د.مريم نريمان نومار كاتبة وأستاذة جامعية جزائرية

أن تكون طبيباً فالأمر يتعدى عنواناً فخماً لحياة مهنية ومكانة اجتماعية، ويتجاوز كونه مئزراً أبيض، وأشخاصاً يتوسلون إليك بنظراتهم لتنقلهم إلى الضفة الأخرى من الحياة بعد لحظات من اليأس وهمسات من الموت..

أن تكون طبيباً بالنسبة للطبيب الجرّاح نعمان أبو عيشة يعني أن تكون إنساناً أولاً، وإذا نجحت في اغتراف التميز في مهنتك، فإنّ أيّ خفق يمتد بعد ذلك من بين يديك إلى جسد المريض هو نتيجة للإنسانية التي نظرتَ بها للمريض بعيداً الأرقام وعن المقابل المادي الذي ستجنيه. يقول أبو عيشة في كتابه "جرّاح قلب يتذكر" الذي فاز بجائزة الإبداع الثقافي من وزارة الثقافة الأردنية (20156) وصدر ضمن منشوراتها (2017): "ما زالت ترن في أذني كلمات أستاذ التشريح وهو يقول: قبل أن تفكر كيف ستصبح طبيباً أو جراحاً ناجحاً، فكِّر كيف تنظر لمريضك كإنسان، وكيف تكون إنساناً أولاً لتشعر بجمال الإنسانية".

يروي أبو عيشة في كتابه تجربة الحلم والدروب الوعرة التي اجتازها للوصول إلى حلم ممارسة الطب مروراً بتمثلات الطبيب في المجتمعات العربية منذ طفولته وكيف علقت كل هذه التمثلات في ذهنه قبل أن تُسقطها تجاربه في مهنة الطب، وليدرك في خضم كل هذا أن هذه المهنة وإن كانت تكبر في عيون المجتمع فإنها بالنسبة له تبدو صغيرة جداً إذا لم ترتبط بالصدق والأخلاق. يقول: "وحينما أصبحت طبيباً وجراحاً بعد سنوات لم أعد أجد لقصة الجرّاح العظيم أهمية في وجداني، إذ إن الحضور المسرحي للجرّاح على تلك الصورة لم يكن إلّا لجني الأموال على حساب مرضى كانوا يضحّون بالغالي والرخيص طلباً للعلاج".

جسر بين الأدب والطب وضفة أخرى للتأمل

قد يبدو للقارئ أن كتاب "جرّاح قلب يتذكر" يروي فقط سيرة ذاتية لطبيب جرّاح، غير أن من يتأمل القصص الواردة في الكتاب يدرك علاقتها الوطيدة بالواقع، بل إنها تجارب من المحتمل أن تتكرر مع أيّ طبيب آخر في أيّ زمان ومكان.

إنّ الحبكة الدرامية للكتاب تجعل القارئ لا يملّ وهو يتصفح القصص الواحدة تلو الأخرى، وكثيراً ما يجد نفسه يبتسم أحياناً ويبكي أحياناً أخرى ويتساءل مرات كثيرة، فأسئلة الوجود التي يطرحها الجرّاح الذي يتاح له ما لا يتاح لغيره من البشر كأن يفتح بطن مريض أو قلبه ويتأمل عظمة الخالق، ليست كأيّ أسئلة وجودية أخرى، خاصة إذا ما ارتبطت بقصص إنسانية حية، حيث يقول في وصفه عظمة الخالق: "تبدو الأعضاء وهي تقوم بوظائفها الحيوية أشبه بالجوقة الموسيقية، أو بفرقة تعزف سيمفونية متناسقة النغم والإيقاع، بحيث يستحيل على أيّ عقل بشري مهما بلغ من العبقرية أن يصنع شيئاً كهذا أو أن يحاكي الخالق في بديع صنيعه".

