د.نعمان أبو عيشة

هناك طرق عديدة للسيطرة على الخوف، تختلف باختلاف الثقافات والأديان والأمكنة، ولكل إنسان طريقة تفكيره الخاصة بالموت عند الاقتراب من النهاية، كأن يفكر في أشكاله؛ وأيّها أفضل من سواه.

فمثلاً، يقول "ريتشاد سميث" رئيس تحرير "المجلة الطبية الإنجليزية"، إنه لو يخُيَّر في شكل موته، لاختار الموت بالسرطان، فاتحاً بذلك نقاشاً لا ينتهي، بخاصة عندما دعا القراءَ -وغالبيتهم من الأطباء- لإقناع الناس بعدم التبرع لبحوث السرطان والمعاهد التي تقوم بذلك، معلّلاً موقفه هذا بأن نتائج البحوث والعلاجات الناتجة منها ليس لها فائدة سوى إطالة مدة المعاناة، وعيش المريض الأيام الباقية من عمره في عذابٍ ليس له مبرر، وفي آلام قلّما يستطيع أحد السيطرة عليها.

وحتى لو كان الإنسان العادي يرفض مثل هذا الرأي، إلا أن "ريتشاد سميث" دفعَ الناس، وبخاصة الأطباء، إلى التفكير بالموت، ومحاولة اختيار الشكل الذي يرونه الأفضل لهم ولمرضاهم.

لا شك أن التحضير للنهاية كان وما زال جزءاً من الإجراءات الحياتية التي تلازم البشر مهما كانت الحضارة التي ينتمون إليها، مع أن الطب الحديث بكل ما فيه من آليات وطرق متقدمة، كالجراحة التداخلية، ووضع دعامات في الشريانات التاجية للقلب، ووضع منظمات إلكترونية لتحفيز النبض، جعل الإنسان يكاد ينسى متى وأين وكيف ستكون النهاية، بل إن التفكير في ذلك أصبح يجابهه التفكير بأن لدينا من الدفاعات والاختراعات الطبية ما نستطيع به أن نواجه الموت، أو على الأقل إرجاءه.

ومن الطبيعي أن الطب في وقتنا الحاضر يستطيع تلبية الرغبة لإطالة حياة مريض ميؤوس من شفائه أياماً أو شهوراً، ولكنّ هذا يتطلّب كلفة مادية لا يمكن لبعضهم تدبُّرها.

في معظم الحالات التي لم يكن لدى المريض أو ذويه القرار فيها برفض أو قبول متابعة الإجراءات الطبية رغم عدم الأمل بالشفاء، يكون الطبيب في حيرة من أمره بإيقاف المعالجة أو الاستمرار بها مع علمه أن النهاية قادمة لا محالة. وفي هذه الحالة يحصل التعتيم لفترة قد تطول أو تقصر، ولا يكون هنالك مجال للتحضير النفسي لهذه النهاية.

وبمرور الأيام وتراكم الخبرات، تتكون لدى الطبيب فكرة عن الموت وأشكاله، فغالبية المرضى يفضّلون الموت الفجائي الذي يأتي بلا مقدمات، كأن ينام الإنسان ولا يصحو، منتقلاً بذلك إلى العالم الآخر الأبدي بلا ألم أو عذاب، وهذا ما يتسبب في أحيان كثيرة، بارتباك في الحياة العائلية وحقوق الأفراد في الأسرة.

وقليلون هم الذين يرغبون بموتٍ بعد فقدان الذاكرة (الزهايمر)، لما يجرّه هذا المرض من أعراض مزعجة على المريض، ولما يتسبب به من معاناة لذويه وأقاربه، حيث لا يكون المريض أو المحيطون به على دراية بإمكانية الشفاء سواء قربت النهاية أو بعدت. ويصعب في أغلب الأحيان على كلّ من له اتصال بالمريض التكهّن بما سيصبح عليه هذا المريض في مقبل الأيام.

