د.أيوب ابودية

وُلد المفكر العربي والعالمي سمير أمين في القاهرة عام 1931 لوالدين طبيبين، الأب مصري والأم فرنسية. حصل على دبلوم العلوم السياسية عام 1952 من فرنسا، ومُنح شهادة الحقوق-الاقتصاد في العام الذي يليه، ثُمّ نال دبلوماً في الاقتصاد عام 1956 من معهد الإحصاءات في جامعة باريس؛ وأخيراً، دافع عن أُطروحة دكتوراه دولة في الاقتصاد السياسي من جامعة السوربون في حزيران عام 1957 بعنوان "التراكم على صعيد عالمي: نقد نظرية التخلف".

عمل منذ عام 1958 في "المؤسّسة الاقتصادية" بالقاهرة، التي رأسها إسماعيل صبري عبد الله، وتمثّلت مهمتها في إدارة قطاع الدولة. ثم غادر مصر مطلع عام 1960 إثر انقضاء شهر العسل بين الشيوعييّن والنظام الناصري، بعد تأميم قناة السويس.

وقد عمل بعد ذلك في قسم الدراسات الاقتصاديّة والماليّة لدى وزارة الماليّة في باريس، من كانون الثاني حتى أيلول 1960.

وبالرغم من هذه الفرصة في العمل، فإنّ سمير أمين ظلّ يطمح للعمل في عالمه الثالث، الإفريقي والعربي، إلى أن تحقق هذا الطموح في "مالي"، حيث وجد نفسه منخرطاً في مساعدة التجربة الاشتراكية الجديدة فيها.

عمل سمير أمين بعد ذلك في المعهد الإفريقي للتنمية الاقتصادية والتخطيط الذي أنشأته الأمم المتحدة في العاصمة السينغالية "داكار"، كما عمل في التدريس في الجامعات الفرنسية منذ عام 1966. وأخيراً، قَبِل عرضاً لإدارة معهد التنمية الاقتصادية والتخطيط التابع لمنظمة الأمم المتحدة عام 1970، وظلّ مديراً له لغاية حزيران 1980. كما أسهم في إنشاء المكتب الإفريقي لمنتدى العالم الثالث في داكار، بدعم من المؤسّسة السويديّة للتعاون في شؤون البحث الاجتماعي (S.A.R.E.C.). كما أشرف على برنامج بحوث عن "استراتيجيا للمستقبل العربي والإفريقي" التابع لمنظّمة الأمم المتّحدة. وتوفي في باريس يوم الأحد 12 آب 2018 بعد صراع مع المرض وبعيد صدور كتابه الأخير "مئتا عام على رحيل ماركس".

رأى سمير أمين أنّ مواجهة المنظومة الرأسمالية العالمية تستلزم معرفة مراحل تطورها، وآليات عملها، وتناقضاتها الداخلية؛ تلك التي تدفع بها في اتجاهين: إمّا نحو نمط إنتاج أعلى، أو نحو تصدير أزمتها إلى الأطراف. فمن شأن معرفة آليات إعادة إنتاج الرأسمالية لذاتها، على الصعيد العالمي، تحديد معالم خطط العمل لقوى التحرر الوطني في الأطراف؛ لذلك، يبدأ بدراسة التشكيلات الاجتماعية التاريخيّة، انطلاقاً من المادية التاريخيّة، ويُقدّم نظرية عالمية مفادها أنه يتم تجاوز النمط الخَراجي من أطرافه (نظرية المراكز والأطراف). ففيما كانت التشكيلة الخَـراجية العربية مركزية الطابع، على سبيل المثال، كان الإقطاع الأوروبي مناطقه الطرفية، التي سمحت مرونة بنيته بالتطور المتسارع بدءاً من فتح أميركا حيث اتخذت الرأسمالية طابعاً تجارياً.

تبلور نمط الإنتاج الرأسمالي في صيغته المُنجَزة مع بداية القرن التاسع عشر. فقد دخلت الرأسمالية مرحلة الثورة الصناعية، ومرحلة غلبة رأس المال الصناعي، والصيغة التنافسية للسوق الرأسمالية. ثم بدأت مرحلة رأسمالية الاحتكارات، بتحوّل الرأسمالية التنافسية إلى رأسمالية احتكارية، وذلك مع بداية عام 1880؛ إذ ظهرت الإمبريالية، بالمعنى اللينيني، عندما استنفدت إمكانيات النمو الرأسمالي، عن طريق إنجاز الثورة الصناعية في أوروبا وأميركا الشمالية. فاضطرت الرأسمالية إلى التوسع الجغرافي في الأطراف، على شكل غزو استعماري، وبغرض تقسيم دولي للعمل، بحيث تُصاغ البنية الكولونيالية التابعة على هيئة تجعلها قادرة على إعادة إنتاج علاقات إنتاجها بصورة متواصلة.

جابه سمير أمين فكرة أن دول الأطراف يمكنها أن تسير على درب "اللحاق" بالغرب؛ فما دامت الأطراف ما تزال إقطاعية الطابع، فلا بد أن تعتمد على الرأسمالية الغربية كي تحقق مرحلة الانتقال إلى الرأسمالية. جاء سمير أمين وغيره من أصحاب مدرسة التبعية، لإبراز ضرورة التنمية المتمحورة حول الذات، ولتأكيد أن الثورة الاشتراكية تبدأ من الأطراف وتنداح ببطء نحو المراكز. إنه منظور يتكلم عن همومه من داخل العالم الثالث نفسه.