ولعل من التجارب المثيرة التي سردها أبو عيشة في الكتاب، سؤال القلب والسلوك وموطن الروح، وكيف يمكن للمشاعر أن تُشحن في قلب فيضخّها في جسد آخر بعد زرْعه فيه من خلال ضخّه للدم وبالتالي استمرار الحياة. إن رؤية هذا الطبيب للجسد وللمريض وللحياة رؤيةٌ تتعدى المهنة، جعلت أبو عيشة ينقلنا من خلال كتابه إلى ما وراء الجثة الخالية من الروح، فالخفق الذي كان يحسّه في كل عضو بشري يحمله بين يديه جعل فكرة الجراحة أعمق بكثير من أن تكون فكرة استئصال أو تصحيح، وجعلته يتجلى لنا كشابّ شغوف بالتفكير في مكامن الإنسان وخفقه الذي يتعدى خفقاً يبعث على الحياة، يقول: "فحين أمسك بالرأس لتشريحه تراودني أسئلة مثل: ما الذي كان يدور فيه قبل الموت؟! وأيّ أحلام وآمال سكنت فيه ليتسابق صاحبها مع الأيام أملاً في تحقيقها، إلى أن خطفه الموت في لحظة غير متوقعة ولا منتظرة!".

إن المهنة التي يتحدث عنها أبو عيشه تتعدى كونها عقداً بين مريض وطبيب، وإن كان قد أشار إلى العلاقة المفترضة بينهما وربطها بفكرة التعاقد بهدف أخذ الاحتياطات اللازمة من الجانبين لتحديد طبيعة العمل الجراحي من ناحية الطبيب، وقبول ذلك العمل بما قد ينطوي عليه من تعقيدات أو آثار جانبية محتملة من ناحية المريض، لكن الحقيقة أن العلاقة التي يتحدث عنها أبو عيشة والتي غالباً ما يسرد فيها تفاصيل ما دار بينه وبين المريض من خوف أو رفض أو معتقدات أحياناً، لا تتوقف عند تماثل المريض للشفاء، بل تذهب بعيداً ليروي لنا الطبيبُ الأديبُ سيرة المريض بعد سنوات من لقائه به، حيث تجده يتابع المريض ومسار حياته، وكثيراً ما يعود المرضى الذين مروا عليه خلال مسيرته العملية إلى المكان والشخص الذي بعث فيهم روح الحياة من جديد، حتى إنه حضر الكثير من حفلات زفاف لمرضى أجرى لهم عمليات معقدة، وربما أكثر شعور ينتابه آنذاك هو فرحة مشاركة مرضاه الاحتفاء بالحياة بعد أن شاركهم تجربة العودة إليها وبصعوبة أحياناً!

إنّ مشاركة المرضى لحظاتهم الأخيرة أيضاً من المواضيع التي تشغل الجراح، لا سيما إذا ما نظر إليها من زاوية النهاية الحتمية لكل إنسان والتي تختلف طرق الإحساس بها ويزداد ذلك عمقاً عندما لا يجد الجرّاح حلاً بين يديه لإنقاذ مريضه من هذه النهاية التي قال فيها القدر كلمته، سوى مؤانسة المريض ومحاولة منحه جرعات من أمل حتى لو كانت مؤقتة، يقول أبو عيشة: "كنت أرد على هذا المريض الذي كان في أيامه الأخيرة بقولي: حيث لا يكون الموت نكون نحن موجودون، وحينما يوجد الموت نكون غير موجودين. فنضحك كلانا!".

ونجد في الكتاب عبارات سمعها أبو عيشة من مرضى كانوا يقتربون من النهاية، لكنه لم يتوقف عند تصورات المريض للموت، بل تتبّع تطور رؤية الآخرين للموت وطرق التعاطي مع حالات الفقد، ومن ذلك قوله: "شاعت في زمننا ظواهر عجيبة منها تصوير الميت وإرسال صوره للمعارف وللعامة عبر مواقع التواصل الاجتماعي للاحتفاظ بها كذكرى أو شطبها إلى الأبد، وربما يبقى الميت دائم الحضور Online على حسابه في موقع (فيسبوك) مثلاً رغم أنه ووري الثرى!".

اسأل المجرِّب!

يقول المثل الشعبي: "اسأل المجرب ولا تسأل الطبيب". هذا إذا ما تعلق الأمر بالمريض، لكن ماذا لو ارتبط الأمر بطبيب شاب جديد، والمجرب هو طبيب سبقه خطواتٍ في المجال؟ إن السؤال في حد ذاته وفي مهنة الطب تحديداً يبدو أهمّ من خوض أيّ مغامرة عملياتية، لأن السؤال أحياناً قد يقود إلى حلول علاجية أخرى.

