كان إبراهيم طوبال التونسي المعارض يُعتبر أحد رموز الثورة الجزائرية مثله مثل ثلاثة من الأطباء السوريين هم الدكتور نور الدين الأتاسي والدكتور يوسف زعين والدكتور إبراهيم ماخوس وتجدر الإشارة هنا إلى أنه بعد انتصار الثورة الجزائرية في عام 1962 صدر قرار رئاسي جزائري اعتبر كل من أنضم للثورة كمجاهد وكطبيب وبأي صفة من الصفات جزائريا له كل حقوق الجزائريين وهذه في حقيقة الأمر تعتبر حالة نادرة بالنسبة للثورات الأخرى باستثناء الثورة الكوبية التي أصبح تشي غيفارا الأرجنتيني أحد قادتها الأساسيين بعد فيدل كاسترو مباشرة.

بعد رحيل هواري بو مدين، الذي قاد الثورة الجزائرية العظيمة للنصر بعد اعتقال أحمد بن بله ومعه عدد من رفاقه من قبل الفرنسيين، كان رأي إبراهيم طوبال أن الخليفة المؤكد هو الجنرال محمد صالح يحياوي لكن الأقدار أو الألاعيب السياسية سارت باتجاه آخر بإجماع جنرالات جيش التحرير على إختيار قائد الولاية الرابعة العقيد الشاذلي بن جديد الذي تبعه بعد تنحيه كل من اليمين زروال وعلي كافي ومحمد بوضياف..وإلى أن وصلت الرئاسة إلى عبدالعزيز بوتفليقة أحد الرموز الأساسيين للمرحلة البومدينية.

شعرت بحزن شديد وأنا أقرأ نبأ وفاة الجنرال محمد الصالح يحياوي الذي كان أحد قادة الثورة الجزائرية (1962- 1954) المظفرة حقاًّ والذي كان من المفترض أن يكون الخلف لخير سلف "هواري بومدين" لولا أن بعض الحسابات بالنسبة لمثل هذه الأمور تأتي احيانا مخالفة لا بل معاكسة لما هو متوقع وهذا ما حصل عندما أسعفت ضربة الحظ أنور السادات ليكون خلفاً للرئيس جمال عبدالناصر فيما الأنظار كانت تتجه نحو رتل من كبار القياديين المصريين بينهم زكريا محي الدين وعدد من رموز الصف الأول.

كنت من محبي الثورة الجزائرية والجزائر والشعب الجزائري وما أزال وسأبقى ما دمت حيا ولعل ما لا يعرفه حتى بعض المقربين إليَّ وبعض الأصدقاء أنني عندما"تقطعت"بي السبل مُنِحْتُ جواز السفر الجزائري وحملته لسنوات عدة قبل استعادتي لجوازي الأردني لكن في حقيقة الأمر أن معلوماتي الجزائرية، إن في عهد الثورة المظفرة وبعد ذلك، زودني بها الصديق العزيز المعارض التونسي إبراهيم طوبال الذي قضى معظم سنوات عمره في الغربة ومات في الغربة، رحمه الله، مثله مثل رفيق دربه صالح بن يوسف الذي كان من أكبر المعارضين للرئيس الحبيب بورقيبه وتم اغتياله في فرانكفورت في ألمانيا في الحادي عشر من أغسطس عام 1961.

كان محمد صالح يحياوي، رحمه الله، يعتبر"الصندوق الأسود"للمرحلة البومدينية وبقي صامتاً خلال التقلبات التي شهدتها الجزائر قبل وصول الأمر للرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة وأنه عملياًّ اعتزل العمل السياسي وابتعد عن أي دور حتى في جبهة التحرير الوطني الجزائري التي كان ومنذ البدايات المبكرة أحد مؤسسيها الرئيسيين.

والمحزن هنا أنه لم يترك أي شيء مكتوب، كما يتحدث الجزائريون حتى الآن، عن مسيرته الطويلة التي شهدت تقلبات وأحداثا كثيرة في هذا البلد العظيم وفي المغرب العربي كله والمنطقة العربية بأسرها التي من حق الأجيال الجزائرية الحالية والمقبلة الإطلاع عليها كجزء من تاريخ بلدهم وتاريخ ثورتهم ثورة المليون ونصف المليون شهيد ومع الأخذ بعين الإعتبار أنه لم يتبق من رموز مرحلة إجتراح التحرير بعد"132"عاماً من الإستعمار الالحاقي إلا الرئيس الحالي أطال الله عمره والطاهر زبيري وأحمد عبدالغني ويوسف الخطيب.. وهنا فإنه لا بد من الإشارة إلى أن الثورة الفلسطينية التي انطلقت في الفاتح من عام 1965 قد انطلقت عملياًّ من هذا البلد العظيم وتدربت أفواجها المقاتلة الأولى في معسكرات جيش التحرير.

alanbat_press1@hotmail.com