أذكر أنني في بداية عملي بالصحافة عام 1983 ، كنت أقوم بتغطية جلسات المجلس الوطني الاستشاري، وكان رئيس المجلس الراحل سليمان عرار "رحمه الله"، الذي كان يتميز بخفة الظل ويمتلك روح الدعابة، وفي إحدى الجلسات كان على جدول الأعمال، مناقشة قانون مؤقت يتعلق بالصحة، ويتضمن مادة حول"غسيل الكلى"، وأثناء مداخلة أحد أعضاء المجلس للمادة، علق الراحل عرار بقوله نريد "غسيل وكوي"!

ومؤخرا قوبلت عبارة "كسر ظهر الفساد" التي استخدمها جلالة الملك، باهتمام كبير من قبل الرأي العام، وحظيت بكم كبير من التعليقات عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وهناك من علق بقوله أننا نريد أيضا "تكسير أرجل" الفساد، لأن كسر ظهره قد يشمل فقرة أو فقرتين، ويمكن اصلاحها بعملية جراحية!

وأنا أضيف الى ذلك بأن المكافحة الجدية للفساد، تتطلب تشكيل "ورشة عمل وطنية"، تضم شخصيات عامة وخاصة قانونية يشهد لها بالنزاهة والكفاءة والمؤهلات اللازمة لذلك، لإجراء عملية "غسيل وكوي" للفساد بكافة أشكاله، وعلى مختلف المستويات وتفعيل شعار "لا أحد فوق القانون"! وعملية مكافحة الفساد، يفترض أن لا تبدأ منذ ان كشفت قضية الدخان! بل من المهم مساءلة، الحكومات وكبار المسؤولين عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية، التي أوصلت البلاد الى نفق مظلم بحجم مديونية يقارب" 28 " مليار دينار! وتشريع قانون "من أين لك هذا" وتفعيله بأثر رجعي؟ لمساءلة جميع الذين أثروا بطريقة مفاجئة، وهل الرواتب والمكافأت التي كانوا يتقاضونها كرؤساء وزارات، ووزراء ومدراء ورؤساء هيئات ومفوضين..الخ، تغطي امتلاك هذه الثروات؟

الأضواء مسلطة هذه الأيام على "قضية الدخان"، لكن الأمثلة على ملفات الفساد كثيرة وبعضها منسي، يتعلق بـ "سد الكرامة"، الذي تم إنشاؤه عام 1990، بكلفة تقدر بـ"56 " مليون دينار، وتبين بعد انجازه أن مياهه لا تصلح.. لا للزراعة ولا للشرب! وها هو يقف شاهدا على هدر المال العام! وهناك ملف كبير يتعلق بفساد في الكثير من الشركات المساهمة العامة، الذي تسبب بتبخر مدخرات صغار المساهمين، وسط غياب مراقبة دائرة الشركات!

وثمة نموذج آخر للفساد يتعلق بـ"منتجع البحيرة" السياحي في منطقة البحر الميت، الذي تم إقامته على طريقة "شراء الحصص"، وتبين أن الوعود التي قطعتها ادارة الشركة للمستثمرين مجرد أوهام وتضليل، و قبل أيام نظم نحو 200 شخص من المتضررين اعتصاما، أمام مقر الشركة التي تدير المنتجع بالصويفية للمطالبة بحقوقهم، واتهموا وزارتي السياحة والصناعة والتجارة بالتنصل من مسؤوليتهما القانونية!

ماذا يمكن تسمية انشاء عشرات الهيئات المستقلة، وتفريخ مؤسسات تابعة لأصحاب نفوذ، التي تقارب حجم نفقاتها مليار دينار، وتشكل "كيانات" موازية للوزارات، ومعدل رواتب العاملين يفوق رواتب موظفي الدولة بأضعاف، وهم أبناء "الذوات" الذين لا ينتظرون الدورعلى أبواب ديوان الخدمة المدنية، مثل أبناء المواطنين المطحونين بالغلاء وضنك العيش ؟

لا أريد أن أرسم صورة سوداوية لوضع البلد، والزعم بأن كل من تولى مسؤولية متهم، فهناك الكثير من الشرفاء الحريصين على المال العام، لكن هذا هو الواقع، وندعو الله أن تنجح عمليات مكافحة الفساد!

Email: Theban100@gmail.com