في كتاب "جرّاح قلب يتذكر" أسئلة كثيرة وُلدت من رحم التجربة وتعريف بأعراض لأمراض غير متوقعة، واقتراح لحلول جراحية تفرضها حالة المريض أحياناً ووضعه الصحي وتفرضها في أحايين كثيرة نباهة الجرّاح وقدرته على إيجاد حل سريع لإنقاذ حياة المريض، وهذا ما يجعل في هذا الكتاب عمقاً مهماً في تجربة المهنة يجب أن يستفيد منه كل طالب في مجال الطب، فالأعراض والعلاجات التي يتعلمها الطالب في فترة دراسته للطب قد تُكلَّل بنجاح أكبر عندما ترتبط بالتجربة الإنسانية لطبيب سبقه خطواتٍ كثيرة في هذا المجال. ولا مبالغة في القول إن هذا الكتاب ومثله كثير من الكتب التي يجب أن يخطّها جرّاحون ذوو خبرة، يجب أن ترافق كلّ طالب في مجال الطب في حياته الدراسية، وفي بداية حياته العملية أيضاً، لما فيها من تجارب حية تفتح له آفاقاً أوسع في فهم المرض وقبل ذلك فهم المريض الإنسان ونفسيته التي تساعد بشكل أو بآخر في تماثله للشفاء. حيث ورد في الكتاب: "إن الطب حقل واسع من الاجتهاد والمحاولة والتجريب، ولا بأس أن يثق الطبيب بنفسه وبعلمه إذا كان هناك أمل بشفاء مريض أو مساعدته، فالقدرة على ذلك هبة وَهبها الله لبعض خلقه رحمة ببقية خلقه".

إن العودة إلى الذات في آخر الكتاب تعيدنا كأشخاص عاديين إلى تمثلات الطبيب في مخيالنا الاجتماعي، ففي الوقت الذي ندعو الله فيه أن يبعدنا عن المرض، نجد أن أبو عيشة بوصفه جرّاحاً يطرح تساؤلات عميقة على غرار: هل كل ما قمت به من عمل كان صحيحاً ومتقناً؟ هل كان عليّ أحياناً أن أترك ممارسة ذلك العمل والتوجه إلى غيره؟ وما الحد الفاصل بين الشعور بالذنب والخطأ الطبي؟

والحق أن أبو عيشة كان يطرح هذه الأسئلة في ثنايا القصص التي يسردها والتي يحتفي فيها مراتٍ ببطولاته في غرفته العمليات، ويقدم تأملاته، ويتفكّر بحالة التأرجح بين مسؤوليته عن إنقاذ المريض والمعوقات التي قد تواجهه، إلى جانب الخوف من الفشل في طريقه لنقل الحياة من جسد ميت دماغياً إلى آخر ينتظر الحياة. وهذا ما تجلى في وصفه لأول عملية زراعة قلب قام بها في الأردن مطلع الثمانينات من القرن العشرين.

ورغم أن سرد سيرة الحياة لا يمكن أن يحتوي على كل الحقائق بحرفيتها، فربما يغربل الكاتب هنا و(يمكيج) هناك، فإن هناك جوانب لا بد من إضاءتها لاستخلاص الحكمة منها وإظهار مغزاها بشكل يتناسب مع مصداقية الإنسان وسعة خبرته. إنّ هذه التجربة الإنسانية الغنية لهذا الطبيب الأديب (الذي صدرت له رواية بعنوان "واهيفاء" في عام 1957، والذي يتفق كثيرون على أن له في العمل الجراحي نعومة يدَي امرأة، دليلَ الحرص، وفي الحالات الطارئة قلب الأسد دليلَ الحزم) تعدّ فرصة مهمة لمن هم قادمون في مقبل الأيام، فالأسئلة التي يطرحها اليوم قد تكون لها إجابات أخرى مستمدة من التطور الحاصل في مجال الطب وإن كان هذا الشيء الوحيد الذي يمكن أن يتغير، ذلك أن صرخة الإنسانية العميقة بين سطور هذا الكتاب تعدّ في حد ذاتها تجربة مهمة تستحق التداول وتجعل منه قيمة أدبية-علمية لا بد أن تضاف إلى أقسام الطب في الجامعات.

إن كتاب "جرّاح قلب يتذكر" لصاحبه د.نعمان أبو عيشة، وثيقة مهمة لكل مقبل على هذا المجال، فالوجوه قد تتغير ومعها تجارب كل جرّاح، ولكن الحلقة المشتركة في ما مضى وفي ما سيأتي وما سيأتي بعده هي ذلك المريض؛ ذلك الإنسان!