطَر معدّة ومذيعة ومحاورة لألمع الشخصيات الفنية والثقافية والسياسية، وذلك الفضاء تجلّى في روايتها "مرافئ الوهم"، فهل خطف الإعلام، بما له من نفوذ الصورة وسلطتها، مشوارها الإبداعي؟!

الحقّ أن ليلى الأطرش ذهبت لتستثمر معرفتها ورحلاتها وحواراتها ومذكراتها في صوغ محكياتها الروائية والسردية، دون أن تتخفف من سؤال المغامرة والفن، واكتشاف المعادل لما خبرته هي لتنتج سردياتها بشغف مغامرة تذهب من سحر الصورة إلى سحر الكلمة، شواغل إبداعية توالت لتشكل عوالم لصيقة بها، وبنزوعها باستدخال الحياة إلى فنها كسراً لقواعد مألوفة تقرب متلقيها لقضايا عميقة، شغلتها كامرأة مثقفة بأسئلة كبرى ووجودية، لا تكتفي بقول سردي قد يبدو مألوفاً، لكنها طريقتها في قول ما تعرف، فثمة أبعاد رؤيوية أداتها الكشف والاستبصار لما يؤرقها كامرأة تعي مشكلات المرأة على مساحة وافرة لا تختزل بأمكنة وأزمنة بعينها.

فضاءات روائية

إذا كان الواقع يشكل تخوم المعرفة الأولى لليلى الأطرش، خصوصاً واقع المرأة العربية، فإن ذاكرتها ستتسع لتراجيدية حضور المرأة وصورها الظليلة، ومعها ستذهب الروائية لـ"نبش" ذاكرتها واستنطاقها، لتشيد رؤيتها التي تستبطن مواقفها، بعمقها الدفاعي عن المرأة كقضية بامتياز، فهي التي رأت ما يحصل للنساء في الحرب على غزة والعراق والصومال ومناطق الحروب والصراع والفقر، لتبرز المرأة في الذاكرة. فـ "نساء على المفارق" يقارب قصص وحيوات نساء من بلاد مختلفة وأزمان مختلفة، التقتهنّ أثناء عملها الإعلامي، ويصنَّف ضمن أدب الرحلات، تأسيساً على "الوصف الجميل" للمواقع المختلفة، أو من خلال تحليل الشخصيات وأفعالها، أو من خلال توثيق "تاريخ معين بأحداثه ورموزه". وقد كتبت الأطرش تجربتها هذه خلال لقاءاتها التلفزيونية ورحلاتها الشخصية.

أما "مرافئ الوهم" التي اتخذت شكل برنامج تلفزيوني، فهي استمرار لمشروعها في كتابة تجاربها في عالم الإعلام. وحظيت الرواية بحفاوة النقاد واستجابتهم النقدية، لخصوصية نماذجها النسوية الدالة، ولا سيما شادن الفلسطينية، وسلاف العراقية. حيث يغادر فريق تابع لتلفزيون دولة الإمارات العربية المتحدة إلى لندن يضم مجموعة من العاملين أبرزهم شادن وسلاف وسيف العدناني (المخرج الإماراتي)، لتصوير حلقة مع الفلسطيني والكاتب والمحلل السياسي كفاح أبو غليون. ثمة علاقة قديمة بين شادن (الراوية) والكاتب كفاح.. شادن التي تكتب وتنشر في صحف مقدسية.. هي علاقة حب لم يثمر، ويذهب كلاهما في دروب الحياة إلى أن تتاح لشادن فرصة لإنجاز برنامجها الذي سيكون حواراً مع الكاتب كفاح، لتكتشف الوجوه والمصائر بوساطة أسئلة ذكية هي ثيمة الرواية وجانبها المعرفي والأخلاقي، إذ تكتشف شادن أن الرجل الذي أحبته هو "صحفي باع قلمه" ذلك الذي رأت فيه أحلامها بالشهرة والعمل الإعلامي، فلم ترَ سوى أناقته. ويحلو لكثيرين أن يقرأوا في الرواية سيرة الكاتبة ليلى الأطرش، لتشابه شخصيتها بشخصية شادن الروائية والكاتبة والإعلامية، لكن الرواية هي سيرة بمعنى آخر، إذ وزعت الأطرش حياتها على شخوصها، وتركتهم لمطلق حريتهم في تحولاتهم ومصائرهم. تقول في ذلك: "لا يمكن فصل الكاتب عن خبراته المتراكمة، ولكن الأبرز في كل هذه الخبرات المكتسبة هي الطفولة، ومن هنا يكون بروز الزمكانية الأولى عادة في معظم أعمال الكاتب الأولى، ثم يتجرد الكاتب ويبدأ بالبحث عن تجارب الآخرين".

