ساعتان ونصف من الحوار المفتوح والصريح الذي تخلّلته بعض السخونة مع رئيس الوزراء د. عمر الرزاز،الذي يكاد لا يختلف اثنان على هدوئه وسعة صدره واستعداده للإصغاء المحمول على احترام كل من يُخالفه الرأي، ما بالك أن الحوار الذي ضم ثلّة مُعتبرَة من الزملاء الكُتّاب انصب على الهموم الوطنية وضرورة استدراك الأمور وتعديل المسارات قبل خروجها على نطاق السيطرة، وبالتالي صعوبة إعادتها لسكَّتها الطبيعية اذا ما وعندما تُدير الحكومة رئيساً وفريقاً وزارياً ظهرها للأولويات الوطنية، أولا تُولي أهمية لما سجّله الجمهور الأردني من اعتراض وانتقادات على ممارسات وقرارات واجراءات حكومية، ثبت عقمها وانعدام قدرتِها على إقناع الأردنيين بأنهم وحكومتهم في مركب واحد وان لا افضلية لأحد إلاّ بمقدار التزامه المهمات الموكلة إليه قانونيا وأخلاقياً ووطنياً..حكومة وأهالي على حد سواء،كذلك بمقدار ما ينجح في إبعاد البلاد عن المخاطر والأكلاف الباهظة،والتي تكمن في إصرار بعض اصحاب القرار على مواقفِهم وتعنّتهم،وِفقاً لِأوهام الثقة الزائدة بالنفس،التي طالما ابداها رؤساء حكومات سابقون. صدعوا رؤوسنا بالتصريحات الخلّبية وتكشّف لنا بعد وقت ليس طويلاً،انهم إنما يقومون بحملة علاقات عامة معدومة الخبرة والرؤى والقراءات العميقة.ما أوصَلَنا لمرحلة صعبة هتف فيها غالبية الجمهور.."كفى".

وحتى لا تبدو هذه العجالة ترويجا او تزكية لرئيس الوزراء،الذي لا يبدو قلِقاً على شعبِيّته،بل يحرص على الدوام في تصريحاته وخطواته الميدانية انه ضد الشعبوية او استرضاء الجمهور بالكلام المعسول والوعود التي لا تجد طريقها الى التنفيذ، فإنه في حواره مع الزملاء كان مستمِعاً اكثر مما كان متكلِّماً ولم يُبد حرصاً أو استماتة في"السيطرة" على أجواء الجلسة وتوجيهها،بالشكل الذي يضمن عدم خروج الحوار او اقترابِه من ملفّات وقضايا محظور الاقتراب منها أو التلميح إليها، على ما دأب رؤساء سابقون التنويه اليها والتحذير منها، في جلسات ربما بعضها رتيبة وحوارات مُملّة فارغة المضمون، كنّا ضحية لها في السنوات العشر الأخيرة.

قد تكون المحاور الثلاثة التي طرحها رئيس الوزراء في مستهل الحوار الذي قدّمته الزميلة جمانة غنيمات، وزيرة الدولة لشؤون الاعلام الناطقة الرسمية باسم الحكومة، بحضور نائب رئيس الوزراء وزير الدولة الدكتور رجائي المعشر، جديدة (المحاور الثلاثة)، إلاّ أن الشروحات والتفسيرات التي حرص الرئيس عمر الرزاز الإضاءة عليها، ربما تكون أسهمَت من امور أُخرى، في الكشف عن جدِّية الرئيس وأمله بأن يكون والفريق الوزاري عند حسن ظن الجمهور الأردني، قبل ان ينفد صبره وقبل ان ينتهي لنتيجة بأن الحكومة التي أَمِل بها وبنى عليها آمالاً عراض، لا تختلف عن سابقاتها، وهذا ما لفت اليه الرئيس الرزاز عندما قال: إن على رأس اولويات حكومته استعادة"جزء"من الثقة المفقودة بين المواطن والحكومة، وهي مهمة لا نحسبها مستحيلة بل ربما تكون في متناول اليد، اذا ما احسنت الحكومة"ترويج"نفسها للجمهور الاردني عبر الافعال والاجراءات الميدانية والملموسة، بعيدا عن البروباغندا والتصريحات وفلاشات الكاميرات واستعراضات المؤتمرات التي تملأ فضاءنا الوطني،دون نتائج تُذكَر على ارض الواقع.

