أن يكون لديك إنسان مريض بالسرطان داخل بيتك وفي ثنايا حياتك اليومية وتفاصيلها فهي تجربة صعبة وصعبة للغاية، أحيانا تتمنى أن تكون أنت المريض بدلاً منه، تتلقى علاجه وما يصاحب هذا العلاج من آلام وحزن وقلق واكتئاب ودموع ويأس، ببساطة تتحول مع مرور الأيام وبخاصة في الفترة الأولى من اكتشاف المرض حتى بدء العلاج إلى مريض آخر ولكنك مريض غير مسموح لك بالتعبيرعن"البركان المتفجر"حزنا في داخلك، لأنك وبمجرد القول" آخ"أو تدمع بدمعة تكون قد ضاعفت مساحة الألم في جسد وروح المريض الحقيقي، وساهمت ومن حيث لاتدري في غلق باب الأمل في وجهه، والأمل هنا ليس كلمة تقال بل هي وصفة علاج سحرية قادرة على تدمير المرض وإبادته.

خضت غمار هذه التجربة مع زوجتي الحبيبة من ربيع 2014 حتى صيف 2015، تجربة خضعت خلالها لكل أنواع العلاج المستخدم ضد السرطان بدءاً من التدخل الجراحي مروراً بالعلاج الكيماوي والإشعاعي وصولاً إلى العلاج بالهرمون، كان أصعب ما فيها أن تفقد المرأة جزءاً من جسدها و شعر رأسها وأظافرها وحتى رموش عيونها، وتبدو وكأنها إنسانة أخرى، عند هذه الحالة تحديداً تتفجر"اللحظة الفارقة"،وتظهر صلابة المريض وقدرته على التشبث بالحياة ومقارعة المرض، فهناك الكثير من المرضى ممن ينهزمون من الداخل ويعتبرون ما جرى من تغيرات على أشكالهم وأجسادهم هو نهاية الحياة، في حين أن هناك نوعاً آخر من المرضى على العكس تماماً تراه وقد انتفض على المرض وتجاهل وقتل الألم والخوف وبدأ الحياة من جديد مع بدء تجدد خلايا جسده التي حرقها الكيماوي.

في تجربتنا وأقصد هنا زوجتي، انتفضت هبة مبكراً وبشراسة على المرض ورفضت ارتداء "الباروكة" لتغطية رأسها، وقالت لي"أريد أن أكون أنا لكي انتصر على المرض"، وبالفعل وبفضل من الله لم تتزعزع ثقتها بنفسها ولا بأنوثتها، وخرجت للحياة وكأنها ولدت من جديد لم تترك رياضتها الصباحية، ولم تهمل شؤون بيتها، وكانت الصلاة والقرآن ونيسيها على الدوام، مع مزيد من حب الحياة والاستمتاع بها.

في الحياة نماذج كثيرة لهذا التحدي وهذا الإيمان، وربما تكون تجربة الفنانة القديرة اليسا مع المرض ذاته تجربة فريدة نجحت من خلالها في تقديم برهان دامغ على أن إرادة الحياة أقوى بكثير من المرض، حيث أصرت على تقديم رحلتها مع المرض والعلاج منه من خلال رائعتها، أغنية "إلى كل اللي بحبوني" التي أبدعت فيها وأوصلت من خلالها نبض الحياة الحقيقي الذي تعيشه بالصوت وبالصورة لجمهورها الذي تعشقه ويعشقها.

بالحب يمكننا هزيمة "السرطان" وبالحب يمكننا هزيمة "السرطان الاجتماعي" المتمثل بالغيرة أو الحقد أو الحسد.

Rajatalab5@gmail.com