هداية الرزوق

تصّدى الأدب تاريخيّاً لمعالجة الكثير من القضايا الإنسانيّة والاجتماعيّة، واحتلّت إشكاليّة العلاقة بين الرّجل والمرأة اهتمام العديد من الأدباء، وكلٌّ تناولها بطريقته الخاصّة في ضوء المرحلة الزّمنيّة التي أنتجت فيها هذه الأعمال والقيم والمفاهيم.

وقد عكست بعض تلك الأعمال فهماً تقليديّاً لتلك العلاقة وبالتّالي تكريساً لسطوة الرّجل على المرأة، كما تمحورت حول المفاهيم الذّكوريّة ومركزيّة الرّجل في حياة المرأة، وبالتّالي قدّمت رؤية تنطوي على تهميشٍ لوضع المرأة وتعزيز لضعفها ودونيّتها، في حين تجاوزت أعمال أخرى هذه الرّؤية التّقليديّة وحاولت أن تقدّم طرحاً أكثر حداثة ونضجاً وأكثر إنصافاً لمكانة المرأة في علاقتها مع الرّجل.

تأتي مسرحيّة فدريكو غارسيا لوركا "عرس الدّم" محاوِلةً إثارة تساؤلات حول مدى نجاحها في تقديم نموذج جديد للمرأة متحرّر من قضبان السّجن الذّكوريّ، ومدى قدرة لوركا على توظيف حسّه الثّوري في التّمرد على العادات والأعراف السّائدة لدى المجتمع الغجريّ في ما يتّصل بعلاقة الرّجل بالمرأة ومكانة المرأة في هذه العلاقة وخاصّة في ضوء المعالجات التي طرحها للشّخصيّات النّسائيّة في تلك المسرحيّة، والتي جاءت كشخصيّات متأزّمة لا تستطيع العيش باستقلال، وترى في الرّجل سيّداً لها ومحوراً لحياتها، ممّا كرّس بالنّتيجة وعلى ما يبدو المفاهيمَ الذّكوريّة التّقليديّة وجعل الرّجل مركزاً أو بطلاً للعمل المسرحيّ منفرداً.

أمّا في ما يتعلّق بشخصيّة الأمّ، فإنّنا نجد أنّها قدّمت من خلال هذا العمل المسرحيّ كشخصيّة مليئة بالحزن بسبب فقدها لزوجها المسالم وهو في عزّ شبابه: "رجل جميل في شرخ حياته، يخرج إلى كروم عنبه، يعتني بزيتونته". كذلك بسبب الطّريقة التي انتهت فيها حياة زوجها، وهي القتل على أيدي بعض أفراد عائلة فيلكس: "لعنة الله على المدافع والرّشاشات والبنادق والمسدّسات وحتّى أصغر سكّينة صغيرة"، كما تمتلئ الأمّ باليأس والحسرة على رحيل زوجها: "الأيّام تذوب وتذوي واليأس ينشب مخالبه في عينيّ وحسرتها تلدغ في عيني"، يضاف إلى ذلك سيطرة الرّغبة في الانتقام: "لأنّني سأنبش عليهم بأظافري وأُخرجهم، وبمفردي سأسحقهم على الجدار".

وقد جعلت هذه الصّفات والخصائص النّفسيّة من الأمّ شخصيّةً خائفة ومتقوّقعة داخل عالمها الخاصّ: "فنظرت إلى الجدار". وفرضت على نفسها وعلى ابنها حاجزاً يعزلها عن الآخرين، كما بدت قلقةً بصورة غير مألوفة على ابنها: "كنت أفضّل لو كنت امرأةً.. عندئذ ما كنت لتخرج الآن إلى الغدير ولرحنا نطرّز معاً حواشي وكلاباً صوفيّة صغيرة".

كما بدا واضحاً أنّ الأمّ تخشى الوحدة وفقدان الأحبّة مّرة أخرى:"الآن سأترك وحيدة، الآن أنت فقط تُركت لي.. أنا أكره أن أراك تذهب".

وفي ضوء هذه الخصائص النّفسيّة للأمّ والنّابعة في الغالب من تجربتها الحياتيّة، فقد أصبحت ترى في زواج ابنها من امرأة أخرى تهديداً لسلامتها ووجودها: "حين أذكر اسمها أحسّ كأنّ أحداً ضرب جبهتي بحجر".

في حين أنّنا نجد شخصيّة والد العروس شخصيّة متفائلة على الرّغم من أنّه يعيش مع ابنته فقط، وسيستمرّ في العيش وحيداً بعد زواج ابنته دون أيّ تأزّم أو صراع مع الآخرين، وبهذا فإنّ لوركا يقدّم دليلاً إضافيّاً على قوّة الرّجل وقدرته على مواجهة تحديّات الحياة، بعكس المرأة التي تظهر وكأنّ وجودها بأكمله مستَمَدّ من وجود الرّجل في حياتها.