المحاور الثلاثة ذات الأولوية على اجندة حكومة الرئيس الرزاز (حيث لم يتعرّض احد من الزملاء او يسأَل عن شائعات التعديل الوزاري، او يبدي اهمية لملف كهذا تكرّر كثيرا في حكومات سابقة، فيما بقي الآداء متواضعاً والنتائج الميدانية محدودة بل قريبة من الصفر او دونه).المحاور الثلاثة معروفة وإن كان الدكتور الرزاز وعد بأنها ستكون المعيار الذي على المواطنين اعتماده لمساءَلة الحكومة ومحاسبتها على ضوئه، وبخاصة في النتائج المأمولة، والتي قد"لا"تكون بحجم التوقعات، الاّ انها ستكون متدرِّجة وملموسة.. أوّلها تحسين مستوى المعيشة،عبر الخروج ببرنامج واضح يتعلّق بالتشغيل وتشجيع الإبداع والإبتكار وايضا تحفيز الإستثمار والتصدير.الاستثمار الداخلي والخارجي الذي بدونه لا تكون فرص عمل،والتصدير الضروري حتى ينمو الاقتصاد الوطني.اما المحور الثاني فهو لا يقل اهمية عن الأول، والذي عبَّر عنه حِراك الدوار الرابع (ايار الماضي) والمقصود الإرتقاء بالخدمات المقدّمة للمواطنين صحة، تعليماً ومرافق عامة. وبالتأكيد الخدمات"الأمنِيَّة"التي توفّرها الأذرع الامنية المختلفة... شرطة دفاع مدني وغيرهما.

وكان لافتاً إعتراف الرئيس الرزاز بان تراجع وتدنّي وهبوط مستوى الخدمات الاساسية المقدّمة للجمهور،إن على مستوى الصحة او التعليم والنقل العام او التشغيل وفرص العمل،قد اثّر في سلوك واتجاهات الطبقة الوسطى، ما اضطرها للذهاب الى عناوين اخرى، بحثاً عن وطلباً لهذه الخدمات الاساسية.ما ادى بهذه الطبقة الحيوية بالضرورة،الى عبور الخط نزولاً نحو مستوى الطبقة الفقيرة. ما يستدعي من الحكومة العمل على إعادة الاعتبار للخدمات الاساسية الضرورية،ليس بمستوى خمسة نجوم ولكن ما يضمن لشرائح هذه الطبقة (وغيرها نزولاً) مستقبل اولادها.فيما اعتبر الرئيس الرزاز المواطَنة الفاعِلة والمشارَكة في الحياة السياسية محورا ثالثاً يتقدّم على اجندة الحكومة، مُكرِّراً القول: ان مهمة الحكومة الأُولى والصعبة جداً بل التحدّي الأكبر،هو استعادة"جزء"من الثقة المفقودة بين المواطِن والحكومة.

موجز القول.. إن الحوار امتدّ وارتفعت سخونته ثم تراجعَت نِسبِياً،لكن الارتياح كان سيد الاجواء، أسهمت في بلورَتِه.. ردود الرئيس الهادِئة والمتفهّمة على اسئلة واستفسارات الزملاء،الامر الذي قد يمنح الحكومة الفرصة لترجمة اقوال رئيسها وفريقه لافعال.وهي مهمة وإن كانت صعبة في راهننا المَعيش، إلاّ انها ليست مُستحيلة في ما نحسَب ونعتقِد.

kharroub@jpf.com.jo