د. عبد السلام المجالي الذي رأس الوزارة الأردنية أكثر من مرة، وآلت اليه رئاسة الجامعة الاردنية في فترة من الفترات كان بحق رجلاًولا كل الرجال، سأختار موقفاً من مواقفه حين كان رئيساً للجامعة. موقف يدل على القيم الانسانية التي تربّى عليها.

ذات مرة وخلال اجتماعه بطلاب الجامعة قال لهم بحنوّ الاب على ابنائه: إن كل واحد منكم يستطيع ان يعمل بالجامعة ويتقاضى لقاء عمله أجراً يومياً، كما يستطيع ان يستلف قرضاً بدون فوائد، يسدده بعد تخرجه في ستة أشهر. وهنا قام احد الطلاب وقال: يا استاذ، ماذا نستطيع ان نعمل في الجامعة؟ قلت له: تقوم بغسل الصحون في مطعم الجامعة مثلاً، فأجاب: أنا اقوم بغسل الصحون؟!!فقلت له: لا تغسل انت، انا اغسل"الصحون"، وبادرت فعلاً الى العمل في المطعم، وقمت بغسل الصحون فترة تزيد عن عشرة ايام كما كان ابني شادي يقوم كل يوم احد بتنظيف أرض المطعم".(عبد السلام المجالي:"رحلة العمر"، ص 175).

ما فعله عبد السلام المجالي –مع حفظ الالقاب- ممارسة عملية يقهر من خلالها "ثقافة العيب"التي –مع الاسف- ما زالت متغلغلة في اوساط شبابنا وشاباتنا.

"ثقافة العيب"آن لها ان تزول من مجتمعنا، فهي –كما أرى- تدل على مُركب نقص واحتقار لِ"ثقافة العمل".

كثيرون من قادة العالم والمشاهير الذين تركوا بصمات على المواقع التي شغلوها مارسوا في مقتبل حياتهم أعمالاً متواضعة، منهم الباعة في الطرق يبيعون الصحف اليومية او"الساندويشات"، بل ان احدهم وهو رئيس جمهورية فنزويلا الحالي كان سائق شاحنة قبل ان تؤول اليه رئاسة الجمهورية، بجدّه ومثابرته وصل الى ما وصل اليه.

اعرف أديباً عربياً كبيراً راحلاً هو محمد دكروب اللبناني الجنسية، وكما اعترف وهو الذي لم يكمل دراسته الثانوية لضيق ذات يده عمل مع والده في تصليح "بوابير الكاز"أيام كانت هي المستخدمة في بلاده. لكنه بعزيمته وارادته استطاع ان يُعلم نفسه بنفسه منكباً على القراءة حتى غدا من أعلام النقاد في العالم العربي، وله مؤلفات كثيرة في القصة والنقد الادبي.

عبد السلام المجالي حين عمد الى"جلي الصحون"أمام هذا الطالب الذي استغرب مما قاله رئيس جامعته كان يضرب مثلاً على احترام"ثقافة العمل".

نحن بحاجة اليوم وفي ضوء التحديات المعيشية التي تواجهنا ان نغير من"الذهنية"التي تكرس"ثقافة العيب".

ألم يمارس رسولنا الأعظم محمد"صل الله ععليه وسلم"رعاية الاغنام قبل ان يبعث رسولً؟ وأبو بكر الصديق –رضي الله عنه- الم يمارس بيع الثياب؟ حتى حين غدا خليفة أصرَّ على الاستمرار في هذا العمل رغم ان المسلمين قالوا له: نحن نكفيك يا خليفة رسول الله.

أتساءل: لماذا لا يقتدي شبابنا بهذه الرموز الكبيرة؟ لماذا يحجمون عن مزاولة الاعمال التي يعتقدون انها لا تليق بمكانتهم؟

إن الاوطان لا تُبنى وتنهض اذا سادتها"ثقافة العيب".

"ثقافة العيب"تؤدي الى انتشار البطالة والتسكع في الشوارع، بل انها –كما ارى- قد تكون سبباً من اسباب انتشار "الجريمة"، فالشاب المسكون"بثقافة العيب"قد يعمد الى السرقة لينفق على نفسه بدل ان يبحث عن اي عمل شريف وإن كان عاملاً في مطعم يغسل الصحون او بائعاً متجولاً او ما شابه من المهن التي ما زال شبابنا يأنفون من مزاولتها اعتقاداً منهم انها تخدش كرامتهم.

"ثقافة العيب"لا نراها في المجتمعات الغربية. ان هذه المجتمعات اكثر تحضراً من مجتمعاتنا. مواطنوها لا تسكنهم "ثقافة العيب". عظماؤهم الكثيرون منهم لم يولدوا وملاعق من ذهب في افواههم. عانوا كثيراً قبل ان يصلوا، احترموا "ثقافة العمل"وهذا ما نفتقر اليه في بلادنا العربية.