قراءة الواقع تؤشر على قضايا محلية كثيرة تحتاج قرارات مفصلية تقضي على التسيب والاستهتار الذي يتراكم في مؤسسات الدولة، ولا تجد مواطنا يقبل ان تضعف الدولة او تتراجع مؤسساتها أو تنهار لا قدر الله تحت ذرائع غير مقبولة، خاصة ان تحديات المنطقة كبيرة، وتستدعي قراءة الواقع بتحدياته وآثاره، ولذلك لا بدّ من تقييم عمل المؤسسات باسلوب علمي جاد بعيدا عن اسلوب الفزعة، وامام الحكومة ملفات كثيرة تحتاج فحصا مستمرا، كالاستقواء الذي يقوم به بعض الخارجين على القانون، وغياب المنظومة الاخلاقية التي تحكم علاقات الناس مع بعضهم بعضا، والتحديات الاقليمية وما تفرزة من ضغوطات سلبية في حياة الناس والتحدي الاقتصادي وتوابعه الفقر والبطالة، والملف التعليمي ومتطلباته والتعليم العالي الذي فاضت خزائنه بالاستراتيجيات والأفكار التي لا تلامس الواقع والقطاع الصحي وتحدياته، والازمات اليومية في شوارع العاصمة فلا تستطيع ان تهرب منها..، وتتساءل ماذا يجري ومن وراء كل هذه الازمات؟

التحديات لا تتوقف وتساؤلات الناس بوتيرة متصاعدة ولسان حالهم لمن نشتكي ومن يتحمل المسؤولية، ولانبالغ إذا قلنا إن علاقة الدولة الحديثة بأفرادها لم تعد علاقة ايجابية، ولم تعد علاقة السيادة والشرعية بالطاعة والتابعية، ولم نعد نشعر بالمسؤولية الجماعية؟ وكيف تبدو علاقة التربية بالدولة، وما الدور الذي ينبغي ان يناط بالتربية تجاه الدولة؟ وهل استطاعت النظم التربوية والعقلية العصبية أن تضع اطراف المعادلة في أُس بناء الدولة، أم أن النظم لم تستطع ان تواكب بيئة الافراد فغدت في واد والأفراد في واد اخر؟ وأين التربية القويمة التي تنطلق من تعاليم الاسلام الذي علم البشرية أُصول التسامح والعدالة؟ لماذا تستورد نظريات لا ترتبط بواقع مجتمع لا يفرق بين الغرم والغنم والعصبية؟

تغيير وعي الناس لعلاقتهم بالدولة صار ضرورة للتحول بهذه العلاقة من الاتكالية إلى تحمل المسؤولية، وهذا يتطلب عملا تربوياً كبيراً لتزويد الأفراد بهذه الرؤية الجديدة للذات وللعلاقة مع الدولة، ولا بد للدولة من تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين، وزيادة الخدمات التربوية والصحية والاجتماعية وتحسين وسائل الحياة والتمدن والتعاون والاستقلال الثقافي وضبط الزيادة السكانية بالتوعية وربطها بمستوى الحياة من انحطاطها، ودون ذلك تبقى العلاقة مضطردة وغير طموحة، وحين تتحقق هذه المهام يعرف الفرد مسؤوليته التي يجب أن تنحصر في كفايته وجديته ودقته والتزامه بالعمل وقيمة الوقت والصدق والعقلانية والتحرر من التقاليد البالية والولاءات الفئوية والإقليمية والعصبية القبلية والواسطة والمحاصصة والجغرافية والنفاق بأشكاله كافة، والتخلص من العصبية التي تنافس خط التقدم والإنتاج والمواطنة، وربط المواطن بالإنتاج لكي تستقيم العلاقة بين الطرفين الأفراد والدولة.

وبعد أزمات المنطقة تستمر بوتيرة متسارعة، وتأخذ ابعاداً متباينة، وتشكل تحديات كبيرة وخسائر جسيمة تؤثرعلى حياة الناس، ومجابهتها لا يتم بأساليب تقليدية، وانما بآليات واعية لإدارتها وسُبل معالجتها؛ إدارة تعالج الأزمة، بحيث تشتمل خطة مدروسة بعناية وشفافة وقرارات سريعة تستبق الأزمات، ولا تلهث خلفها، ولذلك لماذا لا تكون هناك جلسات عصف ذهني في المؤسسات المعنية يُستمع فيها لكل الألوان والأطياف، وما المانع أن تكون هناك هيئات استشارية متخصصة في كل شأن تكتشف إشارات الإنذار وتشخص المؤشرات والأعراض التي تنبئ بوقوع أزمة ما، للاستعداد لها والوقاية منها والحيلولة دون تفاقمها وانتشارها، وما المانع من تبني التخطيط وقبول النصيحة والمشورة بحيث تستمع لأدق التفاصيل وتتحرك في ضوئها، وهذه الهيئات الاستشارية ليست ترفاً فكريا وإنما خياراً استراتيجياً تضع النقاط على الحروف، فما المانع أن تكون هناك هيئات يكون التنبؤ الوقائي أساسيا في إدارتها عن طريق صياغة منظومة وقائية مقبولة تعتمد المبادأة والابتكار؛ هيئات تجتمع بين حين واخر تقدم أفكارها وتؤشر على مواطن الوهن؛ خاصة أنّنا جربنا الفكر الأحادي الذي أنتج أزمات وتحديات كثيرة، حينها تُبنى القدرات المؤسسية وتُبتكر الاستراتيجيات الجديدة لمواجهة الأزمات بعيدا عن الوصفات الجاهزة ونظام الفزعات التي تعيدنا الى المربع الأول، والأردن غنيٌّ بكوادره المتعلمة والمثقفة والأكاديمية والمتخصصة بشتى حقول المعرفة.

mohamadq2002@yahoo.com