كايد هاشم

تتعدَّد الدوافع لكتابة السير الذاتية، ربما بعدد كاتبيها. فقد أراد طه حسين من كتابه "الأيام" أن يتخفَّف من أثقال عهد الشباب بعد أزمة كتابه "في الشعر الجاهلي"، بالعودة إلى ذكريات عهد الصِّبا، وليجدد بإملاء سيرته الأمل في نفسه ويشحنها بعزيمة الحياة. وسُئل أديب الأردن روكس العزيزي (وقد توفى عن مئة عام ونيف) في حوار صحفي عن أحلامه وهو في سنّ الشيخوخة، فقال إن أحلامه انتهت لكن "ما تزال لديه آمال". ومن المعروف أنه كان يسجِّل مذكراته يوماً بيوم.

كتابةُ السيرة الذاتية ضربٌ من ضروب الإحساس بالذات، ووعي الزمن والتاريخ والحدث، وصورةٌ من حاجة الإنسان الاجتماعية للاتصال بالعالم والوجود، والتعبير عن موقفه. ومهما تعددت دوافع كتابة السِّير أو المذكرات وأنواعُها وأشكالُها، فإن النزعة إلى استمرار التجربة الإنسانية وتناقلها بين البشر، تبقى قائمة ما استمرت الحياة وتوالت الأجيال.

لكن، ليست كل التجارب على سوية واحدة من العمق والأصالة لتكون مصادر إثراء في الحياة، وليس كل من يملك الحقيقة يكتب مذكراته.

ولطالما وضع الدارسون السِّير تحت مجهر النقد ليتبينوا مدى الدقّة فيها، وقدرة الكاتب على كشف خفايا نفسه وأحداث زمنه، ومدى اقترابه من حقائق الأمور، ثم تطور شخصيته، وقوة الصراع في تجاربهِ، والربط بينها وبين عوامل التأثير في البيئة الخارجية.

وحين نقول إن المرء هو ابن بيئته، أو ابن عصره، أو ابن مجتمعه، يجب ألّا ننسى أيضاً، وخاصة عندما نتحدث عن إنسان مثقف مثل حسن الكرمي، أنه أيضاً نتاج عقله وتفكيره وإرادته وتحصيله الثقافي، ونظراته ومواقفه وطريقة تكيّفه مع المناخات الاجتماعية والثقافية والسياسية في عصره، مما جعله كما وصفه وكما عرّفه سمو الأمير الحسن بن طلال في كلمته الوجدانية الجميلة التي تتصدر سطورٌ منها كتاب "مذكرات حسن سعيد الكرمي 1905-2007: في الحياة والثقافة العربية": "معلماً ومربياً وإنساناً كبيراً يؤمن بقوة الفكر وقدرته على إحداث التغيير المبدع. فجاءت مساهمته في مجال الإعلام تجسيداً لإيمانه بأن الإعلام العالِم الحكيم إنما ينهض بدور المعلم والمربّي وناقل الخبر الصادق الصدوق".

عاش الكرمي وشهد قرناً بأكمله، بكل تحولاته وأحداثه المصيرية في فلسطين والعالم العربي؛ بل العالم كله، وتنقّل في أماكن متعددة وبين مجتمعات مختلفة شرقاً وغرباً (من فلسطين إلى سورية إلى الاستقرار في لندن، قبل أن يتقاعد من إذاعة B.B.C ويختار عمّان مستقراً أخيراً له)، كما عمل في مجالات التعليم والإعلام والثقافة، وعرف أناساً كثيرين بمن فيهم زعماء وملوك وأمراء، كما عرفه كثيرون. وقرأ وكتبَ، وأنجزَ ما أنجز من آثار فكرية ومعرفية في اللغة والمعاجم والأدب والتاريخ والترجمة ودراسة التراث، واستفاضت شهرته بسببها. هذا الرجل يمثلُ قيمةً استثنائية في الثقافة والفكر. وعندما كتب مذكراته أراد أن يقول شيئاً بحجم ما استشعر من قيمة هذه التجارب في إطارها الزمني.