توصّل هذا المفكر إلى أن البرجوازيات الوطنية غير قادرة، بحكم تركيبتها البنيوية، على تحقيق المهمات الكبرى التي حققتها البرجوازيات الأوروبية في سياق صعودها التاريخي؛ المهمات المتمثلة في تحرير المجتمع من قيود النظم ما قبل الرأسمالية، وتوحيد السوق القومية، وبناء الدولة القومية الديمقراطية... إلخ. كذلك، توصّل إلى أن القوى السلفية، وقوى اليسار التقليدية، قد أثبتت فشلها.

لذا، يعتمد مستقبل العالم الثالث على قدرة اليسار على تحقيق ثورات شعبية جديدة. ولكن، ليس تكراراً للماوية كما هي، لأن الماوية نفسها لم تكن لتنجح لو حاولت تكرار إنجازات اللينينية فقط. ألا يمكننا القول إن أحد أسباب نجاح الثورة الفرنسية هو عدم توافر نموذج جاهز تتمثل به، وإنها قد خلقت نموذجها الخاص بها وفقاً للظروف الموضوعية القائمة!

ويعتقد سمير أمين أن القومية العربية تشكّل قاعدة لإقامة دولة كبيرة -على المدى الطويل- ينبغي التحضير لها، ولكن لا بد من المرور في مرحلة انتقالية (دولنة) تتصارع فيها النزاعات الاشتراكية والرأسمالية. وبالرغم من أنه قال في البداية بمرحلة انتقال سريعة إلى الاشتراكية، إلا أنه أخذ يميل مؤخراً إلى القول بمرحلة طويلة من الانتقال، تبدأ بفك الارتباط، وتنتهي باشتراكية عالمية الطابع، ربّما بعد قرون، بوصفها النقيض التاريخي للرأسمالية عالمية الطابع.

لا ينكر سمير أمين المخاطرَ التي قد تنجم عن فك الارتباط، إنما يرى أنّ خطر تدمير التوسُّع الرأسمالي العالمي للحضارات غير الأوروبية، وللبيئة العالمية كما نشاهد اليوم في ضرب اتفاقيات تغير المناخ عرض الحائط وما إلى ذلك، يجعل من فكّ الارتباط خياراً لا مفرّ منه. ولا يعني فكُّ الارتباط -في نظره- قطعَ علاقات التبادل كافة مع الخارج، بل هي مرحلة تمهيدية لها. ويعترف بوجود عوائق تعترض مشروع فك الارتباط، لغياب استراتيجيات موحَّدة، ولغياب إطار أيديولوجي مرجعي موحد... إلخ. لذلك، يدعو إلى التحضير لهذه المرحلة، ودراسة العوامل التي من شأنها أن تزيل العوائق الثقافية، والنفسية، والسياسية والاقتصادية وغيرها، كي تمهّد لإنجاز هذا المشروع. وهو يدرك أن مهمة تسييس الطبقات الشعبية ديمقراطياً تتطلـَّب نفَساً طويلاً، بيد أنه لا ينفك عن السعي نحو خلق أساس نظري لوعيٍ جديد يطمح نحو الحرية؛ وعيٍ للذات يسعى نحو تحليل أسباب التخلف الحقيقية، تمهيداً لعقلنتها، وذلك كي يتمّ تجاوزها. ومن الواضح أننا في العالم العربي لم نستطع التعامل مع الفكر السلفي، لذلك نجده يسعى إلى تدمير الدولة القائمة وتجعله البرجوازيات الوطنية سبب فشلها في إنجاز أيّ تقدم.

وعلى الرغم من أهمية هذا الفكر يلاحظ النقـّاد أن نظرية المراكز والأطراف تضع الأطراف جميعها في جهة واحدة تقابل المراكز، ولا تميّز بين التنوّع الشديد في أحوال الأطراف، بل لا تميز بين بعض الأطراف التي تسعى لبناء مرحلة انتقال اشتراكية، بالرغم من عدم فك ارتباطها بالنظام الرأسمالي العالمي، كأنغولا، مثلاً. ففي هذا إهمال لنضالات الشعوب، وتجاربها، في الانتقال نحو الاشتراكية. ولكننا نجد أن سمير أمين قد بدأ مؤخراً يُميّز بين الأطراف، كتصنيفه دول الأطراف إلى فئات، عندما درس احتمالات نجاح التحالفات الوطنية الشعبية فيها. وبالرغم من ذلك، فإننا نعترف للنقاد بأن ذلك لا يكفي. ولكن، لماذا يُتوقع دائماً من شخص أو من مجموعة محدودة من المفكرين، أن تقوم بكل هذا الدراسات الهائلة؟

لقد شكّل فكر سمير أمين مدرسة لها امتدادها على صعيد عالمي ولها آثارها على حركات التحرر في العالم الثالث. ومن دون فهم العلاقات غير المتكافئة التي تربط المراكز بالأطراف لا يمكن إدراك سبل التحرر في دول العالم الثالث. لقد عاش سمير أمين مناضلاً في الفكر وسعى إلى تطوير الماركسية من داخل هموم الدول النامية ورحل مبدعاً وهو يحيي ذكرى ماركس في كتابه الأخير "مئتا عام على رحيل ماركس".