وكثيراً ما تجابَهُ الإجراءات الطبية بالرفض، بخاصة في الحالات التي تُدْخل المريض في دوّامة من العذابات اليومية، وتحديداً عندما يكون المرض مستفحلاً في أحد الأعضاء المهمة في الجسد، كأن تصاب الكليتان بالفشل مثلاً، إذ يعني هذا استنزاف الوقت وحدوث الكثير من التعقيدات خلال عملية إيجاد المداخل إلى الأوعية الدموية والمخارج منها، إلى جانب التهاب الوصلات وانغلاقها وما يتبع ذلك من تدهور صحّي ونفسي بسبب إعادة المحاولة والتكرار.

قال لي مريض في العقد الثامن من العمر: "أعرف تماماً أن النهاية قد اقتربت، وليس لي حول ولا قوة لتأخيرها، ومثلما أراك في هذه اللحظة بوضوح، لا أشك في حسن نية الأطباء وأن ما يقومون به هو لغرضٍ أسمى من المنفعة المادية، ولكنني أقول لك ولزملائك من الأطباء إن كثيراً مما يقوم به الأطباء ومساعدوهم بحسن النية، يعيق الإنسان حينما تقترب نهايته من استقبال الموت وتسليم الروح إلى بارئها بسلام".

ربما كان غريباً أن يشغل طبيبٌ نفسَه في موضوع الموت، لكن هذا الأمر لا بد أن يقابله جميع الأطباء في حياتهم، بدءاً بمقاعد الدراسة، ومروراً بصالات التشريح وأثناء التدريب في الطب الشرعي، وأثناء دراسة الطب السريري والعمل فيه، وانتهاءً بتعاملهم مع الموت عندما يحلّ بأحد أفراد العائلة وما يستدعيه هذا من تفكيرٍ وتأمّل.

إن المجتمع العربي يحاول الوصول إلى حالة يتم فيها الحفاظ على الشباب، شكلاً ومضموناً، مما أدى إلى حالة انفصام نفسية، سالبُها وموجبُها يتحركان في منطقة التساؤل: "لماذا لا نبقى في حالة الشباب ما دام يتوفر لنا القُوت الوفير ونقود البترول التي لا تنتهي؟!"، وبناء عليه ظهر الصراع بين الأطباء لتقديم خدمات أكثرها لا ينفع، ولكنها بفعل العولمة والمعلومات المرئية والمسموعة، أصبحت تصل إلى كل بيت، وهي على وتيرة واحدة مضمونها أنّ أصعب الأمراض وأعقدها يمكن الشفاء منها، فلماذا الموت إذن والمال متوفر؟!

لقد أصبحت المسابح ومراكز التدريبات الرياضية وبناء الأجسام بالآلاف، وأصبح بيع المنشطات الهرمونية عملية سهلة ومن دون الحصول على وصفة طبية، وأصبحت زيارات أبناء الطبقات العليا لأطباء التجميل أكثر من زيارات الفقراء للمستشفيات بسبب المغص من أثر الجوع، وأصبحت أحاديث المسنّين ومن فاتهنّ القطار بعد السبعين تدور حول السرّ في تعمير بعض اليابانيين إلى ما فوق المئة سنة، في حين لا يتعدّى معدّل العمر في المنطقة العربية سبعين أو ثمانين سنة.

وهناك من يتنطّع للإجابة بقوله إن تعمير اليابانيين سببه تناول المنشطات أو ممارسة الجنس مع شركاء من عمْر الأحفاد، ومَن لا يستطيع مجاراتهم يحتمي بالقول إنهم عديمو الأخلاق، متناسياً عاداتنا وتقاليدنا في الزواج، وبخاصة ما كان من النوع الذي يسمّى "زواج المسيار"، أو بإغراء الصبايا بالذهب والمال والسيارة الفارهة والشقة الفاخرة التي توضَع باسم العروس مقدَّماً لتكون ملكاً لها بعد موت الزوج الهرم!