شادن التي أصدرت روايتين، لاحظَ كفاح شاعرية روايتها الثانية. ويتساءل النقاد هنا عن المشترك ما بين ليلى الأطرش وشخصيتها شادن، من حيث اللغة الشاعرية، والمكان (القدس)، إلا أن الكاتبة تجيب على لسان شخصياتها: "إن التجربة البشرية ليست الأساس الوحيد لخبرات الكاتب، فهناك تماسّه مع الحياة وفهمه للطبيعة الإنسانية".

لكن الروائية ليلى الأطرش تعترف بأن "شادن" تشبهها في أن مغامراتها على الورق فقط نتيجة موروثها الاجتماعي وسطوة التقاليد وثقافة العيب، فهي جريئة جداً على الورق وتستنطق شخصياتها بكلمات لم تلفظها في حياتها، لأن للشخصيات منطقها ولغتها التي تناسبها، فهي ليست شادن أو سلاف، لكن الكاتب -كما تقول ليلى- لا بد أن يظهر بشكل متفاوت في شخصياته، والرواية هي حصيلة التماسّ بين الكاتب ومحيطه وخبراته. ذلك الدفاع الذي يستبطن الانحياز لشرط الفن أولاً، هو في حقيقته إعلاء لشأن المرأة دون أن ينزّهها عن إكرهات واقع قائم من مفرداته ثقافة الخوف والعيب، وثقافة الوهم، واعتبار أن مشكلة المرأة بداية مع نفسها، فعليها -تقول ليلى الأطرش- "أن ترفض واقعها وتعرف حقوقها وتدافع عنها، فالحقوق لا تعطى ولكنها تؤخذ".

نماذج نسوية دالّة

في روايتها "ليلتان وظل امرأة"، التي تعاضد بنية زمنية هي ليلتان/ يومان، يسترجع الأبطال ماضيهم ويتحدثون عمّا جرى بعد تلك المدة، فهم أسرى ماضٍ يهربون من حاضرهم وخيباتهم، يصطدمون بالأوهام، فالمرأة هي ظل المرأة. إنّ معادلة الماضي بالوهم هي التي تقودنا لنرى "آمال" تفقد "عادل" من أجل امرأة أخرى. تقترب الشخصيات كما في "مرافئ الوهم" من أسئلة الوجود والمصير، تبتدئ بصراع الواقع والأحلام: "لو يملك الإنسان زمام ما فات، أن يقبض براحتيه على زمن الليالي، أن يعتصر الأيام ثم يفصّلها على مقاس الأحلام والأماني، لكن الحقيقة دائمة التمرد، مجنونة، تعصف بقصور التمني فتهدمها وتذرو بقاياها في ثنايا الريح".

تبدو نماذج ليلى الأطرش النسوية على امتداد سردياتها، حيّة نابضة بالحياة، في انفتاحها على أمكنة وأزمنة مختلفة، كشخصياتها في روايتها "نساء على المفارق"؛ مريم من أميركا، ربى من لبنان، جميلة بوباشا من الجزائر، عزة من الرباط، امرأة من الأردن، وأخرى من فرانكفورت، ما يعني رسمها لخريطة سردية تسعى لأن تقول قولاً سردياً مختلفاً، فليست سلطة الشخصيات فقط وإنما الأمكنة التي تجوبها الروائية، بحثاً عن مشترك نسوي-إنساني، وليست مسافة على الورق، إنها مسافة رؤيا تغاير في "نسويتها" وطريقة خطابها بالاستفادة من الواقع.

العمل المهني كمرجع، يجري التنويع عليه، ليحاكي تجربة إنسانية عميقة ومتفردة عاشتها الروائية وهي تجوب غير مكان، وتدوّن، لتقف على خصوصية نماذجها النسوية كما خصوصية أمكنتها، فأثناء زيارتها لليمن سحَرَها المكان فاستعارته في كتابة روايتها "صهيل المسافات" لتبدو جباله البركانية، خصوصية أهله. ووُصفت الأطرش بأنها "كاتبة عابرة للجنسيات". وكذلك فإن زيارتها للعراق في الطائرة التي كسرت الحصار لأول مرة نهاية العام 2000 أفادتها في فهم طبيعة سلاف وجواد في "مرافئ الوهم". تقول: "إن القراءة في الموضوع تلهب المخيّلة وتخدم الشخصيات".