كتبَ الكرمي أو بدأ بكتابة مذكراته قبل وفاته بعشرة أعوام؛ أي أنه كتبها حوالي عام 1997، وهو في نحو الثانية والتسعين من عمره، وهذه سنّ متقدمة قد تغيب معها أشياء كثيرة من الذاكرة، بيد أن ذاكرة الكرمي برهنت في المذكرات على قوّة حافظتها وتوقّدها بإيراد الكثير من تفاصيل الوقائع وأسماء الأشخاص والأمكنة، التي كانت ما تزال حيَّةً في خاطره منذ عهد الطفولة والصبا والشباب؛ وفي المراحل التالية من حياته أيضاً.

لا بدّ أن كُتَّاب المذكرات يستعينونَ بشيءٍ من يومياتٍ أو مفكِّراتٍ أو أوراقٍ مدوّن فيها بعض تفاصيل حياتهم وذكرياتهم وانطباعاتهم. وتدلّ طريقة العَرض والتعبير عن الوقائع الخاصة والعامة في مذكرات الكرمي التي قامت بإعدادها وتحريرها سهام الكرمي إلى جانب كاتب هذه السطور، على ذاكرة مستوعِبة ومصوِّرة، تصوغ صورة الحدث غالباً بوضوح أو أقرب إلى الوضوح، وتترابط الأحداث لديه بتسلسلٍ وانسياب لا غبار عليهما. لم أقرأ في مذكرات الكرمي ما يشير إلى نسيانه معلومة ما أو اسمَ أحد ممن كان يعرفهم سوى مرتين أو ثلاث على الأكثر.

قد لا يستشعر القارئ بأن هناك مواضع مهمّة بدت ناقصةً في ذلك التسلسل السردي للذكريات، أو لنقل فجوات حاول الكاتب أن يغطي عليها؛ بل إنك ترى الكرمي يسترسل في رواية بعض الأحداث والوقائع، بصراحة العامد المتعمّد وبقوة الواثق؛ مطمئناً حين يدلي باعترافٍ ما أو يصرّح بما في داخل نفسه من مشاعر وانطباعات، أو رأي أو وجهة نظر دون تحرُّج وبنفَس موضوعيّ.

صحيح أنه لا يمكن لكاتب المذكّرات أن يكتب كل شيءٍ في حياته وبدقّة مثالية، وأن يفتح أبواب قلبه على مصاريعها كما يقال، وخاصةً في بلاد كبلادنا ومجتمعات كمجتمعاتنا وظروف تاريخية ملتبسة كالظروف الضبابية والنكبات والنكسات التي مرت بالعالم العربي في هذا الزمان وما تزال، لكن الكرمي يكشف في مذكراته وفي ما اختار أن يتحدث فيها، عن شخصيةٍ لا تنقصها الصراحة والجرأة، أو بعبارة أخرى الصدق مع النفس أولاً، والإيمان بالفكرة، وموضوعية الطرح، وتحكيم العقل.

فمذكراته التي صدرت في كتاب عن منتدى الفكر العربي (2015) مرآةٌ غير مقعَّرة ولا مُكبِّرة، والمسافة بينها وبين الواقع والمنطق هي المسافة المعقولة والأدنى إلى طبيعة الأشياء، تنتفي فيها المبالغة، وتمجيد الذات، واصطناع صورة غير الصورة الأصلية للرجل على حقيقته. وفي ذلك الإحكام ذكاء من صاحب المذكرات الذي كان يعرف أن هذه المذكرات ستُنشر يوماً ما، وهو نفسه رغب بنشرها لقول ما يريد قولهُ من خلالها..

لا شك أن المرحلة العمرية التي كُتبَت في أثنائها المذكِّرات ساعدت على هذا الهدوء النفسي والمراجعة التأملية للسنين الطويلة والأحداث الكثيرة، وإنْ كان (البعض) قد رأى من جهةٍ أخرى أن شهادة الكرمي على العصر تستحق حجماً أوسع بكثير من عشرة فصول وجيزة على الإجمال، ومن الصفحات التي جاءت عليها (حوالي 107 صفحات)، وبالفعل هي تستحق، غير أن عامل السنّ والظروف الصحية كان لها تأثيرُها أيضاً، إلا أنهُ ليس كل التأثير، فالإيجاز وتقديم الأفكار بشكل مباشر وتجنّب الزوائد سماتٌ معروفة في كتابة الكرمي وأسلوبه في التأليف.