سمعتُ واحداً من مرضاي كان على حافة الهاوية يقول لصاحبه: "لا شك أننا نهرم بتقدُّم العمر، ولكننا لا نموت ومعنا هذا الجيش الهائل من أفضل الأطباء وأبرعهم! تصوّر يا صديقي أن عَمّاً لي بقي على جهاز التنفس الأصطناعي لمدة ستة أشهر، وكانت التكاليف أكثر من 25 ألف دولار، مبلغ بسيط استطاع أبناؤه دفعه من دون أن ترفّ لهم عين، من ريع صفقة مهرّبة من السجائر".

إنها رغبةٌ تدور في خلد كثير من الناس تيسّرت أحوالهم، وأصبحوا يأملون أن يُحْدث تقدُّم الطب وعلومه، ثورةً تدفع الموت إلى غياهب النسيان وإلى الأبد. وهذا لَعمري نوعٌ من السراب وغشٌّ للنفس، بأن هنالك بداية تكون بالميلاد، ولكن ليس هنالك نهاية ما دامت الحياة تبدأ في رأي بعضهم بعد السبعين! ولكن لهذا شروط، منها ألّا يكون الشخص ممّن صُبغت حياتهم بالفقر والعيش في ما يشبه الكهوف أو الغرف المهترئة في أحياء يتكدسون فيها من دون أن يروا نور الشمس أو يجدوا ما يسدّون به رمقهم.

كثرت الدراسات التي بحثت في الهرم المجتمعي وكيفية التخلص منه، ومنها ما خلصت إلى ضرورة التوقف عن تقديم العلاج بعد سنّ معنية، أو ترك الضعفاء والمرضى الذين لا أمل بشفائهم (كمرضى السرطان) في حالهم، لأن العلاجات لم تقدم شيئاً يُذكر لشفائهم، بل لربما زادت في معاناتهم.

ومن نافل القول إن هناك تنافساً بين المستشفيات الخاصة للعناية بالمرضى المتقدمين في السن أو من هم في نزعهم الأخير، بخاصة إذا كانت المعلومات تفيد بأنهم من أصحاب الأموال، فالوصفة جاهزة للتطبيق، بأعمال روتينية تبدأ بوضع المريض على جهاز التنفس الاصطناعي وطلب الفحوص الشعاعية والمخبرية يومياً، لذا ينظر بعض الأطباء إلى موت أحد هؤلاء "المحظوظين" بوصفه فشلاً ذريعاً للمستشفى وأطبائه!

في الماضي، كانت الأرملة تضع الرماد على شعرها ووجهها أو تشقّ ثوبها لإظهار حجم المصييبة التي حلّت بها وبالعائلة، وكان لا بد من مواساة ذوي المتوفى ومشاركتهم أحزانهم، فكان جيران المتوفى أو من يعرفونه يأتون لوداعه أو لمسه باليد أو تقبيل جبينه. ومن عجائب زمننا أن الميت أصبح يُعرَض في بعض البلدان، في تابوت مفتوح يوضَع خلف واجهة زجاجية، ويمر أصدقاؤه بسياراتهم لإلقاء النظرة الأخيرة عليه!

وبعد أن كان منظر الميت بعامة لا يروق للكثيرين من ضعاف القلوب، شاعت في زمننا ظواهر عجيبة، منها تصوير الميت وإرسال صوره للمعارف أو للعامة عبر صفحات التواصل الاجتماعي، والاحتفاظ بها كذكرى أو شطبها إلى الأبد بكبسة (delete)، وربما يبقى الميت دائم الحضور (online) على حسابه في موقع "فيس بوك" مثلاً رغم أنه وُورِيَ الثرى!

في زمننا هذا، أصبح الموت حالةً شخصية في مجتمعاتنا، يحاول الكثير من الناس الابتعاد عنه وعدم التفكير به، بل وتكاد تختفي المظاهر التي كانت تجعل لموتِ شخصٍ ما تلك الأهمية من حيث كثرة مرتادي بيت العزاء ومحاولة إظهار مناقب المتوفّى ومآثره، حتى وإن بقيت هذه المظاهر موجودة في بعض المجتمعات البدائية، تعبيراً عن تمجيد الرجولة.