البحث عن المرأة

وبطبيعة الحال، ودون تجاوز الشغف بالمكان الأول (القدس) وتجلياته في روايتها "وتشرق غرباً" كرواية مكان بامتياز، تتصدى ليلى الأطرش للنقد الذي يركز على صورة المرأة فقط، بمعنى البحث عن المرأة مما تكتبه النساء، فهي لا تتنصل من وجود المرأة كشخصية محورية في أعمالها وتصفها بنصف الحياة، لكنها كما تقول، طرحت صورة الرجل بالتساوي، عدا ما جاء في "ليلتان وظل امرأة"، لأن الأختين (آمال ومنى) تلتقيان في بوح ومكاشفة واسترجاع لا تحتمل معهما أحداً حتى أولادهما. وفي "امرأة للفصول الخمسة" ثمة شخصية محورية نسائية هي نادية الفقيه، حظيت باهتمام النقاد، فيما ظل زوجها يسير في الرواية في خط موازٍ لها. وفي "صهيل المسافات"، تروى الحكاية بلسان رجل عن طموحه كمثقف في تغيير عالمه العربي، ليواجَه بانقلاب المعايير. وفي "مرافئ الوهم" يشكل الرجال والنساء فريقاً متساوياً؛ شادن وسلاف مقابل سيف العدناني وكفاح أبو غليون الصحفي وجواد الجبالي.

إن مساحة ما يحتله الرجال محورية كما تقول ليلى الأطرش، لكن اللافت هو انفتاح ذاكرتها بوصفها "منبعاً لا ينضب"، فهي في أعمالها ومنها "وتشرق غرباً" تعترف أنها قرأت الأهازيج الفلسطينية وتاريخ حرب 1967، وفي "امرأة للفصول الخمسة" قرأت ما كُتب عن تاريخ التنقيب عن البترول في منطقة الخليج العربي ودور المواطن فيها، وكتاباً فيه شهادة للعمال، فضلاً عن مشاهدتها لأفلام قديمة في مكتبة شركة "شل" لتفهم طبيعة الحياة وجغرافية المكان قبل أن تحرك شخوص الرواية، لتعمق بأفكارها تلك العوالم المتناقضة وتخرج برواية مرآة كاشفة.

مفارقات إعلامية

تقول الروائية ليلى الأطرش إن الإعلام الفضائي هو لغة العصر، وترى أن تكريس مذيع لبرنامج ثقافي يعني القضاء على جماهيريته العريضة، ويصير مذيع النخبة التي لا تتجاوز 5% عادة من المشاهدين، وما زال البرنامج الثقافي هو المركب الصعب الذي لا بد من خلطه بالمنوعات الثقافية والفنية ليستقطب المتلقي. لكنها عندما قابلت رموزاً سياسية وأدبية وفكرية وفنية أثناء عملها كمقدمة ومعدة برامج تلفزيونية أشهرها "ليلة ليلى"، أدهشها كثيرون، فالفنان حسين فهمي اكتشفت ثقافته وأناقة تعامله، وكان لقاؤها مع النجمة فاتن حمامة فاشلاً لأنها رفضت التجاوب مع إصرارها على سؤالها عن سعاد حسني وعمر الشريف، فيما تناولت الصحافة لقاءها مع الشاعر أحمد فؤاد نجم ووصفته بأن الروائية شاكست الشاعر المشاكس، فيما تحمّل الشاعر الراحل نزار قباني أسئلتها القاسية، وتضايق الأديب الراحل نجيب محفوظ من مواجهتها له بأنه يعاني من (فوبيا) الطيران، وتذكر ليلى الأطرش أن الفنان أحمد زكي كان سريع الغضب والتوتر، وأن الشاعر محمود درويش بكى أثناء المقابلة، أما عبد الله البردوني فقد وصفته بأنه مبصر (رغم عماه).

وهكذا تتنوع عوالم ليلى الأطرش في تجاوزها، كما تجاوز غيرها من الأديبات (مي زيادة ونوال السعداوي وكوليت الخوري وغادة السمان... وسواهن)، ليؤسّسن مرحلة لأدب يرتقي بالشكل والمضمون ويدلّل على كفاءة لافتة، ليس في تجاوز المحرّم (التابو)، بل في الطريقة المحتفية بالفن وعمق القضايا التاريخية والفكرية والاجتماعية وثقافة أسئلتها.

ليلى الأطرش سادنة القدس تفيض معرفتها على ضفاف منجزها الإبداعي الذي يحاكي أسئلة الحياة نفسها ويلج قضاياها ببصيرة ناقدة لا تجعل من "النسوية" مجرد شعار برّاق سرعان ما ينخطف وهجه. هي في صلب قضيتها حكّاءة أمكنة وأزمنة حميمة، وشخصيات تشبهها وتكتمل بها.