قوتان إقليميتان تمتلكان حلم التوسع والسيطرة على دول أخرى في المنطقة تواجهان اليوم كابوساً اقتصادياً لم تتخليا وقوعه، ولم نكن نحن الذين نراقب نتوقع حصوله، هذه هي حقيقة كل من تركيا العثمانية الإردوغانية، وإيران الفارسية المحكومة بالملالي.

لقد قرر ترمب فرض عقوبات اقتصادية، لأسباب مختلفة، على كل من تركيا وإيران، فأدى ذلك لانهيار عملة الدولتين بصورة غير مسبوقة، فما تواجهه الليرة التركية من انهيار لم تشهد له مثيلاً منذ عام 2001، بحيث أصبح الدولار يساوي 6.42 ليرة بعد أن كان يساوي ليرة واحدة عام 2005.

وما يشهد الريال الإيراني ليس بأفضل حال من الليرة التركية، حيث كان الدولار يساوي 43 ألف ريال إيراني قبل بضعة أشهر، واليوم الدولار الواحد يساوي 102 ألف ريال، والوضع مرشح للتفاقم أكثر وأكثر. ما يحدث اليوم من حرب اقتصادية يشنها ترمب على كل من تركيا وإيران يشير إلى أن اقتصاديات هاتين الدولتين ليست بالقوة التي كنا نفترضها أو بالقوة الواجب أن يكونا عليها بالنسبة لقوتين إقليميتين توسعيتين، وأن سؤالاً حقيقياً اليوم يجب طرحه، وهو هل هاتان الدولتان الهشتان اقتصادياً قادرتان فعلاً علي إدارة المنطقة، أم أنهما مجرد فزاعتين لتحييد القوى العربية؟

وربما الجزء الأطرف كان تعامل كل دولة منهما مع كابوس انهيار العملة، حيث بدا إردوغان تائهاً غير قادر على مواجهة الأزمة إلا بخطب رنانة لا تنفع الليرة التركية بل تضرها، فهو من خلال مطالبته الشعب التركي بتحويل ما يملك من دولارات أو يوروهات أو ذهب لليرة التركية، وهي المطالبة التي أثارت مخاوف الأترا ك أكثر، ووضع ضغطاً جديداً على الليرة التركية. أما إيران، فإن تغييرها لمحافظ البنك المركزي، ومحاولات إنشاء محاكم اقتصادية جديدة بصلاحيات واسعة وتحين قراراتها في مواجهة الطعن، وإحالة مجموعة من المسؤولين للمحاكم بحجة الفساد، كل ذلك لم يؤدي إلى إقناع الإيرانيين بصوابية القرارات الرسمية، بل ذهب البعض للاعتقاد أن عدداً ممن هم في السلطة يريدون تصفية عدد من خصومهم السياسيين لا أكثر، دون أن ينعكس ذلك على الريال الإيراني، وهو ما أدى إلى استمرار الاحتجاجات من فئات متعددة وفي مناطق مختلفة، ويتم قمعها بالقوة العسكرية الإيرانية.

اليوم النظامان التركي والإيراني على المحك، وعلى كل منهما ابتداع طرق جديدة للحلول الاقتصادية لمواجهة الأزمة، أو أن عليهما التقدم صاغرين لتقبيل اليد الأميركية والاعتراف بالسيادة الأميركية عليهما اقتصادياً، أو الرحيل من خلال ثورة شعبية تعصف بكل المنجزات الكرتونية التي تغنى بها كلا النظامين.

قد تؤدي الأزمة الاقتصادية في كل من تركيا وإيران لصراعات بين الممسكين بالسلطة في كل دولة من الدولتين، حيث يبدو أن الصراع بين المحافظين والإصلاحيين في إيران سيتصاعد ليصل أشده، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار حكومة روحاني الإصلاحية أمام الربات التي يوجهها لها المحافظون، وهو ما قد يضعف بنيان السلطة ككل في إيران.

في حين أن أزمة الليرة التركية قد تترك إردوغان لوحده في مواجهة الأزمة في حال استمرارها وتفاقمها، حيث سيبتعد كثيرون من حلفائه عنه، كي لا يقودهم للسقوط، رغم قيادتهم لهم سابقا للصعود.

الأيام القادمة ستكشف المزيد من ضعف اقتصاديات هاتين الدولتين الإقليميتين، وهو ما يهدد المنطقة بحروب جديدة في حال طغت الرؤية الديكتاتورية على قيادة الدولتين، وهو تهديد حقيقي للمنطقة لا يجب إغفاله أو استبعاده من سيناريوها المستقبل الإقليمي.

roumanhaddad@gmail.com