كما أصبح نعي الأنثى المتوفاة مرتبطاً بالرجل، فيقال: أمّ فلان أو زوجته أو ابنته. وكأن مجتمعاتنا تحاول التستّر على شيء اسمهُ الموت، وبخاصة موت الأنثى.

وفي معظم الأحيان، يكون وداع المتوفّى خارج بيته؛ في المستشفى أو في الجمعية التي ينتمي إليها اجتماعياً أو دينياً.

إنّ كل ما له علاقة بالحزن من مظاهر الحياة الحديثة آخِذٌ بالاختفاء شيئاً فشيئاً؛ فكثيراً ما نرى في بيوت العزاء أشخاصاً يتحدثون عن صفقاتهم التجارية، وأحياناً لا يتورّع مَن يرون في أنفسهم أصحاب فكاهة من إطلاق النكات والطرائف، بحجّة التخفيف عن أهل المتوفى، وبات من المألوف أن يستقبل أبناءُ المتوفى المعزّين بأفضل ما لديهم من ملابس، أما النساء فيرتدين أحدث ما أنتجته دور الأزياء! وأصبح الحزن يختفي عن وجوه الأقارب، كأن الموت أمرٌ يدعو إلى الخجل!

تالياً عبارات سمعتها من مرضى كانوا يقتربون من النهاية:

- "في حياتنا، الموت هو الحقيقة، ولكن التوقيت غير معلوم".

- "تمرّ الدقائق والساعات فتقصّر العمر، إنها تجعل الماضي طويلاً، وتمضي -كما تمضي النيرانُ الزاحفة- نحو المستقبل فتلتهمه في لحظة".

- "التناقص الدائم في العمر بمرور الساعات يضخّم الموت ويخيفنا منه. وهكذا فنحن على الدوام في حالةٍ من التحضير للفراق".

- "هكذا نعيش؛ في عجالة، كأننا مطارَدون في الشوارع، وحينما نجد للحظةٍ مكاناً للتوقف والراحة، نتأمل المزيد، ولكننا نرحل لهدف غير معلوم". (يقابلها الحديثُ الشريف: "ما لي وما للدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلّ تحت شجرة ثم راحَ وتركَها").

- "يزعجني العيشُ في نبضٍ أحسّه كدقّات الطبل، وقلب يتسارع يكادُ ينفجر، وتنفُّس يتتالى بلا إرادة ويقْصُر شهيقه وزفيره كأنّه يقترب من التوقف.. أعراض ليس لها مبرر، ولكنها توجّهنا نحو النهاية".

- "الحيرة دائمة الحضور، وكأنها ثورة الحياة ضدّ الموت.. ضدّ التوقُّف العضوي والاحتفاء في ما لا نهاية له ولا رجوع منه".

- "نصحني الأطباء بألّا أخاف، فليس هنالك في الموت ما يخيف، ووصفوا لي كتباً من تأليف أطباء أيضاً، جميعها تدعو إلى الغرق في ما يسمّى (Meditation) عند عدم الهدوء، بل وأوصاني راهب القرية بإعادة شدّ الوثاق مع المعتقَد والعودة كالابن الضالّ إلى حظيرة الكنيسة وطلبِ الغفران، مدّعياً أن ذلك سيعيد النفْس إلى قواعدها، فتكتسب الهدوء" (كنتُ أردّ على هذا المريض الذي كان في أيامه الأخيرة بقولي: "حيثُ لا يكون الموت نكون نحن موجودين، وحينما يوجد الموت نكون غير موجودين"، فنضحك كلانا!).

- "تعلمتُ من الحياة أنهُ لا يمكن أن نتعلم من الموت أيّ شيء، إنه مصير وقدَر، نتحدث عنه باستحياء أو بما يشبه الخجل من عدم المعرفة، وحين اقترابه تذوب الفلسفات جميعها، كالنار تأكل بعضها بعضاً حتى لا يبقى سوى الرماد، وهذا ما يبقى من الإنسان، فيتحلل مع مرور الزمن إلى لا شيء".

(فصل من كتاب "جراح قلب يتذكر")