ما كان مفترضا، لا بل مستغربا، أن تصل العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا إلى هذا المستوى من التردي فالدولتان اللتان إحداهما الدولة الأعظم في العالم بأسره والثانية الدولة الأهم في الشرق الأوسط الذي فيه دول رئيسية أخرى كانتا حتى فترة سابقة غير بعيدة أهم حليفين وصديقين في حلف شمالي الأطلسي وكانت الدولة التركية الأقوى عسكرياًّ في هذا الحلف بعد أميركا وكانت في فترة الحرب الباردة وصراع المعسكرات جدار التصدي للإتحاد السوفياتي والخندق المتقدم في مواجهة الدولة الأخطر في حلف وارسو.

ربما أن هناك من يعتقد أن زوال الإتحاد السوفياتي قد أزال صراع المعسكرات وجعل أنه لم تعد هناك ضرورة لا لهذا الصراع ولا للحرب الباردة لكن ما أن تجاوزت روسيا الإتحادية مرحلة ما بعد إنهيار المرحلة السوفياتية واستعادة ولو بعض المكانة السابقة حتى ثبت أن حلف شمالي الأطلسي لا يزال ضروريا وأنه لا بد من الحفاظ على تركيا كخندق متقدم لهذا الحلف والإبقاء على جيشها كأهم وأقوى جيش فيه بعد الجيش الأميركي.

كانت بدايات إنفراط هذا العقد بدأت مع بدايات إدارة باراك أوباما الذي كان لديه إعتقاد ثبت أنه خاطئ بأن روسيا بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي لن تنهض من كبوتها وأن تعبئة الفراغ المستجد في الشرق الأوسط تقتضي إستبدال تركيا بإيران التي بالإمكان إعتبارها بوابة الغرب كله نحو الشرق الأقصى وحقيقة أن هذا كان تصورا خاطئا وأنه كان بمثابة قراءة حولاء وخاطئة لمعادلات القوى في تلك المرحلة الخطيرة التي ترتب على معادلاتها وضع العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين والألفية الثالثة.

ولعل الأخطر والأسوأ أن عمى الألوان السياسي إنتقل من الإدارة الديموقراطية ومن باراك أوباما إلى الإدارة الجمهورية ودونالد ترمب فالرئيس الأميركي الجديد بدل أن يعطي لنفسه ولإدارته الوقت للتدقيق جيداً في معادلة الشرق الأوسط المستجدة ويسعى بكل إمكانياته للحفاظ على كل حلفاء الولايات المتحدة في هذه المنطقة ذهب بعيداً في إستفزاز تركيا وفي إزعاج رئيسها رجب طيب أردوغان وذلك بدل أن يأخذ بعين الإعتبار بأن دول الإتحاد الأوروبي الأعضاء في حلف شمالي الأطلسي رفضت إنضمام أنقرة للسوق الأوروبية المشتركة وإلى الإتحاد الأوروبي وبالتالي فإنها دفعتها دفعاً في إتجاه روسيا الإتحادية.

وهكذا فإن ما جعل أردوغان يأخذ تركيا خطوة بعد خطوة بعيداً عن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وبالتالي عن حلف شمالي الأطلسي أن فلاديمير بوتين إستغل مخاوف الرئيس التركي من الأكراد بالتقرب أكثر من اللزوم من حزب العمال الكردستاني – التركي الذي كان بالأساس صناعة مشتركة بين المخابرات السورية والمخابرات السوفياتية مما دفعه دفعاً إلى الإرتماء في أحضان الروس وإدارة ظهره وإنْ مواربة في البدايات إلى أميركا التي بدل أن تقف وقفة جادة مع الذات وتراجع حساباتها الشرق أوسطية جيداً ذهبت بعيداً في إستفزاز تركيا وإزعاجها بإفتعال أزمة العملة التركية التي جعلت العلاقات بين الدولتين وبين الرئيسين تصل إلى مرحلة تصدع وإنهيار لم تكن متوقعة ولا محسوب حسابها بين دولتين رئيسيتين في حلف شمالي الأطلسي!!.

alanbat_press1@hotmail.com