هناك ثلاثة خطوط رئيسة تتسمُ بها هذه المذكرات:

- الخطّ السِّيري الحياتي المعتاد في الجوانب الشخصية، من وصف النشأة والأسرة والدراسة والأعمال والوظائف وأسلوب العيش والأصدقاء.. إلى ما هنالك.

- الخطّ المتعلِّق بالأحداث العامة التي أثرت في مجريات حياته، وخاصة أحداث فلسطين والأوضاع فيها ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحتى سنة النكبة 1948.

- الخطّ الثالث الذي يمثل السيرة العقلية للكرمي وتجربته الثقافية الممتدة ومواقفه الفكرية. وقلّما تحدّث أحد ممن تناولوا المذكرات عن هذا الجانب، الذي يبدو جلياً أن الكرمي اعتنى بإبرازه وهو يصور ملامح شخصيته ومكونات فكره وطريقة تفكيره ونظرته إلى الأمور.

هنا أودّ أن أُسلط شيئاً من الضوء على هذا الخط الأخير والأهم في سيرة الكرمي المدوّنة، الذي رَسم معالِم محددة له في الفصول الثلاثة الأخيرة من المذكرات، وتوزعت في باقي الفصول إشاراتٌ واضحةٌ حوله.

ومن تحصيل الحاصل أن نذكرَ في هذا الصدد أثر أسرته (أسرة الكرمي؛ والدهُ الشيخ سعيد، وأشقاؤه الشاعر عبد الكريم "أبو سلمى"، وأحمد شاكر الأديب والكاتب المناضل، والشقيق الأكبر محمود)، وهي أسرةٌ معروفة بالعلم والأدب والثقافة، فلسطينياً وعربياً، ولها إسهاماتُها الوطنية والقومية. ثم أثر الزمان الذي نشأ فيه وتفتحَ وعيُهُ على دعوات التحرر والوحدة والاستقلالحينما كانت هذه البلاد واقعة تحت هيمنة الانتدابات، ونُذُر الخطر تحيق بفلسطين وأهلها؛ بل بالعرب جميعاً.

كذلك، يجب أن نذكر أثر البيئة الثقافية والتعليمية التي عَرفها حسن الكرمي في بدايات حياته الدراسية والعملية، ولا سيما خلال وجوده في القدس طالباً في الكلية الإنجليزية، ومن ثم مدرّساً للغة الإنجليزية في الكلية العربية التي كانت تعد من أكبر معاهد التعليم في المنطقة العربية في ذلك الوقت، وعمله في إدارة المعارف الفلسطينية، ثم ارتحاله إلى بريطانيا للدراسة في جامعة لندن بتخصص أصول التربية وعلم الإحصاء التربوي، وعودته عقب نكبة سنة 1948 إلى لندن مقيماً للعمل في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، وقد امتدت هذه الإقامة ما يقرب من أربعين سنة، وضع الكرمي خلالها عدداً من المعاجم وترجم بعض الكتب وألف كتباً أخرى بالعربية والإنجليزية، وأعدَّ وقدَّم برامج تعليم اللغة الإنجليزية بالراديو، وبرنامجه الأشهر (قولٌ على قول)، الذي استمر على مدار ثلاثة وثلاثين عاماً من راديو لندن، وبمساحة استماع عز نظيرها على امتداد الوطن العربي، وفي كثير من الأقطار الأجنبية حيث يوجد ناطقون بالعربية.

وأخيراً، لا بد من ذكر أثر رحلات الكرمي خلال عمله في الإذاعة البريطانية، وكلُّها ذات طابع ثقافي فتحت له الآفاق نحو مزيد من النظر والبحث والدرس والتثقف، سواء في البلاد العربية أو غيرها من البلاد في الشرق والغرب.