أبعد من ذلك، فقد ظهرت الأمّ كشخصيّة متشكّكة حينما حاولت وبمكر أن تستدرج جارتها الثّرثارة لتكشف أيّ جانب سلبيّ في عروس ابنها، حيث لم تكتفِ بمدح جارتها لعروس ابنها: "فتاة جيّدة"، بل زادت على هذا التّعليق بالسّؤال: "نعم، لكن...."، وكأنّها بذلك تهيئ جارتها لأن تذمّ عروس ابنها.

يضاف إلى ذلك أنّ معايير الأمّ في تقييم شخصيّة العروس تحدّدت في ضوء اعتبارات تقليديّة جداً تخصّ الأدوار التّقليديّة للمرأة في المنزل، مثل قدرتها على "عجن الخبز وخياطة الثّياب".

ويكبر نموذج المرأة الضّعيفة وأسيرة الهيمنة الذكوريّة في هذا العمل حين تقول الأمّ لابنها: "إنّك الرّجل السّيّد الذي يُصدر الأوامر"، ولم تكتفِ الأمّ بأنّها كانت هي موضوعاً لهذه السّيطرة، بل أرادت من ابنها أن يكرّر الدّور نفسه مع عروسه:"تعلّمت ذلك من أبيك، وحيث إنّ أباك ليس معك، فلا بدّ أن أكون الشّخصّ الذي سيخبرك". كما نستنتج أنّ الأمّ جعلت من الأبّ نموذجاً لابنها وتنازلت عن كونها مصدراً لأيّ نموذج إنسانيّ في حياته.

وبالنّتيجة، يمكن القول إنّ شخصيّة الأمّ كما طرحها لوركا في هذا العمل، شخصيّة متأزّمة ومتقوقعة في عالمها الخاصّ ومستعبدة لسطوة الرّجل، وتربط وجودها كلّه بوجود ابنها في حياتها بوصفه مصدر الأمان الوحيد المتبقّي لها، فقد كرّست المفاهيم الذّكوريّة وساهمت في تعزيز مركزيّة الرّجل وعلوّ شأنه في مقابل تهميش صورة المرأة المتمثّلة بالأمّ.

أمّا في ما يتعلّق بشخصيّة العروس، فإنّنا نجدها شخصيّة عاجزة محبطة يظهر عجزها ضمن أحداث المسرحيّة، إذ تركها صديقها ليوناردو في مرحلة معيّنة وتزوّج من فتاة أخرى ورُزق بالأبناء، كما إنّها وافقت على خطبة من رجل آخر لا تحبّه دون أيّ مقاومة وكأنّها معتقدة أنّها بذلك تنتقم من "ليوناردو"، فأداة الانتقام هنا تتمثل في زوجها المقبل (الرَّجُل)؛ وذلك لأنّها كامرأة عاجزةٌ عن إحداث التّغيير في حياتها بنفسها، فما تلجأ إليه من تدبير وتخطيط لا ينجح إلّا بوجود هذه الأداة.

كذلك، فقد قدّم لوركا هذه الشّخصيّة على أنّها مليئة بتساؤلات تتعلّق بالأخلاق والمعتقدات بدءاً من عيشها مع والدها وحيدَين في المنزل ومروراً بالتّساؤلات حول علاقتها السّابقة مع "ليوناردو"، وكذلك محاولة الأمّ المسّ بسمعتها وبمكر من خلال حديثها مع جارتها، وهو طرح تقليديّ ينطوي على ربط المرأة وحدها بمفهوم الشّرف، وجعلها الحارس الوحيد على هذه القيمة الأخلاقيّة.

ويلاحَظ كذلك أنّ شخصّية العروس بدت مهزوزة وضعيفة وانهزاميّة إلى حدّ ما، ففي البداية حاولت أن تتمنّع على "ليوناردو" عندما دعاها لأن تتخلّى عن خطيبها قائلة: "لكن لي كبريائي، لذلك السّبب سأتزوّج، وسأغلق بيتي على نفسي وزوجي، ومن ثمّ سأحبّه أكثر من أيّ شخص آخر"، لكنّها عادت وضعفت أمام حبّها لـ"ليوناردو" الذي أحرقها فهربت معه وقالت:" سأنام عند قدميك لأسهر على أحلامك عارية".

فالعروس تخلّت عن شرفها وعن أخلاقها التي كانت تتذرّع بها، من أجل "ليوناردو" أو من أجل عشقها القديم، وعلى الرّغم من خيانة "ليوناردو" لها في السّابق وتركه لها من أجل الزّواج من أخرى، إلا أنّها عادت إليه وهربت معه وتركت وراءها حفل زفافها، فهي بذلك جعلت من "ليوناردو" مركزاً للعمل الدراميّ؛ إذ حصل على الزّوجة والأبناء والحبيبة قبل مقتله.