لقد شُغل الكرمي بإصلاح المعجم العربي حين وجدَ أن كتباً تترجَم من الآداب العالمية إلى اللغة العربية فتصبح غير مفهومة لدى القارئ العربي، إما بسبب عدم كفاءة بعض المترجمين العرب في فهم اللغة التي يترجم إليها، أو الترجمة الحرفية التي أدخلت إلى اللغة استعمالات غريبة تُجانب الدقة في الدلالة، وتبيّن لهُ أن المعجم العربيّ يعاني جموداً ولم يعمل اللغويون على عصرنته، بحيث يفي بتطور دلالات الألفاظ في اللغات المقابلة، وأن هناك كلمات ومصطلحات في الإنجليزية والفرنسية لا يوجد لها ما يقابلها في اللغة العربية. فابتكر طريقة استعمال الكلمات الإنجليزية في جُمل تعطي صورة عملية أمام ذهن المتلقي لمعنى كل كلمة، واستعمل هذه الطريقة في وضع معجم "المغني".

وكانت دعوة الكرمي إلى إصلاح المعجم العربي، طريقاً لإصلاح التفكير الذي وجد أنه سبب العِلل في تراجع الإنسان والمجتمع والحضارة في البيئة العربية، و"بطريقةٍ غير مباشرة، لأن الفكر لغةٌ صامتة وأداةُ الفكر هي اللغة، فإذا صلُحت الأداة صَلُح الفكر. ثم إنَّ تحديد المعاني للكلمات يساعدُ على دقّة الترجمة، ويساعدُ على وضع مصطلحات دقيقة".

وركّز الكرمي كثيراً على أهمية القراءة للطالب وللمرء في مختلف مراحل حياته، ومما قاله في ذلك إن مقياس الفهم عند كل إنسان يكون بقدرته على القراءة.

وتدلّ تجربته على أن القراءة التي بدأها مبكراً في اللغة والرياضيات والعلوم والفلسفة والأدب والدين، قادته إلى أن يستقل فكرياً ويختار الحياة التي يريدها في دنيا العلم والثقافة. والقراءةُ عنده تتطلب استعداداً طبيعياً "للدراسة مع الصبر، مع قدرة عقلية على الفهم"، كيف؟

يتحدث الكرمي عن أسباب ما نراه من تخلّفٍ فكري، والتي تتضح من منظور أن اللغة هي أداة التفكير. ويرى أن العربي يتكلم لغةً مجازية أكثر منها حقيقية، وأنها تصلح للشعر والخيال العام ولا تصلح لوصف الحقيقة، لذلك تختلطُ معاني الكلمات لعدم توافر ضابط منطقي لها. ثم هناك عدم الاهتمام بالفكرة من وراء الأشياء، ويضربُ لنا مثالاً على ذلك أن الكاتب أو الأديب أو الروائي عندما يتكلم عن الإخلاص والغدر والحب والبخل، وغيرها من المعاني، "فإنما يتكلم عنها من حيث علاقتها بالأشخاص أو بالأشياء"، وليس بالأفكار (التجريد).

إن الاهتمام بالحوادث والوقائع على انفراد ودون الاهتمام بالروابط بينها أو تعليل الأسباب فيها أنها دون معنى أو لا تنطوي على فكرة، جعل التفكير يسير على "خط واحد وليس متفرعاً على خطوط عدّة تهتم بالملابسات".

ذلك ما كان من أسباب افتقاد كتب التاريخ العربي في الماضي "لتاريخ اجتماعي يتحدث عن تطورات المجتمع وظروفه في أيّ عصرٍ من العصور"، وقد يكون غياب الأفكار في غمرة الحوادث هو من أسباب عدم اتفاق الناس على مبادئ فكرية عامة يمكن تطبيقها على كل حالة".

لقد حقّق الكرمي عملياً فكرة "الاكتمال مع الذات"، فاغتنى بفكره الحرّ، وكان قارئاً مدقِّقاً ناقداً مفكِّراً متفكِّراً، لا يُسلِّم بما يقرأ، وكانت كتب الفلسفة طريقهُ في النظر المنطقي إلى الحياة والثقافة ومشكلات الإنسان والمجتمع، ولم يكن يأخذ برأي أو حكم "دون التحقق بالنظر العلمي" ودون فهم ويقين، متبعاً قوله تعالى (إقرأ وربُك الأكرم * الذي علَّمَ بالقلم * علمَ الإنسانَ ما لم يعلم) -صدق الله العظيم. وفي هذه الآية الكريمة أعظم دروس مبتدأ النجاة للإنسان بالعِلم والتفكّر والتدبّر.