ولكي يدعم لوركا عمله، فقد وظّف العديد من الاختيارات الأدبيّة واللغويّة، ومن ذلك عنوان المسرحيّة" عرس الدّم"، إذ نجد أنّه ينبني على الاختصار والحذف الدّلاليّ والمفارقة؛ فالعرس يرمز عادة إلى معاني الفرح والسّعادة، أمّا الدّم فيدلّ على الألم والجراح، وفي المسرحيّة تحديداً كان يرمز إلى الموت، وهذه المعاني المتناقضة تعكس الصّراعات الجوهريّة التي أحاطت بزواج الابن من خطيبته والتي دفعت به وبـ"ليوناردو" إلى الموت في نهاية المطاف.

وعادةً ما تتضمّن المسرحيّات أسماء لأبطالها، لكنّنا نلاحظ أنّ هذه المسرحيّة لم تتضمّن سوى اسم واحد وهو (ليوناردو) دلالة على أنّ الكاتب عدّ "ليوناردو" البطلَ الأوحد كونه قد مات منتصراً، بمعنى أنّه حصل على الزّوجة والحبيبة والأبناء بخلاف منافسه الذي مات فاقداً كلّ شيء.

وقد اتّسم النّصّ المسرحيّ بالطّاقة الرّمزيّة التي تمثّلت في التقنيّة الوصفيّة للفضاء المسرحيّ، فمنذ البداية قام الكاتب بتحديد الخطوط العريضة لديكور المسرحيّة، فنقرأ في المشهد الأوّل أنّه يوجد في بيت (العريس) جدارن مطليّة باللّون الأصفر، أمّا بيت "ليوناردو" فكان مطليّاً باللّون "الورديّ". وهذه الألوان لها دلالات متناقضة، فاللّون الأصفر يرمز إلى المرض أو الموت أو الغيرة القاتلة، أمّا الورديّ فهو يوحي بالحياة. وتمتدّ هذه الدّلالة الرّمزيّة إلى عالم الأمّ (منزلها) الذي تعمّه الكآبة والحزن؛ لأنّ حياتها توقفت بعد وفاة زوجها وابنها المقبل على الزّواج بأنثى وتركها بمفردها، أمّا "ليوناردو فقد بدت أجواء منزله مشرقة بالرّغم من بعده عن محبوبته ونيتها الزّواج من آخر، وكأنّما الرّجل يقْدر دائماً أن يعيش حياة طبيعيّة بوصفه الطّرف الأقوى في المعادلة.

كما يلمح القارئ أنّ أسلوب الكاتب لا يخلو من التّشاؤم في الإنشاء الأدبيّ للمتن؛ فقد استعان بالصّور الفنيّة لإيصال هذه الحالة ولإضفاء بعدٍ مشهديٍّ على العمل، ومن أهمّ الشّواهد على ذلك قول الأمّ: "الأيّام تذوب وتذوي واليأس ينشب مخالبه في عينيّ وحسرتها تلدغ في عيني". فهذه العبارات تحتوي على صورتين فنيّتين: الأولى: حين شبّهت الأمّ اليأس الذي تملّك نفسيّتها بمخالب حادّة، وهذا يعكس الصّراع النّفسيّ الذي واجهته بسبب فقدانها ابنها وزوجها. والثّانية: حين شبّهت الحسرة التي شعرت بها بعد موت كلّ من زوجها وابنها بالنّحلة التي تلدغ الإنسان لتبّين حدّة الألم وعمق الحزن اللّذين اختبرتهما.

وعلى الرّغم من المبرّر الإنسانيّ لحالة الأمّ بسبب فقدها ابنها وزوجها، إلاّ أنّ حجم هذا الانهيار النّفسيّ يكرّس مرّة أخرى مركزيّة الرّجل وأهمّيّته في حياة المرأة؛ كونه مصدر كيانها ومحور حياتها الوحيد.

ومن خلال استعراض العناصر المشار إليها سابقاً، يجد القارئ أنّ مسرحيّة "عرس الدّم" لم تقدّم نموذجاً جديداً للعلاقة بين الرّجل والمرأة، كما إنّ لوركا لم يوفّق في توظيف حسّه الثّوريّ لتقديم واستحداث مفاهيم متطوّرة لدور المرأة في حياة الرّجل، بل استخدم المرأة بصورتها النّمطيّة التّقليديّة التي تجعل منها عاشقة في أغلب الأحيان، فضلاً عن تقديمه لها بثوبٍ تكسوه الثّرثرة وتحرّكه بواعث الحقد والانتقام، ولعلّ هذا ينمّ عن نظرة تؤول إلى دلالات واحتمالات تحيل للمزيد من الافتراضات الجدليّة.